فهرس الكتاب

الصفحة 1218 من 1942

وأما القسم الثالث: المتعلق بالنهي عن المنكر في الحقوق المشتركة بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين؛ فيمثل له بالمنع من الإشراف على منازل الناس والإطلاع على عوراتهم، ومنع أئمة المساجد من الإطالة في الصلاة حتى لا يعجز عنها الضعفاء ولا ينقطع عنها ذوو الحاجات. ومنع القضاة من الجور في الأحكام. ومنع أرباب السفن من حمل ما لا تسعه، ويخاف منه غرقها، ومنعهم من السير عند اشتداد الريح، وإذا حمل فيها الرجال والنساء حجز بينهم بحائل. ويراقب المحتسب المحلات التي يرتادها النساء، فإذا كان العامل فيها ممن حسنت سيرته وأمانته أقره فيها، وإن ظهرت منه الريبة وبان عليه الفجور؛ منع من العمل فيها وأدب على ذلك. وينظر المحتسب في مقاعد الأسواق، فيقر منها ما لا ضرر فيه على المارة، ويمنع ما استضر به المارة. ويمنع من التكسب بالكهانة واللهو، ويؤدب عليه الآخذ والمعطي وغير ذلك.

مما سبق من عرض لأنوع حقوق الإنسان في تشريع الحسبة في الفقه الإسلامي، تتبين الأمور التالية:

1-إن الحسبة ببيان أنواع الحقوق فيها تستوعب كل ما جاء في إعلانات حقوق الإنسان في الدساتير الحديثة والمواثيق الدولية المعاصرة، فهي تشمل الحقوق الشخصية الذاتية والفكرية والسياسية والقانونية والاجتماعية والاقتصادية والحريات العامة: كحرية التعبير وحرية التنقل والإقامة، والحرية الفكرية والمعنوية، هذا بالإضافة إلى تقرير حق المساواة بين أفراد الدولة أمام شريعة الله تعالى. كما يتمتع أهل الذمة من غير المسلمين بالمساواة أمام القانون والقضاء؛ لأن الذمي من رعوية الدولة الإسلامية ويحمل جنسيتها، فله حقوق المواطنة العامة في الإسلام.

وتزيد حقوق الإنسان في الإسلام على ما جاء في تلك المواثيق بإقرار عبودية الإنسان لخالقه تعالى، وتحريره من العبودية للخلق. وهي ركيزة أساسية في تحقيق إنسانية الإنسان وكرامته، إذ بدونها تبقى حقوقه عرضة للانتهاك.

2-إن الحسبة في عرضها للحقوق الواجبة للإنسان لا تغفل عن الواجبات الملقاة على عاتقه، فيجعل كثيرًا من حقوقه واجبات دينية مطالب بها. فإبداء الرأي (الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر) واجب شرعي عليه وحق له كذلك، أوجبه الإسلام على الفرد المسلم في قوله تعالى: (( وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ) (آل عمران:104) ، واعتبره حقًا له وواجبًا على الدولة، فعليها أن تمكن المسلمين من أدائه، في قوله: (( وَشَاوِرْهُمْ فِى الاْمْرِ ) ) (آل عمران:159) كما يجب على الدولة أن تخصص ولاية خاصة بالحسبة، وتعين المحتسب والأعوان.

هذا بالإضافة إلى أن الحقوق في الإسلام جاءت مقيدة بالواجبات: فحرية التنقل في داخل بلاد الدولة الإسلامية مقيدة بعدم إلحاق الضرر بالأمة، كأن يكون ذلك البلد ثغرًا في مواجهة العدو، وحينئذ فإن على أهله واجب البقاء فيه وعدم الانتقال عنه، ولو تعرضت مرافقه للتلف فيجب على الدولة إصلاحها إن كان في بيت المال مال، والإ وجب على الكافة القيام بالإصلاح، ولا يجوز لهم الانتقال عنه، كما قال الماوردي: «إن كان البلد- أي الذي تعرض شِربه للتلف- ثغرًا بدار الإسلام لم يجز لولي الأمر أن يفسح في الانتقال عنه، وكان حكمه حكم النوازل إذا حدثت في قيام كافة ذوي المكنة به. وكان تأثير المحتسب في مثل هذا إعلام السلطان به وترغيب أهل المكنة في عمله. وإن لم يكن هذا البلد ثغرًا مضرًا بدار الإسلام كان أمره أيسر وحكمه أخف...» [46] .

إن الجمع بين الحقوق والواجبات في تشريع الحسبة وغيرها، يؤدي إلى تواضع الإنسان في مطالبته بحقوقه وعدم تسرعه، فقبل المطالبة للآخرين بالحقوق يطالب نفسه بالواجبات الملقاة على عاتقه. وهذا بدوره يؤدي إلى إيجاد إنسان الواجب الذي يستشعر دوره في المجتمع، وبالتالي يكون معطاء فعالًا إيجابيًا مدركًا لواجبه تجاه نفسه ومجتمعه ودينه.

3-إن تشريع الحسبة قرر الحقوق الجماعية للشعوب ولم يكتف بتقرير حقوق الفرد: مثل حق تقرير المصير والكيان السياسي للأمة، وهي ما يطلق عليها المصلحة العامة أو حق الله تعالى، وهي حقوق مقدمة على الحقوق الخاصة، كما جاء في حديث السفينة، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ المُدْهِن في حدود الله والواقع فيها مثلُ قوم استهموا سفينة، فصار بعضهم في أسفلها، وصار بعضهم في أعلاها، فكان الذي في أسفلها يمرون بالماء على الذين في أعلاها، فتأذوا به فأخذ فأسًا فجعل ينقر أسفل السفينة، فأتوه، فقالوا: مالك؟، قال: تأذيتم بي ولا بد لي من الماء، فإذا أخذوا على يديه أنجوه ونجّوا أنفسهم، وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم» [47] .

رابعًا: الحسبة و دور الدولة في حماية حقوق الأنسان:

ولاية الحسبة من الولايات الشرعية العامة الخاضعة لسلطة الدولة، حيث تجب على الإمام بحكم وظيفته في حفظ الدين على أصوله المستقرة وتنفيذ أحكامه، ورعاية حقوق الناس ومصالحهم [48] . ولذلك كان الخلفاء في العصور الأولى للإسلام يباشرونها بأنفسهم، ثم أسندوا أمرها إلى والٍ خاص يُعْرَف بالمحتسب، وأُعطي من الصلاحيات و الأعوان بحيث يقوم بها خير قيام، فيمشي في الأسواق والشوارع ويقتحم أبواب المؤسسات العامة والدوائر الحكومية، ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، سواء تعلق ذلك بقيمة من قيم الإسلام معطلة أو بحق من حقوق الناس مهدر، مهما كان مركز ذلك الفاعل للمنكر، فيدخل المحتسب على الأمراء والولاة وينكر عليهم، كما قال ابن الإخوة: «ينبغي للمحتسب أن يقصد مجالس الأمراء والولاة ويأمرهم بالشفقة على الرعية، والإحسان إليهم، ويذكر لهم ما ورد في ذلك من الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل: «ما من عبد استرعاه الله رعية، ولم يحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة» [49] ، وقال صلى الله عليه وسلم: «ما من وال يلي رعية من المسلمين، فيموت وهو غاش لهم إلا حرم الله عليه الجنة» [50] ، ويبين لهم خطر الولاية. ولا يسلم الوالي إلا بمخالطة العلماء والصلحاء وفضلاء الدين ليعلموه طريق العدل.

ومن أعظم خصال الوالي وأحمدها توقيًا في نفوس الخاصة والعامة، إنصافه من خاصته وحاشيته وأعوانه، وتفقدهم في كل ساعة، ويمنعهم أن يأخذوا فوق ما يستحقون.. » [51] ، ويدخل على القضاة في محاكمهم، كما قال ابن بسام: «ينبغي للمحتسب أن يتردد إلى مجالس القضاة والحكام... فإذا رأى القاضي قد اشتاط على رجل غيظًا أو شتمه أو احتدّ عليه في كلامه ردعه عن ذلك، ووعظه، وخوفه الله عز وجل، فإن القاضي لا يجوز له أن يحكم وهو غضبان، ولا يقول هجرًا ولا يكون فظًا غليظًا» [52] ..

ويراقب المحتسب التجار والصناع، ويشرف على أحوالهم، ويطالع أخبارهم، فيقر المعروف وينكر المنكر، ويمنع صاحب كل صناعة من الغش في صناعته، وكل تاجر من الغش في بضاعته [53] .

فعلى المحتسب أن يأخذ على يد الظالم، وأن يحارب الجريمة والانحراف قبل أن يستفحل خطرها ويشتد أمرها، وتفتك بالناس في المجتمع؛ وإلا كان مسؤولًا عن ذلك، ومن ورائه الدولة التي عينته، قال تعالى: (( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِى إِسْراءيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذالِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ(78) كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ )) (المائدة: 78-79) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت