فهرس الكتاب

الصفحة 1240 من 1942

وهذا المنع من اكتناز المال ومحاربته بفرض ضريبة الزكاة عليه، يعبر عن أوجه الخلاف الخطير بين المذهب الإسلامي والمذهب الرأسمالي كما ذكرنا سابقًا، فالنظام الرأسمالي يشجعه، ويخلق له المصارف وبيوت المال لتكديسه وحجبه عن الإنتاج المثمر، ويكافئه بتشريع نظام الفائدة بينما يحاربه الإسلام ويمتصه عن طريق الزكاة ويدخله في حلبة الإنتاج وزيادة الاستهلاك الذي يدير عجلة الإنتاج.

ب- أما من الناحية السياسية، فإن استئثار فئة قليلة بالقسم الأكبر من المال، لابد أن يؤدي إلى أن يطغى نفوذها على الحكام أنفسهم، فلا يصبح بمقدورهم أن يعالجوا الخلل الاقتصادي والاجتماعي.

الآية: ]كي لا تكون دولة بين الأغنياء منكم[ (الحشر-7)

وهو ما نعيشه في الوقت الحاضر، في كافة بقاع العالم، إذ أن الثروات الضخمة التي تكدست في أيدي فئة قليلة من البشر، فاقت الثروات التي تملكها الحكومات ذاتها، ففقدت الدول بذلك هيبتها وسيطرتها على هؤلاء. الأثرياء، وانحصرت مهمتها بتأمين مصالحهم الخاصة فقط وتيسير مهماتهم على حساب استفحال الفقر والجوع والحرمان من أمس الحاجات الضرورية التي تقاسي منها الغالبية العظمى من الشعوب.

جـ- تحقيق التوازن الاجتماعي، وذلك بتأمين التقارب في مستوى المعيشة بين جميع أفراد الأمة، وذلك عن طريق تحويل المجتمع إلى طبقة واحدة غنية ومترفة، أي مساواة الناس بالغنى وليس بالفقر كما هو الحال في النظامين السابقين والدليل الفقهي على علاقة هذه الضريبة، وما إليها (الصدقة، والخمس) حسب المذاهب، بأغراض التوازن الاجتماعي، بالإضافة إلى الناحية الإنسانية والاقتصادية ما يلي:

عن إسحاق بن عمار:"قال: قلت للإمام جعفر بن محمد: هل أعطي الفقير مائة من الزكاة؟ قال: نعم، قلت: مائتين؟ قال: نعم، قلت: ثلاثمائة؟ قال: نعم، قلت: أربعمائة؟ قال نعم، قلت: خمسمائة؟ قال: نعم حتى تغنيه..."

وكما مر معنا عن أبي بصير، عن الإمام جعفر بن الصادق:

"إن الله تعالى نظر في أموال الأغنياء، ثم نظر في الفقراء، فجعل لهم في أموال الأغنياء ما يكتفون به، ولو لم يكفهم لزادهم".

وعن الإمام علي رضي الله عنه: ] إن الله سبحانه وتعالى فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلا بما منع به غني، والله تعالى جده سائلهم عن ذلك يوم القيامة[. نهج البلاغة.

وفي كل ذلك ما يبين امتداد حق الفقراء في أموال الأغنياء حتى الغنى وتحقيق التوازن الاجتماعي، وتقريب مستويات المعيشة بين جميع أفراد الأمة والمجتمع.

أصحاب الحق في الزكاة

الآيات: ]والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم[ (المعارج-25)

]إنما الصدقات للفقراء والمساكين، والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين وفي سبيل الله، وابن السبيل[ (التوبة/ 60)

فالزكاة إذًا، هي حق معلوم في أموال الأغنياء، يصرف للفئات التي سمتها الآية 60 من صورة التوبة المذكورة.

الحض على العمل: وإذا كان الإسلام قد جعل لغير العاملين والفقراء والمساكين... الخ، ممن ورد ذكرهم في أحكام الزكاة، حقًا في ثروات الله التي حصل عليها العاملون، فإن هذا لا يعني أنه دفع الناس للخلود إلى الراحة والكسل، والاعتماد على الغير في معيشتهم، بل -على العكس- فقد حض الله تعالى على العمل وقدسه إلى منزلة العبادة

الآيات: ] وقل اعملوا فسيرى الله عملكم[ (التوبه-105)

] هو أنشأكم من الأرض، واستعمركم فيها[ (هود /61) أي كلفكم بإعمارها.

] هو الذي جعل لكم الأرض ذلولًا، فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور[ (الملك/ 15)

-وفضل الإسلام من يأكل بعمل يده عمن يقبل الصدقة. وقال (ص)

"اليد العليا خير من اليد السفلى"فأخذ المسلمون يتسابقون إلى العمل وأداء الصدقة بدل قبولها

وقال أيضًا:"من فتح على نفسه باب السؤال، فتح الله عليه سبعين بابًا من الفقر".

ومن تقديسه للعمل إلى منزلة العبادة، جاء في الحديث:

أثنى الصحابة أمام الرسول على رجل يكثر من العبادة، فسألهم: من يعيله؟ قالوا:"كلنا"، فقال:"كلكم أعبد منه".

وعن الرسول (ص) : أنه رفع يومًا يد عامل مكدود فقبلها، وقال:

"طلب الحلال فرض على كل مسلم ومسلمة، ومن أكل من كد يده مر على الصراط كالبرق، ومن أكل من كد يده نظر الله إليه بالرحمة، ثم لا يعذبه أبدًا، ومن أكل من كد يده حلالًا فتح الله له أبواب الجنة يدخل من أين شاء."

وكان الرسول (ص) كما جاء في سيرته الشريفة، يسأل عن الشخص إذا أعجبه مظهره، فإذا قيل له"ليس له حرفة، ولا عمل يمارسه"، سقط من عينه،

ويقول:"إن المؤمن من إذا لم تكن لديه حرفة يعيش بدينه".

ويقول الصادق:"لا خير فيمن لا يحب جمع المال من حلال، يكف به وجهه، ويقضي به دينه، ويصل به رحمه".

وجعل الإسلام العمل سببًا لتملك الأرض:"من أحيا أرضًا فهي له"، كما جعل عمارة الأرض سببًا لتملكها، فإن توقف عن إعمارها اقتطعت منه. قال (ص) :"وليس لمحتجز حق فوق ثلاث"، أي لا يحق لمن يحتجز أرضًا أن يهملها أكثر من ثلاث سنوات.

الحض على العلم:

كان الحصن على العلم أول آية أنزلت على رسول الله (ص) ، الآية: ] اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان مالم يعلم[.

وجعل الإسلام من طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة:

الحديث: ]العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة[.

"كما جعل العلماء بمثابة الأنبياء وفضلهم على سائر البشر:"

] هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟![ (الزمره-5)

الآية: ] إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون[. (الرعد-4)

] إنما يخشى الله من عباده العلماء[. (*) (فاطر-28)

] ويتفكرون في خلق السموات والأرض[

وأقرن الإسلام العلم بالعمل:"العلم والعمل توأمان"، وذلك لكي يتم التحقيق من صواب العلم من خلال تطبيقه العملي، ولكي تتم تغذية العمل باستمرار بنتائج العلم الصائب، لتطوير العمل وتحسينه. ولكنه ألح على طلب العلم النافع:"اللهم احمنا من علمٍ لا ينفع"، (للأسف، إننا في عصر يسود فيه العلم الضار - بكافة صنوفه من الطب، للزراعة وأسمدتها الكيماوية ومبيدات أعشابها وتصنيعها، إلى الفضاء وتجسسه وأسلحته الفتاكة، إلى الإشعاعات والجينات وأنابيب خلق الكائنات...الخ) (**)

وبصورة عامة، لابد للعلم والعمل من أن يهدفا إلى تحقيق سعادة الفرد في الدنيا وخلوده في الآخرة: عن علي (ع) :

"اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا".

وذلك، لكي لا يفقد الإنسان أمله في الحياة، فلا يتوقف عن العمل المستمر مهما أصيب من أمراض، ومصائب وفشل (فالله يغير من حالٍ إلى حال) .

ولابد من أن يكون عمله -في الوقت نفسه- صالحًا لخير المجتمع، فيكسب بذلك دينه ودنياه.

وهكذا، فإن السياسة الاقتصادية في الإسلام توجب على الحاكم تحسين الدخول فردًا فردًا، أي ليس باحتساب الزيادة الإجمالية في الدخل التي قد لا تصيب في التوزيع إلا فئة بسيطة من المستغلين، كما هو الحال في النظامين السابقين.

وبفضل هذه العدالة الاجتماعية، ازداد الشعور بالمسؤولية بين المسلمين، وأقبلوا على العمل بشغف وإتقان ونشاط، لدرجة قلما كان يوجد بين صفوف المسلمين من يستحق الزكاة. ويشهد على ذلك أنه في عهد الخليفة (عمر بن عبدالعزيز) ، كان أحد عملائه في الكوفة يعيد الأموال، التي كان يكلفه الخليفة بتوزيعها على الفقراء والمحتاجين، إلى بيت مال المسلمين، وعندما سأله الخليفةعن السبب أجاب:

"لم أجد فيها من يستحق الزكاة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت