وكما قال الكاتب الفرنسي الكبير (آلان راود) ، في كتابه"اليمن وشعوبها":"أحببت صنعاء كما يحب البستان الماء، لا لأنها بلد الـ (13000) حمام و (13000) جامع، في كامل الجلال والجمال، في عهد هارون الرشيد، ولكن، لأن فيها كل ما يشهد على حضارة ورفاهية شعب بأسره" (*) .
والسؤال الآن:
لماذا جعل الإسلام الزكاة حقًا للسائل والمحروم...الخ
وليست مجرد هبة أو صدقة؟!..
مما لاشك فيه، أن للزكاة -كما رأينا - منافع عديدة، اقتصادية، وسياسية، واجتماعية، وهي العبادة الوحيدة المكلفة، والمتوجبة طيلة حياة المسلم المكلف. ولكن...لماذا جعلها الله سبحانه وتعالى حقًا للمستحقين، وليست هبة أو صدقة، كما في قوله تعالى:
الآية: ]الذين في أموالكم حق معلوم للسائل والمحروم[. (النور-33)
والجواب -على ما أعتقد يكمن - بصفتي اقتصادية- في الآيتين الكريمتين التاليتين:
-]وآتوهم من مال الله الذي آتاكم[.
-والله الذي خلق السموات والأرض، وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم، وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره، وسخر لكم الأنهار، وآتاكم من كل ما سألتموه، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، إن الإنسان لظلوم كفار". (ابراهيم-32) "
أي أن الله سبحانه وتعالى الذي خلق الكائنات على وجه الأرض، خلق لهم فيها ما يكفيهم جميعًا.وأن ما على سطح الأرض، ومافي جوفها، وسمائها هوملك لله وحده، ومخصص لجميع عباده.وما الإنسان العامل إلا مستخلف من قبل الله لاستثمار خيراته. فالامتناع عن استغلالها أو المنع من ذلك، يعتبر ظلمًا وكفرًا، ويحول دون وصول البشر إلى مرتبة خليفة الله في الأرض.
أما العاجزون عن العمل والمحرومون فيه، والبؤساء والمساكين.. الخ. فهم أيضًا من عباد الله، ولهم نصيبهم مما آتى العاملين والمورثين، فهو خالقهم وكافلهم أيضًا من ثروات الله ] وآتوهم من مال الله الذي آتاكم[.
في الحقيقة، إن الله الذي خلق هذا الكون بكل مافيه من إنسان وحيوان ونبات، خلق له معه في هذه الطبيعة كل مايكفل له حياته إلى أجل لا يعلمه إلا هو. فالإنسان، يجد في هذه الأرض، كل مايؤمن له، طعامه وشرابه، وكساءه، ودواءه، ومتعته ومأواه.. الخ.. وحضه على العمل لاستثمار هذه الثروات واستغلالها، وجهزه بكل مايلزم لذلك من عقل وطاقة وقوة... الخ. وفرض عليه أن يؤدي من هذا المال الذي آتاه الله به حصة الفقراء والمساكين والمحرومين من العمل.. الخ، أصحاب الحق في الحياة من هذه الثروات مثله.
والحيوان، هداه الله عن طريق الغريزة إلى اكتشاف مايؤمن له غذاءه الذي يتفق مع تكوينه، واختيار مأواه، وحماية نفسه.. الخ ( وما تدخل الإنسان في حياة الحيوانات، وتعليمها دروسها، وتكثيرها بطرق اصطناعية تجارية محضة، إلا وراء اندثار القسم الأكبر من هذه الحيوانات، وفسادها) ، فالعصفور -على سبيل المثال- يميز من ذاته بين الحبة النافعة التي تلائمه وغير النافعة، أو الحجرة؛ والنحلة، وحتى النملة، أدق مخلوقات الله، تقوم بنفسها بأمهر ما يقوم به أفضل العلماء من بني الإنسان فبيوت النمل الرائعة الصنع استوحيت منها ناطحات السحاب في أمريكا، والنحل -كما نعلم- يقوم بأدهش عملية إنتاجية في الكون، تنظم فيها مراحل الإنتاج، وتوزع الأدوار على العاملات وتقوم كل منها بدورها في أوقات محددة دقيقة، حسب المستلزمات والمعطيات من الطبيعة، دون أن يكون فيها أي دور أوجهد للإنسان، اللهم إلا ليمد يده ويتناول أقراص الشهد، ويأكله هنيئًا مريئًا فيه شفاء للناس.
(وكلنا يعلم أن تدخل الإنسان الحديث في تغذية النحل في الوقت الحاضر، قد أفسد العسل، وشل وظيفته كشفاء للناس، إن لم يكن قد حولها إلى ضرر بالصحة) .
فلماذا يختص الشخص الذي حصل على العسل به وحده، وما الذي جعل له الحق به وحده، من دون المحتاج، علمًا بأنه خلق للناس أجمعين؟
فعملية الإنتاج في هذا المثال، واليد العاملة، والمواد الأولية، والإشراف على العمل، ورأس المال والعمل والعمال، كلها من عند الله، وهديه لعباده.
وقس على ذلك بالنسبة للأسماك، التي تغص بها البحار والأنهار، والتي لا تتطلب إلا إلقاء الشبكة في الماء (*) ، وملايين الأنواع من النباتات الصالحة كغذاء وكساء ودواء، مما اكتشف، ومالم يكتشف بعد، والتي لا حاجة في إنتاجها للإنسان وعمله، فكلها من عند الله، ولصالح عباده أجمعين.
كما أن هناك عددًا لا يحصى من الثروات التي خلقها الله في الطبيعة، والتي لابد للاستفادة منها من عمل الإنسان. كاستخراج المعادن من باطن الأرض، وتصنيعها وتحويلها، وزراعة البساتين والكروم والحقول... الخ. ويتجلى في هذه العمليات الإنتاجية اشتراك الخالق مع البشر جنبًا إلى جنب في استخراج ملك الله واستثماره.
ولنأخذ مثال الإنبات في الزراعة، لنحدد ما نتج منه بفضل عمل البشر، وماهو من هبة الإله.
فهناك عدد كبير من النباتات والثمار، لا تحتاج من جهد الإنسان إلا وضع البزرة في التربة، علمًا بأن البزرة الأولى، والشجرة الأولى لكل ما ينبت على وجه الأرض من نباتات هي من خلق الله. قال تعالى: ]وآية لهم الأرض الميتة أحييناها، وأخرجنا منها حبًا فمنها يأكلون، وجعلنا فيها جناتٍ من نخيل وأعنابٍ، وفجرنا فيها من العيون[. (ياسين-33)
وما التربة وما بداخلها من مواد عضوية لتغذيتها، والأمطار التي تهطل من السماء لسقايتها، والشمس التي تمدها بالحرارة لإنضاجها، والرياح التي تتولى عملية التلقيح، وتمدها بالأوكسجين والهيدروجين إلى آخر ما هنالك،مما نعلم وما لا نعلم.. ما هذا كله إلا من عند الله، وليس لإنسان أي دور فيه (*) ، فالمواد الأولية الأساسية في هذا المثال، الضرورية لعملية الإنتاج، كلها هبة من عند الله، ولذا فإن الإنتاج حق لعباده أجمعين.
وهناك عدد آخر من النباتات تحتاج إلى جهد أكبر من الإنسان في زراعتها، وسقايتها، وحصادها، وجنيها، كما تحتاج إلى رأس مال لتأمين ذلك. أي أنها تحتاج إلى:
ـ رأس مال.
ـ أدوات إنتاج، تقليدية أو عصرية.
ـ يد عاملة.
ولكن، هذه الخدمات لا تقاس بالعطاءات المجانية التي يقدمها الإله، وهي الوسائل الرئيسية في الإنتاج، ولا يمكن أن يتم الإنتاج بدونها:
ـ الأرض وما تحتوي تربتها من المواد العضوية.
ـ الماء الذي ينبع من الأرض أو يهبط من السماء.
ـ الشمس، والهواء,....الخ..
وهذه تأتي كلها مجانًا من عند الإله، والحق فيها لعباد الله قاطبة"."
فكيف يتم التوزيع حسب النظام الحالي، وكيف يجب أن يتم حسب تعاليم الإسلام؟...
التوزيع حسب النظام الحالي:
يأتي رأس المال، على رأس المستفيدين من حصة الإنتاج، من ربح، وفائدة وريع، علمًا بأن صاحبه لايقوم بأي عمل
وإذا ما كان هونفسه الذي يقدم وسائل الإنتاج، كالشركات العالمية، وهذا هو الغالب في الوقت الحاضر، فإنه يستأثر بالإنتاج وحده، ولا يصيب العاملين الذين قدموا الجهد الأكبر سوى نسبة بسيطة كأجر، لا يكفيه قوت يومه، وهو يأخذ بالتضاؤل شيئًا فشيئًا نظرًا لكثرة العرض في اليد العاملة على الطلب، والمشردة من كافة بلدان العالم.
فتوزيع الإنتاج يقتصر هنا على حق رأس المال وأدواته من الوسائل البشرية، ولا يأخذ بعين الاعتبار وسائل الإنتاج الربانية، والتي بدونها لا يستطيع أي إنسان، وأي رأس مال، وأية وسائل إنتاج بشرية، أن تنتج شيئًا. أي أن التوزيع -بهذه الحالة- لا يصيب حصة الفقراء والمحتاجين...الخ. ممن لهم حق ونصيب في هبات الله، والذين خلقهم وتكفل بهم.
التوزيع حسب أحكام الله: