فهرس الكتاب

الصفحة 1248 من 1942

وهكذا، فقد لعب الدين دورًا هامًا في التوفيق بين الدوافع الذاتية والمصالح الاجتماعية، مما لم يتمكن المذهب الماركسي العلماني من الوصول إليه عن طريق القوة وسلب الملكية، ولا المذهب الرأسمالي من إيقاف الدوافع الذاتية عند حدها دون دافع ديني. فالمكلف بالضريبة في النظام الرأسمالي يلجأ إلى التهرب منها بكافة الوسائل، إذ يرى فيها خسارة حقيقية غير معوضه، فلا خلود لغير المال ولا سعادة بغيره.

من كل ذلك إنني لم آت بشيء جديد، فقد أسهب العلماء والفقهاء في بيانه إلا أن السؤال الذي أطرحه بصفتي اقتصادية هو:

لماذا جعل الله للسائل والمحروم والعاجزين عن العمل... الخ. حقًا في مال الأغنياء، وليس مجرد هبة أو صدقة؟....

فالزكاة، أهم مورد يغذي بيت المسلمين، هي من أهم وسائل الضمان الاجتماعي لقيمتها، ليس فقط الاجتماعية والإنسانية، وإنما الاقتصاديه أيضًا. وتقدر بربع العشر من المال المدخر،وتهبط إلى عشرين دينارًا.

(حسب القوة الشرائية آنذاك) .

وأصحاب الحق في الزكاة هم حسب قوله تعالى:

]إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب، والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل[ (التوبة /60/) .

ـ كما تتوجب في حالة حصول خلل في التوازن الاقتصادي.

"حتى لا تكون دولة بين الأغنياء منكم".

كما هو الحال في الوقت الحاضر. فرأس المال يمسك زمام الحكم في كل مكان.

ـ كما تعتبر ضريبة تمنع تمركز الثروة بأيدي ضئيلة تجردها عن الاستثمار. فهي بمثابة مصادرة تدريجية للمال المجمد وإدخاله في حوزة النشاط الاقتصادي. ولئلا تخلد الناس إلى الكسل والتواكل على الغير، فقد حض الإسلام على العمل في كسب الرزق، وجعل:"اليد العليا خير من اليد السفلى".

"هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها"، أي كلفكم بإعمارها.وجعل العمل سببًا لتملك الأرض:"من أحيا أرضًا فهي له"..

وحض في الوقت نفسه على العلم وجعله توأمًا للعمل:

"العلم والعمل توأمان"، لكي يستفيد العلم من خبرة العمل، ويستفيد العمل من صحة العلم.وجعل العلماء بمثابة الأنبياء.

فللزكاة، مما لاشك فيه، منافع اقتصادية عديدة، ولكن لماذا جعلها الله حقًا للسائل والمحروم... الخ... وليست هبة أوصدقة؟.. بقوله تعالى: ] إوالذين في أموالهم حقٌّ معلوم للسائل والمحروم[...

والجواب على ذلك يكمن -على ما أعتقد في الآيتين الكريمتين التاليتين:

ـ ]الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم، وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره، وسخر لكم الأنهار، وآتاكم من كل ما سألتموه، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، إن الإنسان لظلوم كفار[.

ـ ]وآتوهم من مال الله الذي آتاكم[..

أي أن الله سبحانه وتعالى الذي خلق جميع الكائنات على وجه الأرض، خلق لهم فيها مايكفيهم جميعًا. وإن ما على سطح الأرض ومافي جوفها وسمائها هو ملك لله وحده، ومخصص لجميع عباد الله. وما الإنسان العامل إلا مستخلف من قبل الله لاستثمار خيراته. فالامتناع، عن استغلالها أو المنع من ذلك، يحول دون الوصول إلى مرتبة خليفة الله.

أما العاجزون عن العمل والمحرومون منه، والبؤساء.. الخ، منهم أيضًا عبادالله، ولهم نصيبهم مما خلق الله، فهو خالقهم وكافلهم أيضًا.

وتبدو نعمة الله تعالى على الإنسان في زراعة الأرض، على سبيل المثال، بتقديم التربة الصالحة للزراعة، والمواد العضوية التي يحتاجها البذار للإنبات، بل والبذرة الأولى، والشجرة الأولى، والماء الذي يهبط من السماء أو ينبع من الأرض، والشمس التي تؤدي إلى عملية الإنضاج، والرياح للإلقاح... إلى آخر ما هناك مما نعلم وما لا نعلم: فهذه كلها حصل عليها الزارع هبة من عند الله وهي لعباده كافة.

كما أن النحل، ليس بحاجة لأي جهد من الإنسان في صنع العسل فكله من عند الله.

وبينما لا يصيب التوزيع الحالي من الإنتاج، سوى المالكين للأرض ورأس المال وأدوات الإنتاج، ويعطي أجرًا للعامل فقط، فالإسلام يصيب بالتوزيع من الإنتاج نفسه بالدرجة الأولى العامل، والمحرومين من العمل، ولا يعطي رأس المال وأدوات الإنتاج إلا أجرًا فقط.

فالمحروم من العمل له الحق إذًا بحصته من وسائل الإنتاج الإلهية المخصصة لجميع عباد الله، لعظم أهميتها في عملية الإنتاج، واستحالة الإنتاج بدونها. وقس على ذلك في استخراج البترول، والحديد، والذهب، وكافة الفعاليات الإنتاجية.

هذا، وختامًا للمقارنة، بينما يقول"آرثر يونج"، في القرن الثامن عشر: لا يجهلن سوى الأبله، إن الطبقات الدنيا يجب أن تظل فقيرة وإلا فإنها لن تكون مجتهدة"."

ويقول القرن التاسع عشر:"ليس للذي يولد في عالم تم امتلاكه حق في الغذاء، إذا تعثر عليه الظفر بوسائل عيشه عن طريق عمله، أو أهله، فهو طفيلي على المجتمع، ولا لزوم لوجوده، فليس له على خوان الطبيعة مكان، والطبيعة تأمره بالذهاب (مالتوك) ؛ يقول الإسلام قبل هؤلاء بألف عام:"إن الفقر والحرمان ليس نابعًا من الطبيعة نفسها، وإنما هو نتيجة سوء التوزيع والانحراف عن العلاقات الصالحة التي تربط الأغنياء بالفقراء"، فيقول الإمام علي كرم الله وجهه:"ماجاع فقير إلا بما متع به غني"."

إن هذا الوعي لقضايا العدالة الاجتماعية في التوزيع لا يمكن أن يكون وليد المحراث والتجارة البدائية، أو الصناعة اليدوية، إنه يكمن في الإنسان ذاته الذي رباه الإله فأحسن تربيته. ولذا فإنهم يخشون الإسلام، ويتعاون النظامان على طعن الإسلام والمسلمين في كل مكان..

إنني على يقين، إذا ما طبق هذا النظام من العدالة الاجتماعية بشكل عالمي، لكان بالإمكان مكافحة الجوع والموت جوعًا (نتائج النظامين المذكورين) ، في غضون أشهر، بل وأيام. فالخزائن تغص بالمواد الغذائية على اختلاف أنواعها، بينما يفضل المحتكرون أن تفسد في مخابئها، أو ترمى إلى البحر، على أن يمد بها في عمر الأحياء المتضورة من الجوع...

إن مكافحة الجوع لا تحتاج للمؤتمرات والتسويفات التي، حتى إذا صدقت النوايا فإنها (كمؤتمر القمة العالمي للأغذية المجتمع عام 1998) ، تمهل الهياكل العظمية التي نخرها الجوع إلى عام 2005 لتغذية نصف عددهم البالغ 800 مليون نسمة (حسب أرقام المؤتمر العام 1996) ، وهي ليست جادة في ذلك، وعلى أية حال، فحتى ذلك التاريخ، فإن العدد المذكور، سوف يتضاعف مرات عديدة وإن مات القسم الأكبر منهم.

والسؤال الأخير: كيف يمكن في الوقت الحاضر تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بمضمون العدالة الاجتماعية، حتى في البلاد الإسلامية بالذات، إذا كانت الأرض (التي، من المفروض، حسب الإسلام، أن تبقى ملكًا لله، لا يحق للعامل فيها أن يمتلك رقبتها وله فقط حق بالانتفاع منها) وما فوقها وما تحتها إلى أعماق جوفها، بأيدي الشركات الأجنبية، وأصبح العمل فيها ووسائل العمل بأيدي هذه الشركات، وأصبح المحصول ومردود المحصول أيضًا ملكًا لها؟!...

وكيف يمكن أن يبقى في هذه البلدان حق من الإنتاج لغير العامل والسائل والمحروم من العمل، وما أكثرهم، إذا كان العامل نفسه وابن البلد نفسه محرومًا من هذا الحق؟! لم يبق، في الواقع، للشعوب في بلادها ثمة حق في اقتطاع حجر، أو احتطاب شجر، أو زراعة أرض، أو صيد سمكه، أو حتى عصفور، وليس له حتى حق بمكان للعمل كقصاب أوسمان...؟!...

إنني لأتساءل: من الذي سيقوم بدفع الزكاة؟

أهي الشركات العالمية التي لا تدفع حتى أجرًا للعامل الذي تستخدمه يكفيه قوت يومه؟!

أما العمال الذين هم أنفسهم يستحقون الزكاة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت