والبديل عنه في الإسلام هو توظيف هذه الأموال في مشروعات إنتاجية لاستثمار الثروات، وتأمين خلق فرص عمل جديدة، وزيادة الإنتاج ليتقاسم ريعه العاملون وغير العاملين من المحتاجين والمحرومين من العمل. كما أنه أكثر ضمانًا لصاحب رأس المال، إذ قد يتعرض المرابي إلى خسارة الفائدة ورأس المال معًا، كما هو الحال في المضاربات المالية والإفلاسات المصرفية السائدة حاليًا.
وكذلك فقد حرم كنز المال، لأنه يعني أيضًا انخفاض كمية الثروة المنتجه، ومن ثم تقليص فرص العمل وحصول البطالة، مما يزيد حالات البؤس والشقاء:
الآية: ] والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم [.والآية:] ويل لكل همزة لمزة....[ الخ، وهذا المنع من اكتناز المال ليس مجرد ظاهرة عرضية في التشريع الإسلامي، إنه يعبر عن أوجه الخلاف الخطير بين المذهب الإسلامي والرأسمالي. فبينما تؤيد الرأسمالية استعمال النقد للاكتناز، بالإضافة إلى دوره كمقياس للقيمة وأداة للتداول، وتشجع عليه بنظام الفائدة، يحاربه الإسلام بفرض ضريبة على المال المكتنز (الزكاة) . وجاء في الحديث عن الإمام جعفر بن الصادق:"إنما الله أعطاكم هذه الفضول من الأموال لتوجهوها حيث وجهها الله، ولم يعطكموها لتكنزوها..".
ومن مضار كنز المال الاقتصادية أن تجميع الثروات في أيدي الأفراد دون استثمارها يؤدي إلى زيادة البؤس والحاجة لدى الأغلبية العظمى من الشعب فتتوقف عن الاستهلاك، فتتكدس المنتجات دون تصريف ويسيطر الكساد على الصناعة والتجارة، فتعم الإفلاسات مختلف النشاطات الاقتصادية ويتوقف الإنتاج، وتستفحل المجاعات، كما في المعادلة التالية:
انخفاض الاستهلاك= كساد= توقف عن الإنتاج= إفلاس= زيادة بطاله= مجاعة...
وحض الإسلام على الاكتفاء الذاتي، ونهى عن التبعية الاقتصادية في المأكل والملبس، وهي ما فرضه النظام الرأسمالي على كافة شعوب العالم:
"لا خير في أمة لا تأكل مما تنتج، ولا تلبس مما تصنع"..
فهو يحصن الأمة من الوقوع تحت رحمة غيرها من الاستعمار الغذائي، الذي هو أشد مضاءً من كافة أنواع الاستعمار، ويحميها من حالات وقوع الكوارث لدى الطرف الآخر فيتوقف عن تغذيتها...
كما حض الإسلام على توجيه المال للإنتاج أكثر منه للاستهلاك، على عكس المجتمع الاستهلاكي، فيأكل الإنسان بذلك من إنتاجه وليس من رأس ماله، فيستفيد ويفيد المجتمع معه.
وحرم المخاطرة كالقمار، لأن الكسب فيه لا يقوم على عمل، ويعرض الفرد وعائلته، ومن ثم المجتمع من خلفه إلى الانحلال.
ومنع إنتاج المواد الضارة والمحرمة وذات التكاليف الباهظة المبددة للثروة، ونهى عن التقتير والإسراف. ويكفي أن نعلم حجم المليارات من الدولارات التي تتفق حاليًا على مباريات الكرة وحدها في العالم، في الوقت الذي تموت فيه الملايين من الجوع كل عام، بالإضافة إلىمايبدده المجتمع الاستهلاكي من ثروات الطبيعة ليكدسها، في جبال شاهقة من المزابل، أفسدت الأرض والسماء والبحار والأنهار.
ولذا، فقد حذر الإسلام من العبث في الأرض، وإفساد الطبيعة قبل أن تفسد في الوقت الحاضر: الآية:"ظهر الفساد في البر والبحر بماكسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون" (صورة الروم-41) .
والفساد في البر والبحر هو ما نعيشه الآن من التلوث في الطبيعة، وهو نتيجة لغطرسة الإنسان وجبروته واستهتاره بقوانين الطبيعة، واعتقاده مشاركة الإله في ألوهيته، وهو من آيات الله ليريهم نتيجة ما عملوا لعلهم يرتدعون.
ولذا فقد حض الإسلام على ضرورة المحافظة على التوازن في الطبيعة:
مراعاة لقوانينها، وذلك قبل قرون عديدة من علماء العصر الحاضر...
الآية: ] الأرض مددناها، وألقينا فيها رواسي، وأنبتنا فيها من كل شيءٍ موزون، لكم فيها معايش، ومن لستم له برازقين[.
والآية:]وإن من شيء إلا وعندنا خزائنه، وما ننزله إلا بقدر ٍمعلوم[.
(سورة الحجر 19-20)
وكلنا يعلم أن التنافس المستشري على الثروة في النظام الحر، ونضح الموارد الطبيعية بنهم، قد أنهك هذه الكرة الأرضية، وأربك توازنها. فالهزات الأرضية المتوالية، وتعاقب حالات الفيضانات واليباس، والانهيارات الأرضية والجبلية والجليدية، والعواصف والأعاصير المتلاحقة، تشمل الكرة الأرضية بأجمعها، وهي مثال صارخ على اختلال التوازن في الطبيعة.
ولذا، تقرر القاعدة الفقهية الشهيرة أن"لا ضرر ولا ضرار". فحرية الفرد محدودة بمصلحة المجتمع والعالم أجمع.
من كل ما تقدم، وهذا غيض من فيض، نرى أن الملكية العامة تشمل القسم الأكبر من ثروات الطبيعة، وهي كملك الله، بالإضافة إلى الملكية الخاصة المحدودة بمصالح المجتمع، تضمن تطبيق العدالة الاجتماعية في الإسلام.
3 ـ العدالة الاجتماعية:
وهي تعني حق جميع الناس، العاملين منهم والمحرومين من العمل، والفقراء والمحتاجين بأخذ نصيبهم من موارد الطبيعة، وخيراتها التي خلقها الله لعباده، وحقهم بالحياة الكريمة اللائقة كبشر.
ويرتكز الضمان الاجتماعي في الإسلام على أساسين:
ـ الأول: التكافل العام بين أفراد المجتمع.
ـ الثاني: حق الجماعة على الدولة في تأمين الضمان الاجتماعي وفرص العمل للجميع. فالأول مفروض على الأفراد فيما بينهم، ] إن في أموالكم حقٌّ معلوم، للسائل والمحروم [، ] كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته[، أي تعتبر هذه القاعدة جميع العاملين والمستثمرين لخيرات الله بمنزلة الحاكم المسؤول عن الرعية في إشباع الحاجات الضرورية للمحتاجين، عن طريق الزكاة.
وإنها حق لهم وليست هبة أو صدقة.
ـ والثاني يفرض على الحاكم أن يؤمن العمل لمن ليس له عمل، والحياة الكريمة لمن لا يقدر على العمل"الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته".
وإذا كانت الزكاة هي وسيلة التكافل بين الأفراد، فإن إقطاع الأراضي غير المستثمرة وتقديمها هي وسيلة الحاكم. أي أن الإسلام يلزم الحاكم بتقديم مساعدته من أملاك الدولة، كمساعدة للعمل والإنتاج، لا للاستهلاك فقط، فيحقق بذلك الفائدة للفرد والمجتمع بآن واحد.
وذهب هذا التضامن إلى درجة جعلت للجائع، الحق على مال المجتمع كما لو أنه ليس ملكًا لأحد:
"إذا بات مؤمن جائعًا، فلا مال لأحد".
ولذا، فعلى الدولة أو الحاكم أن تضمن للعاجز عن العمل حقه في ثروات الله باعتباره من مخلوقات الله التي تكفل بها سبحانه وتعالى:
قال (ص) :"من ترك مالًا فلورثته، ومن ترك كلاًّ فإلينا"..
والكل هو الضعيف...
وجعل الإسلام من تخلف الحاكم عن القيام بهذا الواجب، أن تحجب الرعية عن طاعته:"إن الله استخلفنا على عباده لنسد جوعتهم، ونوفر لهم أمنهم، فإن لم نفعل، فلا طاعة لنا عليهم... عن الخليفة عمر بن الخطاب."
ولا يختص هذا الحق بالمسلم فقط من المحتاجين، وإنما يشملهم إلى الذمي أيضًا"فكلهم عباد الله، والله رؤوف بالعباد". من كل دين وكل طائفة وكل مذهب وكل عرق أو لون...
ويمتد هذا الحق، وهذه المسؤولية حتى إلى الشاة الجائعة:
"إن كان في أقصى المدينة شاة جائعة، لكان عمر المسؤول عنها".
ولا تقتصر مسؤولية الدولة أو الحاكم بضمان الحاجات الأساسية فقط، للمحتاجين، بل تعدتها إلى الحاجات الكمالية أيضًا:
عن الإمام الصادق:"إن الله فرض في مال الأغنياء ما يسعهم، ولو علم أن ذلك لا يسعهم لزادهم".
وبفضل هذه العدالة الاجتماعية ازداد الشعور بالمسؤولية لدى المسلمين، وأقبلوا على الإنتاج والإبداع وتسابقوا إلى عمل الخير بشغف دون إكراه أو إرغام، لدرجة قلما كان يوجد في بعض المناطق من يستحق الزكاة.