فهرس الكتاب

الصفحة 1179 من 1942

وعن ابن عباس: « أن رجلًا قال: يا رسول الله ، ما شاء الله وشئت ، فقال: جعلتني لله عدلًا ؟ بل ما شاء الله وحده » ( أحمد 1 / 2565 )

ونلاحظ في الأحاديث السابقة: أن النبي صلى الله عليه وسلم يحارب الغلو ويسارع إلى إنكاره بالتوجيه والإرشاد والحوار والدلالة إلى الخير والصواب والعمل الأفضل ، بل يحتج على المغالين بنفسه صلوات ربي وسلامه عليه فيقول"أما واللهِ إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصومُ وأُفطر، وأصلِّي وأرقُد، وأتزوجُ النساء، فمن رغِبَ عن سُنَّتي فليسَ مني». ( البخاري ، 9/5063 ) ."

وكيف لا يكون ذلك وهو قدوة الصالحين كما قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (الأحزاب:21) .

والغلو والتطرف من سنة الحياة التي لا يخلو عصر من عصورها منه ، فهو ملازم للبشر ، كالصراع بين الخير والشر الذي لا ينقطع حتى يرث الله الأرض ومن عليها ، والمتأمل في قوله صلى الله عليه وسلم كما جاء عن أبي سعيدٍ رضيَ اللَّهُ عنه قال: «بُعِثَ إِلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم بشيءٍ، فقَسَمَهُ بين أربعةٍ وقال: أتألفُهم. فقال رجلٌ: ما عَدَلتَ. فقال: يَخرُجُ من ضِئْضىء هذا قومٌ يمرُقونَ منَ الدين» . ( البخاري ، 8 / 4667 ) يدرك أن التطرف والغلو من سنن الحياة التي لا بد من حصولها ، ولذا وجب التعامل مع الغلو والتطرف تعاملًا يتفق مع سنة النبي صلى الله عليه وسلم كما في الأحاديث السابقة كالنصيحة والبيان والتوضيح والحوار والدلالة والإرشاد والإنكار بدرجاته الثلاث والتي قد تصل إلى القتال كما أورد النسائي في سننه مرفوعًا: «يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ كَأَنَّ هذَا مِنْهُمْ يَقْرَأونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيهِمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الاِسْلاَمِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ لاَ يَزَالُونَ يَخْرُجُونَ حَتَّى يَخْرُجَ آخِرُهُمْ مَعَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ فَإذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ» . ( النسائي 2 / 3532 ) .

ومقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان ( رضي الله عنه ) هو حلقة من حلقات الغلو والتطرف في التاريخ الإسلامي ، ثم ما حصل من الفتنة والقتال بين المسلمين بعد ذلك والله المستعان .

أنواع الغلو

سبق الكلام عن الغلو و التطرف وأنه"لم يعد في الدين فقط ، بل في مختلف ممارسات الحياة اليومية ، فقد يكون التطرف في الفكر أو السلوك أو فيهما معًا ، وقد يكون في الماديات كالجلوس أو المشي ، وفي المعاملات داخل الأسرة أو مع أفراد المجتمع ، وقد يكون التطرف في المجال السياسي حيث يكون رجل السياسة متسلطًا لا يقبل الحوار والرأي الآخر والأحزاب الأخرى ." ( فرج ،1426هـ، ص 9 ) .

وإذا أردنا أن نتكلم عن أنواع الغلو في الدين فنستطيع أن نصنفه في الأصناف التالية:

1-غلو اعتقادي ، كغلو الخوارج وأشباههم من الفرق المنحرفة ، حيث يكفّر الخوارج مرتكب الكبيرة ويقولون بتخليده في النار ، والرافضة يقولون بعصمة الأئمة ، وينزلون آل البيت ( رضي الله عنهم ) فوق المنزلة التي أنزلهم الله تعالى فيها .

2-غلو عملي ، كالغلو في العبادات ، والابتداع فيها ، وإيجاب ما لم يوجبه الله تعالى منها كتنزيل السنن والمستحبات منزلة الفرائض والواجبات ، والإنكار على من ترك السنة ، وكالزيادة في الوضوء على ثلاث غسلات ، ومنع المباحات ، والتضييق على الناس فيما وسّع الله تعالى لهم فيه .

3-غلو طبعي ، كالجفاء ، والغلظة ،والفظاظة في الدعوة ، وضيق النفس عن تقبل آراء الآخرين فيما يسوغ فيه الخلاف ، وترك الرفق واستبداله بالشدة في غير موضعها ، قال تعالى: ( أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ) (المائدة: من الآية54) ، وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ، وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ» . ( مسلم ، 16/6554) .

ويرى ( اليوسف ، 1425هـ ، ص 13 ) أن التطرف على ثلاث مستويات هي:

"أ- المستوى العقلي أو المعرفي والمتمثل في انعدام القدرة على التأمل والتفكير."

ب- المستوى الوجداني والمتمثل بالاندفاعية في السلوك.

ج- المستوى السلوكي والمتمثل في ممارسة العنف ضد الآخرين.""

موقف التربية الإسلامية من الغلو والتطرف

إن التربية الإسلامية تدعو المسلم إلى الاعتدال والتوازن ، لينشأ المسلم سويًا ، وبما يحقق له التربية السليمة بأبعادها المختلفة .

"والتربية الإسلامية ليست تربية مغالية أو مشطة في أساليبها واتجاهاتها ونظرتها إلى مختلف جوانب الشخصية الإنسانية ، بل تنظر إليها نظرة وسطية معتدلة متوازنة شمولية" ( الزنتاني ، 1993م ، ص 446 ) .

"وخاصية الاعتدال في التربية الإسلامية تكفل لفطرة الإنسان وطبيعته وكسبه ، كما شاء الله تعالى: هداية الإيمان والعقيدة فتزكي روحه ، وتفتح الفكر وحريته فتنمي عقله وتزيد معارفه وعلومه ، واتزان الوجدان بانفعالاته ومشاعره وأحاسيسه وعواطفه فترقي خلقه" ( المصدر السابق ، ص 446 ) .

و"يكسب الإسلام التربية توازنًا بين النظرية والتطبيق ، وتوازنًا بين الحياة الدنيا والحياة الآخرة ، وتوازنًا بين أشواق الفرد الروحية وتلبية حاجاته المادية والاجتماعية ، وهذا التوازن في التربية الإسلامية يجعلها أقرب ما تكون إلى طبيعة الأشياء" ( غبان وآخرون، 1415 هـ ، ص 111 ) .

قال تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) (لأعراف: من الآية32) .

وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) (البقرة:172) .

وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (المائدة:87) .

وقال تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (القصص:77) .

وقال تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (هود:1121) .

وقال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) (النساء: من الآية171)

وقال تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ) (المائدة: من الآية77) .

ونلاحظ في الأحاديث التالية: أن النبي صلى الله عليه وسلم يحارب الغلو ويسارع إلى إنكاره بالتوجيه والإرشاد والحوار والدلالة إلى الخير والصواب والعمل الأفضل ، بل يحتج على المغالين بنفسه صلوات ربي وسلامه عليه فيقول"أما واللهِ إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصومُ وأُفطر، وأصلِّي وأرقُد، وأتزوجُ النساء، فمن رغِبَ عن سُنَّتي فليسَ مني». ( البخاري ، 9/5063 ) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت