فأصول العبادات راجعة إلى حفظ الدين من ناحية الوجود: كالإيمان، والنطق بالشهادتين، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وما أشبه ذلك.. والعادات راجعة إلى حفظ النفس والعمل من جانب الوجود أيضًا: كتناول المأكولات، والمشروبات، والملبوسات، والمسكونات.. والمعاملات راجعة إلى حفظ النسل و المال من جانب الوجود، وإلى حفظ النفس و العقل أيضا.ً. والجنايات راجعة إلى حفظ الجميع من دين ونفس وعرض وعقل ومال من جانب العدم.
والذي يجمع كل ذلك من الجانبين: الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر (الحسبة) ، فيجمعها من جانب الوجود الأمر بالمعروف، ومن جانب العدم النهي عن المنكر.
وأما الحاجيات فترجع إلى ما يرفع الحرج عن الناس، ويخفف عنهم أعباء التكليف، وييسر لهم طرق المعاملات و المبادلات. وهي جارية في العبادات والمعاملات والجنايات. ففي العبادات شرعت الرخص تخفيفًا عن المكلفين إذا كان في العزيمة مشقة عليهم: كرخصة الإفطار في رمضان لكل من المريض والمسافر. وفي المعاملات شرعت البيوع والإجارات والمضاربات، ورخص في عقود لا تنطبق على الأصول العامة: كالسلم والاستصناع والمزارعة والمساقاة، وغير ذلك مما يحتاج إليه الناس. وفي الجنايات شرعت القسامة، وضربت الدية على العاقلة، وغير ذلك.
وأما التحسينيات فترجع إلى كل ما يجمل حال الناس ويجعلها على وفاق مما يليق بمحاسن العادات، وتجنب الأحوال المداسات التي تأنفها العقول الراجحات. ويجمع ذلك مكارم الأخلاق. وهي جارية في العبادات والمعاملات والعقوبات. ففي العبادات شرعت الطهارة وأخذ الزينة. وفي المعاملات منع الغش والتدليس والتغرير وبيع النجاسات. وفي العقوبات منع من قتل الرهبان والنساء والصبيان الذين لم يشاركوا في القتال، ونهي عن المُثلة و الغدر وغير ذلك [41] .
ثالثًا: الحسبة وتحديد مضامين حقوق الإنسان:
إذا كانت المواثيق الغربية المعاصرة لحقوق الإنسان ودساتير الدول لم تتناول مضامين الحقوق بشكل قانوني منظم ومبوب، وإنما عمدت إلى تقريرها بأسلوب عاطفي أدبي، مما يزيد في انتقائية الدول لهذه الحقوق، ويجعلها في مرونة السلطة الحاكمة في إقرار بعض الحقوق أو عدم إقرارها في المجتمع، وليس أدل على ذلك من التفرقة العنصرية ضد الملونين التي تمارسها الدول الديمقراطية التي تدعي دفاعها عن حقوق الإنسان، أو السياسة الاستعمارية البشعة التي تمارسها كثير من الدول الكبرى في العالم [42] ، فإن علماء الحسبة الشرعية قد تناولوا مضامين حقوق الإنسان بشكل مبوب يفوت على الدولة الانتقائية في إقرار الحقوق، ويكسب تلك الحقوق الحماية.
فقد قسم ابن تيمية الحقوق إلى قسمين: أولهما: الحقوق التي ليست لقوم معينين، بل منفعتها لمطلق المسلمين، أو نوع منهم، كلهم محتاج إليها، وتسمى حدود الله وحقوق الله، ومثّل لذلك بحد قطع الطريق، وحد السرقة، والزنى، والتصرف في الأموال السلطانية (المالية العامة) ، والوقف، والوصايا التي ليست لمعين. فهذه من أهم أمور الولايات، ولهذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «لا بد للناس من إمارة، بَرَّة كانت أو فاجرة. فقيل: يا أمير المؤمنين هذه البرة قد عرفناها فما بال الفاجرة؟ فقال: يقام بها الحدود، وتأمن بها السبل، ويجاهد بها العدو، ويقسم بها الفيء» ، فهذا القسم يجب على الولاة البحث عنه وإقامته من غير دعوى أحد به: وأما القسم الثاني: فهو الحقوق التي لآدمي معين، وترجع إلى حفظ النفس بالقصاص، والعقل، والمال بتشريع المعاملات وغير ذلك [43] .
ويضيف الماوردي قسمًا ثالثًا إلى حقوق الله وحقوق الآدميين: وهو الحقوق المشتركة بين حقوق الله وحقوق الآدميين، ولهذا نجده قد قسم الحقوق ثلاثة أقسام وربطها بالحسبة بفرعيها: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر [44] .
وجعل الفرع الأول على ثلاثة أقسام. وهي حقوق تتعلق بالله تعالى وما يجب له، وحقوق تتعلق بالآدميين، وحقوق مشتركة بين الله والآدميين.
فالقسم الأول: المتعلق بحقوق الله على ضربين:
الضرب الأول: ما يلزم الأمر به في الجماعة دون الانفراد: كصلاة الجمعة في وطن مسكون، وصلاة الجماعة في المساجد، وإقامة الأذان فيها. فهي من شعائر الإسلام وعلامات التعبد، فإذا اجتمع أهل بلد أو محلة على تعطيل صلاة الجماعة في مساجدهم، وترك الأذان في إقامة صلواتهم، كان المحتسب مندوبًا إلى أمرهم بالأذان والجماعة في الصلوات.
وأما الضرب الثاني:فما يأمر به آحاد الناس وأفرادهم: كالأمر بأداء الصلاة في وقتها وعدم تأخيرها، فيذكر المحتسب بها ويأمر بفعلها.
وأما القسم الثاني: المتعلق بالأمر بالمعروف في حقوق الآدميين فعلى ضربين: عام، وخاص:
فالضرب الأول: عام يتعلق بمصلحة عموم الناس: ومثاله ما إذا تعطل شِرب [45] البلد، أو انهدم سوره، فعلى المحتسب أن يأمر المسؤولين بإصلاحه إذا كان في بيت المال مال وإلا لزم الكافة القيام بذلك، فيبادر القادرون إلى إصلاحه، وإن قصروا في ذلك أمرهم المحتسب وحثهم عليه.
وأما الضرب الثاني: من حقوق الآدميين فهو خاص، ويكون فيما إذا مُطلت الديون وأخر المدين القادر على سدادها، فللمحتسب أن يأمر القادرين على السداد بقضاء ما عليهم من ديون إذا حان وقت السداد، إذا طلب منه أصحاب الديون ذلك.
وأما القسم الثالث المتعلق بالأمر بالمعروف فيما كان مشتركًا من حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين، فيمثل له بأمر الأولياء بنكاح الأيامى أكفائهن إذا اشتكين للمحتسب، ومنع تعسف الأولياء في حق الولاية عليهن، وإلزام النساء بأحكام العدة إذا فورقن، وله تأديب من خالفت في العدة: بأن تزوجت قبل انتهائها. ويأخذ السادة بحقوق العبيد والإماء و (الخدم) ، وأن لا يكلفوا من الأعمال مالا يطيقون، ويأمر من أخذ لقيطًا برعايته، وعدم التقصير في كفالته.
وجعل الفرع الثاني: وهو النهي عن المنكر، على ثلاثة أقسام أيضًا:
فالقسم الأول: يتعلق بحقوق الله تعالى، وهو على ثلاثة أضرب:
الضرب الأول: ما يتعلق بالعبادات، من قصد مخالفة هيئاتها المشروعة، وتعمد تغيير أوصافها المسنونة: كأن يقصد الجهر في صلاة الإسرار، والإسرار في صلاة الجهر، أو أن يزيد في الصلاة أو الأذان أذكارًا غير مسنونة؛ فللمحتسب إنكارها وتأديب المعاند فيها. وكذلك إذا أخل الإنسان بتطهير جسده أو ثوبه أو موضع صلاته أنكره عليه إذا تحقق ذلك، وإذا رأى من يتصدى لعلم الشرع وليس من أهله أنكر عليه ذلك.
وأما الضرب الثاني: فما يتعلق بالمحظورات من حقوق الله، مثل منع الناس من مواقف الريب ومظان التهمة: كوقوف رجل مع إمرأة في طريق خال، والمجاهرة بإظهار الخمر، واستعمال الملاهي المحرمة وغير ذلك.
وأما الضرب الثالث: فما يتعلق بالمعاملات من حقوق الله، والبيوع الفاسدة، والعقود المحرمة، والغش في المبيعات، وتدليس الأثمان، وغير ذلك.
وأما القسم الثاني: المتعلق بالنهي عن المنكر في حقوق الآدميين المحضة؛ فيمثل له بتعدي الجيران على بعضهم، إذا طلب المتعدى عليه إنصافه. وكذلك مراقبة أهل الصنائع في الأسواق ومنعهم من الغش.