منصور النقيدان ببساطة رجل يظن نفسه على شئ وهو على (لا شئ) له في كل وقت رأي وفي كل ساعة فكر ، وفي كل زمان اعتقاد ، فمرة مسلم (مغال) (متنطع) (مشاد للدين) ، ترك الدراسة في المدارس النظامية وتبرأ منها فما حصل غير شهادة (المتوسطة) ، ترك الوظائف الحكومية لأنها غير محبذة لدى الأصحاب ، أتلف ما عنده من أشرطة الكاسيت ، وأحرق معظم ما لديه من كتب المعاصرين ، خلع الساعة من يده ، وحول التوقيت إلى الغروبي ، لا تطيب قراءة كتب السلف عنده إلا بعد إطفاء الأنوار وإضاءة السراج ، سكن بيت الطين بغير كهرباء ، يواسيه في حرارة القيض سراج وقربة ومهفة ، عزاؤه في ذلك كله أن الأجر على قدر المشقة ، قام بإحراق محل للفيديو ، يضلل من خالفه وربما رأى كفره ، سجن غير مرة ، ثم انقلب حاله فترك ذلك كله ليستقبل قبلة جديدة ولييمم وجهه صوب أفق جديد ، وليبتدأ لنفسه طريقة أخرى فغدى عصرانيا ، عقلانيا ، ليبراليا ، أو قل كما قال هو (شيئا آخر) !! يتورع عن تكفير المسيحي واليهودي و (البوذي) ! وسائر أهل الملل والأديان لا يجد غضاضة من أن يُنسب إلى دين جديد (الإنسانية مثلا) ! بل يُطالب بإخراج دين جديد للناس ولا بأس إن سمي المسخ الجديد إسلاما بعد ذلك ، فما ذاق في رحلتي شتائه وصيفه دفء الإيمان وبرد اليقين ، ولم يجد للاعتدال طعما ، ولم يكن له من الوسطية معنى ولا نصيب ، ولم يعرف الإسلام الحق حق المعرفة في مختلف تقلباته وانعطافاته ، يحدثنا عن بداية ذلك الانقلاب وسببه فيقول: (منذ بلوغي سن السادسة عشرة وأشعر أنني إنسان يطرح الأسئلة، أنني إنسان قلق كثير التساؤل، أنني لا أحب أن أقمع الأسئلة الداخلية لدي) 6 ، ويقول: (وأنا في سن السادسة عشرة عصفت بي شكوك وتساؤلات وحيرة استمرت معي شهورًا،كانت ذا طابع وجودي، أذكر جيدًا لحظة ولادتها،كنت أصلي العشاء في المسجد، داهمتني تلك الأفكار والوساوس، عدت بعدها إلى البيت ولزمت سريري ثم توضأت وأويت إلى فراشي، فارق عيني النوم، نهضت وتوضأت وصليت ركعتين، ودعوت الله أن يعيذني من وساوس الشيطان ،بكيت وتضرعت، وشقيقي قريب مني يغط في نوم عميق، وضعت رأسي على الوسادة ولم تفارقني تلك الهواجس، في تلك الفترة قرأت كل ما وقع بيدي من كتب لها صلة بمعاناتي، كنت أقاسي عذابًا لا يطاق، أذكر مرة أنني عاهدت الله أن أتخلى عن كل شيء لأجله إن أراحني من تلك الشكوك التي سممت عيشي، ولأن الحديث عن مثل هذا النوع من العذابات الروحية داخل في نطاق المحرم، فقد لزمت الصمت ودفنته بين جوانحي... هدأت نفسي بعد حين) 7 ، لكنه لم يصبر ويعالج مرضه بل أخرج المخبوء وكشف المستور وقاء بما قاء به مدعيا الشجاعة في ذلك فيا ويله ، يقول: (الكثيرون يتغيرون في الظل، ولكن القلة هم الذين يملكون الشجاعة ليتحدثوا عن تجاربهم) 8 ، فهو من تلك القلة التي تملك الشجاعة ، هكذا منصور تسمعه فتحس منه رائحة الغرور والعجب ينفثها من فيه في مثل قوله: (أنا شئ آخر) 9 ، ولا ينسى أن يرفع رأسه ويشمخ بأنفه لتتكامل الصورة ، وما قصة تغيره وتقلبه ونكوصه إلا علامة العظمة إذ هذا شأن العظماء من قبل ومن بعد! يقول: (ما من شخص ما من عالم أو مفكر أو فيلسوف أو شخص له تأثير في تاريخ الفكر الإنساني إلا وستجد له أكثر من رأي في فترة متغيّرة) 10 ، فشأنه كشأنهم بل هو منهم! ولذا فلا يستغرب منه إن حاول إلصاق ما يعانيه من أمراض نفسية وأزمات روحية بعظماء زعم أنهم عانوا ما عاناه ، وابتلوا بما ابتلي به ، لكن الفرق أن أولئك كبلهم ماضيهم ومحبيهم أما هو فتحرر من ذلك أجمع طلبا للحقيقة ، ولا حقيقة مطلقة تُدرك -زعم وافترى- انظر إليه وهو يلصق مرضه بغيره على منهج (ودت الزانية لو أن كل النساء زواني) ! يقول: (وهذه المرحلة من القلق استجابة تعكس جملة معقدة من المؤثرات ، التي يترك كل منها طابعا معينا في النفس وتجعل الإنسان تركيبا مختلفا عن الآخرين ، وهذه الأزمة الروحية ، التي يراها البسطاء(خللا نفسيا وحالة مرضية) تنبلج عن قلق مقدس يساور كل مصلح في كل هم يحاوله وعمل يزاوله وموضع يستقر فيه ، مبعثه صفاء النفس وشفافية الروح وحدة الذكاء ، فيدرك النقص ليروم الكمال ويسأم الركود فيبتغي التحول...! إنه إرهاص ظهور كل عظيم ومصلح في كل أمة)11 أرأيت كيف يكون القلق والأزمات الروحية وما يُرى أنه خلل نفسي وحالة مرضية إرهاصا لظهور العظماء والمصلحين في كل أمة! وأن مبعث ذلك أجمع صفاء النفس وشفافية الروح وحدة الذكاء!! والنقيدان يسعفنا بالتمثيل على نماذج من هؤلاء فانظر إليه كيف يفتري على شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: (هل كان ابن تيمية شخصية قلقة ؟ رأيي هو بالإيجاب) 12 ، ويفصل أوجه القلق والاضطراب في شخص ابن تيمية بعد إيراد جملة من قصصه وأحواله فيقول: (هذه القصة لا تعكس شغفًا معتادًا بالعلم ومعرفة القول الصحيح في تفسير آية ما بقدر ما تعكس حالة من الحيرة والقلق إزاء مسائل كبرى ذات طابع وجودي، تجعل إيمان الإنسان على المحك، فهذا الإلحاح والتخفي والتمرغ في مسجد عتيق وتكرار الدعاء هي حال طالب للهداية والطمأنينة وبرد اليقين أكثر منها حال طالب للعلم والمعرفة أشكلت عليه آية، أو استغلق عليه فهمها ، فهل كان ابن تيمية فيما يحكيه ابن القيم عن تسلط الأرواح الشيطانية يشير إلى عاصفة من الشكوك كانت تلم به بين الحين والآخر حتى تنعكس على حالته النفسية والصحية؟ فنحن نعلم أن السنة النبوية جاءت بأدعية ورقى وتعاويذ لمن أصابه مرض جسدي وليس في شيء منها أي ذكر لآيات السكينة في القرآن، مما يعني أن ابن تيمية وهو الفقيه الحافظ للسنة كان يجتهد باستخدام آيات من القرآن تساعده على تخفيف حالته المرضية(الخاصة ) ) 13 ، ولذا فهذه الشخصية المريضة القلقة كان لها أن تصل إلى بعض مما وصل إليه النقيدان من فهم جديد للإسلام ومحاولات لمسخ تعاليمه وأحكامه ، يقول النقيدان: (في تصوري أن ابن تيمية لو تأخر زمنه لكان أحد القلائل الذين بإمكانهم أن يقدموا تفسيرًا جديدًا للإسلام) 14 ، ويقول: (كان بإمكانه أن يكون لوثر آخر في الإسلام) 15 ، لكن ابن تيمية (المريض) ! (القلق) ! لم يستطع المضي في هذا السبيل والسعي في هذا الطريق ليصل إلى ما وصل إليه صاحبنا ، تأمله وهو يقول: (كان عقله أكبر من مذهبه ، ولكن خيوطًا خفية نسجتها عدد من العوامل والظروف، والبيئة العلمية التي ترعرع في أحضانها، كانت تشده دائمًا إلى الخلف...فقد كانت العشيرة: قبيلة المذهب تنتظر منه دومًا موقفًا مدافعًا ونصرة، ولم يكن الرجل يخذل أصحابه) 16 ، فأي الرجلين خير من الآخر وأعظم! أبن تيمية الذي لم يواصل المشوار ، وانقطع عن المسير ، أم الآخر الذي واصل طريقه حتى النهاية؟! هذا هو النقيدان وهذا ظنه بنفسه مريض قلق ، وهذا المرض أمارة العظمة بل لعله شرطها ، إذ هو شأن العظماء من قبله ، ومن يعرف النقيدان يعلم حبه للأضواء والشهرة يصعب عليه أن ينخرط في سلك أناس ، وأن يسير بسيرة الناس ، لا بل هو على منهج خالف تعرف ، يتشوق لإلقاء الأحجار في المياه الراكدة ، ويأنس بإشعال المتفرقعات ليضطرب الناس في شأنه يوما أو بعض يوم في المجالس والساحات ما بين جاهل مدافع ، ومميع مداهن ، وناقم ناقد ، ومن هم على هذه الشاكلة فالعود إلى الحق ومراجعة الصواب صعب ، إذ الحق والصواب ليس المبتغى ، إنما القصد والطلب هو الذكر بين الناس ولو بالسب واللعن ، ولموقع ولو في حواشي التاريخ (فلان زاغ يوم كذا وكذا) ! على طريقة (دخل التاريخ من