أما الطبقية التي دثرت بحجة الظلم والتعسف، لتحل محلها الطبقة الأرحم والأعدل، والأدهي التي خلقت، فإن الاستيلاء على وسائل الإنتاج من طبقة كانت تنتج وتغذي الشعب والخزينة بالحاجات الضرورية، وتسليمها إلى طبقة أخرى هي، بالأصل، لا تملك ذات المؤهلات لإدارة عجلة الإنتاج، لم يقض على التركيب الطبقي بل خلق تركيبًا من نوع آخر، وإن الإمكانيات والصلاحيات التي تمتعت بها الطبقة الجديدة تفوق سائر الإمكانيات التي حصلت عليها أكثر الطبقات ظلمًا على مر التاريخ. وسمح لها النظام أن تتمتع وحدها بالمحتوى الحقيقي للملكية الجماعية لوسائل الإنتاج، وحصلت على نفس الفرص التي كان الرأسماليون والاحتكاريون يتمتعون بها، كما أصبحت، أقدر من أي رأسمالي على سرقة فرق القيمة في الإنتاج، والاستئثار بها، دون أن يجرؤ أي لسان أو قلم على انتقادها، إذ كمت الأفواه، وقيدت حرية الفكر والإصلاح.
وهذا ما يفسر الفروق الشاسعة بين ثرواتها الضخمة التي راكمتها، وحالات الضيق والحرمان وفقدان المواد الغذائية الرئيسية التي عانى منها السكان، بل والأزمة الاقتصادية العصيبة التي أتت على النظام في أوائل التسعينات.
كل هذا، وهذا غيض من فيض، يجعلنا نشك بأن المشاكل التي طرحها هذا النظام، والحلول التي طبقها كانت لتخليص الشعوب من ظلم القيصرية وتأمين الحقوق لها والعدل والأمان، ناهيك عن جدواها لمشاكل شعوب العالم قاطبة بعد تدويلها والتي لا ناقة لها ولا جمل بالقيصرية ولا بالمادية التاريخيةووسائلها الإنتاجية - أو سواها من المشاكل المبتدعة.
فقادة التجربة الماركسية الجدد الذين زعموا أنهم يرغبون خلق الجنة الشيوعية الموعودة للشعوب على الأرض بدلًا لجنة الله في السماء، كانوا قد قضوا على قادة الثورة الحقيقيين ورؤوسها المفكرة عشية نجاح الثورة، فقاموا بعمليات تطهير ما يزيد على مليونين من أعضاء الحزب عام 1939 من أصل مليونين ونصف، عدا الوزراء وكافة ضباط الجيش.
كما جردوا الفلاحين المالكين من وسائل إنتاجهم (1928-1930) . لأنهم يعتبرون الزراعة تخلفًا، وبوسائل وحشية يندى لها الجبين، راح ضحيتها مائة ألف قتيل، باعتراف التقارير الشيوعية ذاتها، وأضعاف هذا العدد حسب تقرير أعدائها، اتبعوها بالمجاعة الفاحشة (1932) ، التي راح ضحيتها ستة ملايين نسمة، وذلك باعتراف الحكومة نفسها.
وهكذا، فقد سقط هذا النظام، ولم يبلغ من العمر نصف قرن، ذلك لأن معدّته لم تعد تهضم صناعة الحديد والصلب، في وقت لجأت معه أمريكا إلى استعمال سلاح الغذاء الأشد مضاءً من كافة ترسانته النووية. سقط وبأيدي قادته الجدد وطليعته المزعومة، ليتربعوا -هم أنفسهم- على عرش ماتلاه من أسوأ نظام يدعي الحرية والديموقراطية، ودون أن يرتفع فيه صوت واحد يعلن الاحتجاج.
وإذا ما أفاد المذهب الماركسي في شيء، فإنه مما لاشك فيه قد أفاد المذهب الحر في البلدان الصناعية ذاتها، وجعلها تغدق بعطاءاتها على العمال لتسد الطريق الذي يمكن أن تنفذ منه الشيوعية. وما أن زال خطر ثورة العمال المرتقبه بزوال خطر الشيوعية نفسها في موطنها بالذات، حتى كشرت الحقبة المسيطرة على القطاعات الإنتاجية الرأسمالية عن أنيابها، وأخذت بتشليح العمال الضمانات الاجتماعية التي منحهم إياها النظام، وتفننت بألوان التسريح التعسفي، والأدوات التكنولوجية الحديثة التي تستغني أكثر فأكثر عن العمال (فالتكنولوجيا الحديثة المتطورة هي بالدرجة الأولى، ذات هدف سياسي، الغاية منه تقليص دور العمال وحجمهم وسرقة حقوقهم) .
وفي روسيا الديمقراطية الحالية بالذات، تطالعنا آخر المآسي من"عمال بلا أجور"، و"متقاعدين دون تقاعد"، و"ضباط بلا رواتب"، وعاطلين عن العمل تتجاوز نسبتهم العاملين، مع تفشي الجرائم والصراعات من شتى الأنواع: من صراعات عرقية وعنصرية، ودينية وحياتية، في الاتحاد السوفياتي السابق، قل أن يكون لها وجود. وقد تحولت تحت تأثير نظام العولمة الجديد إلى حروب ضد الطبقة العاملة نفسها،، جعلت ميخائيل كورباتشوف يسير في جنازة شعبه نائحًا، بعد أن سدد له الطعنة المميتة في فندق"الفير مونت"في سان فرانسيسكو عام 1995 عندما سئل:
"هل سيتحول العالم بأجمعه إلى برازيل كبيرة، أعني إلى دول تسودها اللا مساواة، مع وجود أحياء مقفلة تسكنها النخب الثرية؟"...
فأجاب:"إنكم بهذا السؤال تطرحون لب المشكلة على بساط البحث، إنها لحقيقة أن روسيا نفسها ستصبح على شاكلة البرازيل...".
في الواقع، لقد تحول العالم أجمع إلى برزايل كبيرة، إلا أن هذا لا يعني أن الأسلاك الشائكة، والأجهزة الإلكترونية، وكاميرات الليل والنهار سوف تحمي إلى ما لا نهاية هذه القلة الضئيلة من الأثرياء المحدثين من الطوفان السكاني المتصاعد من الجائعين والمحرومين والمغتصبة حقوقهم، فثورة الجائعين لا ترحم.
أما نظام الحرية المطلقة دون حدود، والذي تبنته أمريكا، فقد اتخذ في صراعه مع النظام المغتصب للحرية إلى أبعد الحدود، لتدويل نظامه، طرح مشاكل وحلول أكثر دهاءً وخبثًا ومضاءً. لقد استغل الحربين العالميتين بعدم اشتراكه الظاهري فيهما، وقد يكون هو نفسه قد أشعل فتيلتهما، فزودهما بالسلاح والعتاد والغذاء والجواسيس، واستطاع بذلك أن يحسم نتيجة الحربين لصالحه، استراتيجيًا، واقتصاديًا، وعسكريًا، وماليًا. وبينما خرج الجميع من الحربين منهارين على كافة الأصعدة، خرج وحده متخمًا بالأموال والمنتجات على اختلاف أنواعها، ولابد له من أسواق لها. فشرع بنشر مظلته الإنسانية، مبتدئًا بتقديم مساعداته المالية لإعمار ما خربته الحروب، ومنها مشروع"مارشال"لإعمار أوروبا، الذي أدى في الواقع، إلى سيطرة شركاته الكبيرة الأم على الاقتصاد الأوروبي ذاته، وخلق شركات أوروبية فروعًا لها ملحقه به.
كما هب لمساعدة بلدان العالم الثالث على تخليصها من الاستعمار السياسي الأوروبي -حسب زعمه- ليحل في أسواقها استعماره الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعلمي والمالي، باسم التطور والازدهار ومحاربة الفقر والحرمان. وهكذا فقد عانت هذه البلدان من التأرجح، خلال مدة تزيد على النصف قرن، بين أيدي القائمين على النظام الحر الرأسمالي من جهة والنظام الماركسي من جهة أخرى، مع كل ما تلا ذلك من أشكال الانقلابات في البنيات الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية والعلمية والثقافية.. الخ. من وقت لآخر، حسب النظام، فلم تعد الشعوب تدري ماهي، وماهي هويتها، وماذا تريد...!..
ومن استعراض المشاكل والحلول التي طرحها النظام المذكور، وفرضها على العالم أجمع، والنتائج التي آلت إليها نرى:
أنه نادى بنظام الحرية المطلقة من كل حدود، معتبرًا أن مصلحة الفرد دون رقابة ولا توجيه، تتوافق مع مصالح المجتمع، وأنها أكبر قوة دافعة لزيادة الإنتاج ومضاعفة الثروة الاجتماعية، وأنها أفضل ضامن لتحقيق إنسانية الإنسان وكرامته الشخصية...!.