إن النتائج التي آلى إليها تطبيق نظام الحرية المطلقة المذكور، تحرر الإنسان من كل الروابط الاجتماعية والأخلاقية والدينية والحضارية والإنسانية...الخ.فيما عدا المادية... إنها تفترض أن كل إنسان على وجه الأرض هو في قرارة نفسه إنسان اقتصادي مادي فردي وجشع كالإنسان الأمريكي، ليس له إلا هدف واحد في الحياة هو المصلحة المادية. إن هذه القاعدة -في الحقيقة- لا تنطبق إلا على المجتمع الأوروبي نفسه الذي غزا أمريكا وأباد شعبها الأصيل بكافة صنوفه الوحشية المادية المستمدة من طابعه الفكري والروحي، ومقاييسه الخلقية والعملية من الجبروت والتسلط والاستهتار بكل إنسان، وتلاه الصهاينة، المتمرسون على يده، في إبادة الشعب الفلسطيني وتشريده طاعة لحكم إلههم المزعوم -كما يدعون-.
إلا أنه من خلال الاستعمار الثقافي وغسل الأدمغة الدائم لكافة شعوب العالم عن طريق التطوير المفروض، سرت هذه المعايير إلى كل ركن من أركان المعمورة. فقوانين الأقطاب الكلاسيكيين الأوائل. والكلاسيكيين الجدد، والتي تقضي بتخصيص العامل بجزء من الإنتاج يكفي فقط لقيمة المواد الغذائية الرئيسية القادرةعلى إعاشته للاحتفاظ بقواه اللازمة للعمل، لم تقتصر فقط على العامل الأمريكي، وتجعل ما يزيد على أربع، أخماس الطبقة العاملة لا تتوصل حتى للكفاف في معيشتها، بل سرت بسرعة البرق إلى كل جزء من أجزاء المعمورة، وحتى للبلدان الاشتراكية بالذات قبل سقوطها، والتي ينادي مذهبها بحق العامل بأكبر حصة من الإنتاج (فرق القيمة) ، كما ذكرنا.
لقد أصبح اليوم حديث التوافق بين المصالح العامة والمصالح الفردية، في ظل الحرية المطلقة، أدعى للسخرية منه للقبول. فالمنافسة الحرة من كل قيد لم تؤد -في الواقع- إلى إشباع الحاجات الإنسانية بأقل نفقة، بل -على العكس- إلى تخفيض نفقات الإنتاج عن طريق سرقة أجور العمال، فعلى سبيل المثال: إن أمريكا، أكثر بلدان العالم إنتاجية وثراء في الوقت الحاضر، أصبحت أكثر اقتصاديات العالم رخصًا للأجور وسلبًا لحقوق العمال، وتسريحًا لهم، دون حق أوضمان. وهذا لايعني أن المجتمع الأمريكي هو الأفقر، كما ذكرنا، إذ لم يسبق أبدًا أن حازت أمريكا، في ظل نظام العولمة الجديد، الذي تستغل فيه ثروات العالم أجمع، على ما بحوزتها اليوم من الثروة والدخول.
إلا أن المشكلة تكمن فقط في أن هذه الثروة والدخول، تنحصر فقط بالخمس الثري فقط من الأمريكان. وحتى في إطار هذه الفئة، فالدخل يتوزع بشكل متفاوت للغاية، فواحد بالمائة من أغنى الأغنياء (أي حوالي نصف مليون أمريكي) ، يملكون اليوم ثلث الثروة التي هي من حق جميع السكان، ويحصل غالبية المديرين على رواتب زادت بمعدل 250% خلال سبع سنوات، في الوقت الذي انخفضت فيه القوة الشرائية لبقية العاملين بين 11 و25% حسب الفئات. وما ذلك إلا إكرامًا للمديرين المذكورين لجهودهم المبذولة في الوصول إلى تخفيض تكاليف الإنتاج عن طريق سرقة العمال مهما كانت الوسائل.
وكما قال (لسترثارو) :"إن بوسع المرء أن يدعي أن مَنْ في أمريكا من رأسماليين قد أعلنوا الحرب على عمالهم، وأنهم قد فازوا فيها"...
في الواقع، إننا نعيش فترة الثورة المضادة على العمال في جميع بلدان العالم دون أن يتوصلوا -هم أنفسهم- إلى إعلان ثورتهم...!.
أما علاقة الحرية المطلقة بتنمية الإنتاج، وسد حاجات جميع السكان، فإنني لأتساءل ماهي المشاريع التي نما إنتاجها في ظل الاستهتار بالقيم الإنسانية والأخلاقية، والألوان التي لا حد لها من الجشع والطمع؟ إنها -بدون شك- المشاريع التي تكتلت وحطمت غيرها من المشاريع الصغيرة والمتوسطة (دون حاجة إلى تأميم) ، وقضت على كل لون من ألوان التزاحم الشريف، عن طريق الاحتكار. كما أن الزيادة في الإنتاج لم تقترن بانخفاض الأسعار لتسد حاجات جميع السكان، لفقدان المزاحمة، بل على العكس، فقد خفضت القوة الشرائية للقوة العاملة إلى أدنى المستويات، لدرجة اضطرت القسم الأكبر من العمال إلى العمل في عدة مجالات لتغطية نفقات عائلاتهم، وحرمتهم من المتعة والراحة العائلية حتى أيام العطل والأعياد.
والأدهى من ذلك، اعتبار الحرية المطلقة تعبيرًا عن الكرامة الإنسانية...!
وهنا أيضًا لابد من التساؤل عمن طالتهم هذه الحرية، وهذه الكرامة الإنسانية؟ لقد انحصر حق الحرية والديمقراطية المزعومة قطعًا، في حرية قبضة من الأمريكان الصهاينة، وأتباعهم وأذنابهم في كل مكان: من مجرمين، وقطاع طرق،ومضاربين، وتجار جنس، وخاطفين للأطفال، والشبان، من فتيان وفتيات، وتجار الدم الفاسد الملوث بجراثيم الإيدز، ومهربي المخدرات، والمتجولين في الملوثات المبيدة للجنس البشري، ومفجري الحروب، وبائعي الأسلحة، وزارعي المتفجرات...!.
فهؤلاء هم الذين يملكون في الوقت الحاضر، القسم الأكبر من الثروة، ويتحكمون بحياة الشعوب ومصيرهم، وهم أصحاب الكرامات، وأصحاب الحق في الحياة وهم دعاة حقوق الإنسان، والذين يصلبون الإنسان في كل مكان....
ومن أبرز تناقضات هذا النظام بأنه يرتكز -بالدرجة الأولى- على زيادة الاستهلاك لتسريع جملة الإنتاج -وإذا به يقضي على مستهلكيه بالذات، ويراكم الإنتاج ليفسد في مخازنه ومستودعاته، وكأن زيادة الإنتاج هي للإنتاج بالذات فإلى متى سيعيش هذا النظام؟!….
مما لاشك فيه أن المبالغة في التطرف التي وصل إليها هذا النظام، سوف تقضي على النظام ذاته بذاته، فبذور انحلاله أخذت تترعرع فيه، وهاهي الأنظمة المتفرعة عنه تتساقط تباعًا، فلجوء المرابين إلى المضاربات بالأسهم والعملات بدلًا عن الإنتاج لكسادة وللحصول علىأرباح ولو بالقيود أدى إلى الانفجار الرهيب لفقاعاتها منذ عام 1997، ابتداءً من النمور الآسيوية، إلى الأعجوبة اليابانية إلى كبريات الدول الاشتراكية منذ أن بزغ فيها أول شعاع من الحرية، فدول أمريكا اللاتينية والبترولية، والبقية تأتي...
كما أن عام 1999 يحمل في طياته الأخطار المرتقبة والانهيارات المتوقعة لبداية القرن المقبل في كل من أمريكا وأوروبا بالذات، والذي تحاول الكتلتان الحاليتان معالجته، في الوقت الحاضر -عن طريق الحروب الطاحنة بكافة أنواع الأسلحة، للهدم، وإعادة إنتاج الأسلحة وإعادة البناء... إنها -في الواقع- بذور الانحلال التي سوف تقضي على هذا النظام، ولم تعد تنتظر الإمهال...
فما هو البديل إذًا...؟
مما لاشك فيه أنه لا يوجد ثمة بديل واحد ناجع للعالم أجمع، وإلا فإننا سنقع، بأخطاء النظامين السابقين نفسها. بل هناك لكل شعب بديل ولكل حضارة بديل... وإذا كنت أرى أن الإسلام الذي أثبت خلال قرون عديدة أنه خير نظام أخرج للناس، وخير من خلص الشعوب التي خضعت لامبراطوريته الممتدة شرقًاوغربًا وشمالًا وجنوبًا من الظلم والفقر والحرمان، ودفعها إلى استثمار خيرات بلادها بذاتها ولذاتها، وحسب طاقاتها وعلومها وثقافاتها وحضاراتها دون أن يزيلها، بل زاد عليها، وزود النفوس من الداخل بوقود من المميزات الحسنة التي اختارها الله لبني الإنسان، وشذبها من الشرور العالقة فيها، والتي تأتمر فيها نفس الإنسان، وحثها على أن تسعى جاهدة لاكتشاف المزيد من خيرات الله فتأكل من رزقه وتقاسم المحرومين والعاجزين عن العمل في حقهم بثروات الله.. إذا كنت أرى ذلك، فإنني لأتساءل هل ترك النظامان الجائران أي مجال أو خيار للحاكمين والمحكومين لتطبيق تعاليم الإسلام في بلاد الإسلام بالذات....؟
فما هو الإسلام؟