فهرس الكتاب

الصفحة 1281 من 1942

(أعتقد أن هذه المفارقات تجد جذورها في تراث هائل من أقوال السلف، وتعاملهم مع المخالف حيث بإمكانك أن تجد آراء تذهب إلى أن التقوى تتمثل بأن تأكل مع غير المسلم على أن تجتمع مع مسلم مخالف لك في النحلة على مائدة واحدة، وأن نكاح مسلمة محصنة عفيفة مخالفة لك في المذهب/المعتقد هدم للدين، بينما يجوزون أن ينكح مسيحية أو يهودية، أو أخرى ساقطة لا تعرف العفة ولا الفضيلة ، كما ستجد من ينخرط في مناظرات مع أهل الكتاب ولكنه لا يجوز لك أن تناظر مسلما مخالفًا في الاعتقاد أو الطريقة أو النحلة... إنه تراث لم يزل حاضرًا وبقوة ، ومرشح للبقاء طويلًا، بعد أن تحول اليوم عفونة تصبغ حياتنا وتسمم أجواءنا، وبعد أن فقد عصارته، وتعفنت ثماره، ولم يبق منه إلا الدغل، وخيوط عنكبوت تلتف حول أعناقنا،وتعرقل مسيرتنا) 69.

ويقول:

(لدينا اليوم عدد لا بأس به يعملون جاهدين على استدعاء أكثر الأفكار في التراث الديني الإسلامي تخلفًا، يتخذون منها درعًا واقيًا لهوية مستهدفة، ويحتمون بها عوامل للشحن والتعبئة ، أفكار عديدة شكلت النسق في أدبيات الجماعات الإسلامية اليوم لم تأت من فراغ ، بل كانت قابعة في جيوب ومخابئ ثقافتنا ألغامًا قابلة للانفجار تظهر حينًا وتختفي ردحًا من الدهر متى ما توفرت الشروط الموضوعية لانبعاثها واستدعائها، فهي في متناول اليد، يستحيل القضاء عليها إلا بالقضاء على أسباب انبعاثها ، لا أسباب وجودها ، فهي كامنة كالفيروس) 70.

ويقول:

(ربما يشعر البعض أنني أتحدث عن قضايا بعيدة كل البعد عن واقعنا ونوازله، ولكن هذا الفقه والتراث بمقولات أئمته وبكل طميه حاضر في ثقافتنا، ويشكل المرجعية والأرضية الصلبة لحركات وتوجهات ونزعات تعشعش بيننا، ونصطلي اليوم بثمار أفكارها) 71.

ويقول:

(نسمع أحيانًا أن العالم الفلاني استنكر أو رد أو استهجن ...إلخ، ولكننا نعلم أن هذا الفكر التكفيري الخارجي يجد له مستندًا وجذورًا في(النصوص المؤسسة) وفي ثقافة راسخة تعود إلى العهد الأول، وهذا ما يحاول البعض أن يتجنبوا الحديث عنه لحساسيته ، وهو مالا يمكننا استبعاده إن أردنا أن نقدم شيئًا ذا بال فيما يخص هذه المسائل ، صحيح أننا أمام هذه الإشكاليات الكبرى نلجؤ إلى التأويل وإعادة التفسير، والانتقائية، ولكنه أفضل المتاح حاليًا ، هذا أفضل الحلول لنستطيع أن نتعايش مع العالم ، فلا أدري كيف سيتم قبولُ من يكررون صباحًا ومساءً نصوصًا دينية مقدسة تنضح بكره الآخر غير المسلم ومعاداته في مجتمع ليس مسلمًا!)72.

ويقول:

(الترويج لخطاب الجهاد هو كاللعب بالنار، فاليوم بإمكانك أن توظف مفهوم الجهاد ضد عدوك الآخر الخارجي، أو المخالف الطائفي، وغدًا سيرتد إليك لأن الجهاد وفق الرؤية الفقهية التقليدية لا يستثني العدو الداخلي، والذين لهم إلمام بأحكام الجهاد وفقهه وأصناف من يجب أو يجوز قتالهم والخروج عليهم، وأحكام نواقض الإيمان، وتكفير المعين شروطه وموانعه، وفق الرؤية السلفية، يدركون جيدًا أن من اليسير تنزيل بعض النصوص والفتاوى، وتوظيف نقول وآراء -ظن الكثيرون أنها استنفدت أغراضها - وبعثها كرة أخرى لتأجيج فتن واحتراب داخلي مجرد تصوره يثير الخوف والفزع، في ظل ظروف مناسبة ومتغيرات كبرى، وإحباط عام يغذي أفكار الغلو، وتراث ديني في متناول اليد يسبغ المشروعية، وليس سرًا أنه تم مؤخرًا إيقاف مجموعة من دعاة الفكر التكفيري حيث جرى التغاضي عنهم في السابق حتى تعاظم شرهم واستأثروا بعد تفجيرات سبتمبر بحصة لا يستهان بها من الشباب الذين يتبنون اليوم أفكار القاعدة، ويحلمون بإقامة الجهاد هنا في بلدهم، ولم يترددوا في التوجه إلى العراق للجهاد؛ بتحريض وتشجيع مشايخ يحظون باحترام واسع عبر وسائل الإعلام المقرؤة والمرئية) 73.

ويقول:

(لهذا أخذت على نفسي أن لا أمنح أحدا من الخلق، فرصة ليمارس أبويته ، ووصايته ، وما قرأت ما قاله أحمد بن حنبل لعبدالرحمن بن ميمون:"إياك أن تقول بمسألة ليس لك فيه إمام"، ماقرأته إلا قلت ..يا حسرة على العقول ، وبعدها وقبلها مازلت أرى حتى ساعتي هذه ما أحب وما أكره، أسلو أحيانًا، وأطنش كثيرًا ، يتعبني ويزعجني ويؤلمني بعض ما أسمعه، وما يتعرض له أحبابي وأصدقائي بسببي، ولكن دائمًا أقول العاقبة للمتقين. .والآن أكتب متى ما أردت وأحمد الله على السلامة، والحرية التي أتمتع بها) 74.

ويقول:

(ومن الغرائب ما تنقله كتب العقائد من أن أحدهم دخل عليه رجل(من أهل الأهواء) فوضع إصبعيه في أذنيه وأبى أن يسمع منه حرفًا واحدًا قال له: أتلو عليك آية، فقال: ولا آية ، وقد ذكر الله جل وعلا أن عباده (يستمعون القول فيتبعون أحسنه) ، والرسول صلى الله عليه وسلم جلس مع عتبة بن ربيعة وسمع منه حتى انتهى وأجابه عن كل نقطة في حديثه ، هذه العبارات التي كثيرًا ما ترد في كتب العقائد صدرت من وعاظ وقصاص يملأون مجالسهم بشتم مخالفيهم وتكفيرهم ولعنهم فإذا ما أُحرجوا بالدعوة إلى المناظرة والجدال ولم يكن لديهم من العلم والمعرفة ما يقابلون به خصومهم لم يجدوا خيرًا من هذه الأقوال يتدرعون بها، ومثل ذلك قولهم: أن المبتدع على وجهه ظلمة لا تفارقه وذلة لا تنفك عنه، وأنهم (وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين فإن ذل المعصية لا يفارق وجوههم ) ) 75.

ويقول:

(وراق لبعضهم أن يتألى على الله ويحجر رحمته فقال بعدم قبول توبة الزنديق!!، وبأن المبتدع لا يتوب ولو أراد التوبة لم يوفق إليها!! فإذًا لا مناص من القتل صيانة للدين وذبًا عن حرماته!!، وتحذلق بعضهم مدعين أن المبتدع يحضر لكل سؤال من بدعته جوابًا قلما يستطيع مجادله نقضه، ولهذا فلا ينبغي مناظرة أهل البدع ولا تمكينهم من كتابة آرائهم ليرد عليهم!!، فيذكر ابن بطة في كتاب(الإبانة) أنه ما أضر بأهل الإسلام مثل مناظرة أهل البدع ومجادلتهم داعيًا إلى التجافي عن سماع أقوالهم وعن مجادلتهم بالتي هي أحسن، مع أن الله في كتابه دعى إلى مجادلة المخالفين بالتي هي أحسن، كما دعى إلى مجادلة أهل الكتاب بالحسنى إلا الذين ظلموا منهم، فما دام أن القصد من إنزال الكتب وبعثة الرسل هو هداية الخلق ورحمتهم فما المحذور في مجادلتهم ومناقشتهم؟! ولكن هذه الأقوال الغريبة التي شاعت وحشيت بها كتب العقائد وجعلت قواعد مقدسة للتعامل مع المخالفين في الفكر والاعتقاد كان مصدرها بعض القصاص والوعاظ!! من أدعياء العلم الذين يملئون مجالسهم بلعن أهل البدع وتكفير مخالفيهم! ورواية الأكاذيب والأساطير في أن المخالفين لهم يمسخون في قبورهم قردة وخنازير!!، مثل هؤلاء يجرون أحيانًا إلى النقاش والمناظرة فلا يجدون ما يسترون به جهلهم سوى هذه الأقوال والنقول التي يتدرعون بها!!، فلا عجب بعد هذا أن يكثر الزنادقة والمنحلون من الدين إذا كان المدعون للعلم بهذا المستوى من الهشاشة والضعف)76.

ويقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت