يجعل الإسلام العمل -بصورة عامة- شرطًا في تملك الثروة الطبيعية التي لا يملكها فرد آخر مثل: الخشب الذي يقتطعه العامل من أشجار الغابة، والأسماك والطيور في البحر والجو، والمواد المعدنية التي يستخرجها المنتج من مناجمها، والأرض الميتة التي يحييها الزراع ويعدونها للإنتاج، وعين الماء التي يستنبطها من أعماق الأرض... الخ. وهي كلها ملك عام كما ذكرنا.
فالعامل -في هذه الحالات- له وحده ملكية الإنتاج الذي أنتجه، على أن يوزع، قبل كل شيء، حصة غير العاملين والمحتاجين... الخ. الوارد ذكرهم في آية التوبة، كما ذكرنا سابقًا، وليس لرأس المال على تلك الثروات إلا الحق بالأجر.
وبهذا، فإن الفرق بين النظرية الإسلامية في التوزيع، مابعد الإنتاج، والنظرية الرأسمالية كبير للغاية. ومرد هذا الفرق إلى اختلاف النظريتين في تحديد مركز الإنسان، ودوره في عملية الإنتاج. فدور الإنسان في الأولى هو دور الوسيلة التي تخدم الإنتاج، ودوره في الإسلام الغاية التي يخدمها الإنتاج. فالإنسان، في النظام الرأسمالي، كما في النظام الاشتراكي، هو بمثابة سائر القوى المساهمة في الإنتاج، يتلقى نصيبه من الثروة الطبيعية التي جهد في استخراجها وتحويلها، بوصفه خادمًا للإنتاج، كأجر فقط، لاستمرار حياته وعمله، بينما يصبح مالك رأس المال مستحوذًا على جميع ما يقوم به الأجراء لإنتاجه، ومن حقه بيعه بالثمن الذي يحلو له، دون أن يؤدي حصة من لهم نصيب من ملك الله الذي آتاهم.... (*) .
أما النظرية الإسلامية، فهي تجعل العمل شرطًا في تملك الثروة الطبيعية، وتمنح العامل وحده حق ملكية الإنتاج الذي أنتجه، وتختفي سيطرة رأس المال على تلك الثروات، التي يمتلكها في ظل المذهب الرأسمالي لمجرد قدرته على توفير الآلات اللازمة للإنتاج، ودفع نفقاته، وتحل محلها سيطرة الإنسان على ثروات الطبيعة التي خلقها الله لخدمة الإنسان، لأنه الغرض من الإنتاج. ولا يحصل رأس المال وأدواته إلا على أجر لقاء الخدمة التي قدمها، وهي لا تعني المشاركة في الثروة المنتجة.
وإذا لم يكن للوسائل المستعملة في الإنتاج مالك آخر سوى الإنسان العامل نفسه، فلا يشاركه أحد في الإنتاج سوى من لهم نصيب من ملك الله الذي آتاه كحقه تمامًا.وهم الفقراء والمحتاجون الوارد ذكرهم في آية التوبة... الخ. كما ذكرنا.
الفرق في التوزيع بين الماركسية والإسلام:
-من الناحية النظرية:
مما لاشك فيه أن النظرية الماركسية كانت قداستوحت من النظام الإسلامي شيئًا من مبدأ العدالة الاجتماعية. وذلك فيما يتعلق بمسؤولية الدولة في تأمين سبل العمل لكافة السكان (وبالفعل، لم يكن قبل انهيار النظام المذكور في أوائل التسعينات عاطل واحد عن العمل) ، (يتجاوز عدد العاطلين عن العمل في ظل نظام الحرية الجديد 65% في روسيا عام 1996، وتقارب في الوقت الحاضر ثلاث أرباع السكان) ، كما ضمنت للعاجز والمريض الضمانات الضرورية اللازمة للحياة.
وهي تعتبر أيضًا تماشيًا مع القواعد الإسلامية، أن للعامل الحق بالإنتاج وليس بالأجر، إلاأنها تقيده بما أضافه العامل بعمله على المادة الأساسية -قبل العمل- من قيمة جديدة تبادلية. ولذا، فإن للعامل في رأي الماركسية الحق في السلعة المنتجة، باستثناء قيمة المادة التي تسلمها من الدولة قبل الإنتاج.
-من الناحية العملية:
أما من خلال التطبيق العملي، فإن القائمين على إدارة المشاريع المؤممة لم يدفعوا للعالم إلا أجرًا -كأصحاب المشاريع الرأسمالية- لايكاد يكفيه ليتابع عمله، وكدسوا لأنفسهم الأموال على حساب العامل، والمشاريع الإنتاجية نفسها، التي أفلس معظمها، مما أدى إلى استفحال مديونية الدول الاشتراكية، وتوقفها عن تسديد ديونها، وفقدان الحاجات الضرورية، حتى الغذائية الأساسية. وكلنا يذكر طوابير البشر التي كانت تتدافع، أمام مراكز التوزيع، أيامًا وأسابيع، للحصول على قطعة لحم مجمدة، أو حتى ربطة خبز جافة، آخر أيام العهد، والتي كانت السبب الرئيسي في سقوط النظام. ومن الطبيعي أن هؤلاء المستغلين - هم أنفسم - الذين استلموا مقادير الحكم في النظام الجديد، ليعودوا بالشعوب، ليس فقط إلى أيام القياصرة، فهم بعيدون جدًا عنها حتى أيام النظام الاشتراكي في عهده المرموق، بل إلىعصور الهمجية والغوغائية في أظلم العهود...!
أما الإسلام، فقد منح العامل، نظريًا وعمليًا، خلال قرون عديدة من تطبيقه لشريعته، كل الثروة التي أنتجها العامل، إذا كانت المادة الأساسية التي مارسها العامل في عملية الإنتاج ثروة طبيعية لا يملكها فرد آخر، أي إذا كان هونفسه قداستخرجها من الطبيعة، ومهما كانت هذه الثروة، سواءً كانت ذهبًا أو حجرًا، أما إذا كانت ملكًا لفرد آخر، فلا مجال لمنحها للإنسان العامل على أساس الإنتاج الجديد الذي أدخله عليها، لأنها تحمل عمل المالك الذي له الحق الثابت بالملك، ويقتصر هنا حق العامل على الأجر فقط، وهذا مايطلق عليه اسم ظاهرة الثبات في الملكية (*) .
إلا أن هذه الأحكام، أصبحت في الوقت الحاضر، -على مايبدو- مستحيلة التطبيق، حتى في البلدان التي تتبنى الإسلام في الذات، وأضحت العدالة الاجتماعية حبرًا على ورق في اجتهادات الفقهاء في الإسلام، فلا الراعي ولا الرعية بقادرين على تنفيذ أحكامها لفقدان المعطيات في بلاد الإسلام بالذات.
ـ فلا الأرض ومافيها من الثروات الطبيعية بقيت ملكًا للإله -حسب زعمهم- ولا للشعوب ولا الحكام.. إنها فيما فوقها، وماتحتها وما في جوفها وسمائها ومائها بأيدي الشركات الأجنبية العالمية... تتصرف فيها كما تشاء.
ـ وأصبح العمل،ووسائل العمل بأيدي هذه الشركات...
ـ وانحصر المحصول ومردود المحصول في ملكها أيضًا، تحوله أين تشاء وتحرم شعوبه منه.
وهذا يتعارض -في الواقع- مع أحكام الإسلام الذي منع ملكية رقبة الأرض، حتى للعاملين فيها من أبناء الشعب (فهي ملك لله) ، وحصر منفعتها فقط بهم، على ألا يتوقفوا عن استثمارها، وإلا أخذت منهم، وسلمت لغيرهم،كما رأينا، ولكن، على أن يوزعوا حقوق المحتاجين.
ـ وكذلك، امتدت سيطرة الشركات المذكورة ــ عن طريق التخصيص ـ إلى كل مرفق من المرافق العامة، التي كانت في عهدة الحكام، وفقدت الحكومات كل سيطرة عليها، مما أدى إلى شلل مهمة الراعي في تأمين العدالة الاجتماعية، وتأمين الخدمات العامة للشعوب، واقتصردورهم على سن القوانين التي تفتح للشركات الأجنبية المذكورة، الأبواب على مصراعيها، لسرقة خيرات البلاد، وتكديس الأموال، وتحويلها دون رقابة ولا حساب، إلى أي مكان تشاء. (*)
ولم يبق -في الواقع- للشعوب التي حضها الإسلام على العمل واستثمار خيرات الأرض، أية فرصة للعمل، سوى التمثيل، والرقص، والغناء، واحتلال الأرصفة (من رجال ونساء وأطفال) لإمتاع السياح. فليس لهم الحق في اقتطاع حجر، أو احتطاب خشب، أو زراعة أرض، أو غرس شجر، أو صيد سمك، أوحتى عصفور، كما لم يبق لها الحق في فتح دكان كقصاب أو سمان...!. ولم يبق في ساحة العمل إلا الشركات الأجنبية، ومجمعاتها، وعملاؤها في الداخل، وكأن الله تعالى، قد استخلف فقط الإنسان الأمريكي الصهيوني. على ثروات الأرض بكاملها، ومنحهم إياها بوثيقة مضمونة -كما يعتقدون-. وإنني لأتساءل هل خصهم الإله من المميزات العقلية والجسدية، بما يفوق منها مالدى الشعوب التعيسة الأخرى؟!...
وهل اكتشف، أن خليفة الله هذا، قد حباه الله بأربع عيون، ورأسان وثمانية أطراف؟....