(ومن الأقوال التي تطلق بلا عنان ما يذكر في مباحث بيان تحريم الغناء والمعازف من أن(الغناء ينبت النفاق في القلب) ، ومعلوم أن كثيرًا من المحرمات إذا اقترفها العبد وجد من نفسه ضيقًا وضنكا، فإما أن يراجع ويتوب فيكون حاله بعد التوبة أفضل منه قبل المعصية وإما أن يأتي بأعمال صالحة تكفر الذنب أو تخففه، والنفاق إما أن يكون نفاقًا أكبر بإظهار الإسلام وإبطان الكفر وإما أن يكون من النفاق العلمي كالكذب في الحديث والفجور في الخصومة وغيرها، وليس ثمة تلازم البتة بين سماع الغناء والنفاق، وما العلة في اختصاصه دون غيره من الذنوب بإنباته للنفاق!77 ، ولم لم يكن الكذب هو مفتاح النفاق وبابه؟78
برأيي أن مصدر هذه المقولة أن أحد سلفنا الصالح كان يسمع الغناء خفية وهو يعتقد حرمته، وهي ازدواجية تجعل الإنسان يعيش تمزقًا وعذابًا وشعورًا قاتلا بالنفاق وهي تجربة ذاتية (تخصه) ليس له أن يعممها79 ، وقد رأينا من تشف نفسه وتنبل أخلاقه وتجنح روحه حينما يستمع أعذب الألحان وأحلى الأصوات، فالغناء كالكلام حسنه حسن وقبيحه قبيح، ومن الكلام ما ينبت الكفر والإلحاد، فهل أصاب ابن القيم الحنبلي حينما قال في نونيته:
حب الكتاب وحب ألحان الغنافي قلب عبد ليس يجتمعان)80.
ويقول:
(أطلق ابن حنبل أقوالًا وآراء صارت من بعده عقائد لا يرقى إليها الشك ومسلمات لا تناقش ، امتُحِنَ الناس بها ولازالوا، آراء يُحتج لها ولا يُحتج بها ويُستدل لها ولا يُستدل بها81، فضلل وبدع من توقف في خلق القرآن ووكل علم ذلك إلى الله فعده شرًا من الجهمية82 ، ولا أدري ما حجته وربنا سبحانه يقول:(ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا) ، وقال في مسألة اللفظ بالقرآن قولًا عجبًا83 فأوذي كثير بسببها ونال البخاري ومسلمًا وغيرهما الاضطهاد والتضييق من جرائها ، وأحمد بن حنبل هو الذي أوصى أحد أصحابه أن لا يقول بمسألة ليس له فيها إمام، ولما سئل عن مسألة في الفرائض توقف فيها لأنه لا يعلم في ذلك شيئًا عمن سلفه، ولأحمد ولغيره ممن سبقه أو لحقه في وصف البدع وأهلها وأهل الأهواء والضلالة آراء في حكم التعامل مع المخالف ممالا يفصل فيه نص قطعي الدلالة قطعي الثبوت، خلفوا أقوالًا سرت إلى عقول الأمة وسلطها العامة سيفًا مسلطًا على كل باحث عن الحقيقة أصيل الفكر نابذ للتقليد)84.
ويقول:
(فالفكر السلفي بعامة والوهابي بخاصة له موقف متشنّج معادٍ من الآخر المسلم، له موقف من الصوفية، وله موقف من الشيعة، ومن.. التكفيريون معادٍ.. غير أن وجود السياسي ونضج السياسي وعقلانية السياسي وواقعيته كانت كفيلة في العقود الماضية لتحجيم هذا التطرف وقمع هذا الغول الذي بإمكانه أن يخرج من عمق في أي لحظة.. في لحظة ما ، الوهابية اليوم تحتاج إلى أن تبسط رواق السلم والتسامح مع المذاهب الفقهية الأخرى) 85.
ويقول:
(لا بد من الاعتراف بحقيقة مرة وهي أنني حينما أرجع إلى أدبيات الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد في مصر بعد مقتل السادات كثير من أدبيات القاعدة وغيرها كثير من أعداد مجلة صوت الجهاد التي هي ... اللسان الناطق لتنظيم القاعدة في السعودية ، هي ليست بعيدة كل البعد عن الأصول الفكرية للوهابية: الولاء والبراء.. التكفير موجبات التكفير شروطه وموانعه وما هي مسببات التكفير؟ هذه الأشياء كلها موجودة فيها وبالتالي لا يمكن أبدًا أن تفكّ هذه الأفكار عن أصولها ، غير أنها ليست الوهابية نفسها ، هي المسؤولة عنها أساسًا ، هذه أفكار لم تكن يومًا من الأيام فقط مسؤولة عنها الوهابية هي مشكلة الفكر السلفي بعامة) 86.
* موقفه من أهل السنة والجماعة:
يقول النقيدان:
(أهل السنة والجماعة كغيرهم، لديهم صواب وخطأ) 87.
* موقفه من الشيعة:
يقول النقيدان:
(أما الشيعة فهم إخواني) 88.
ويقول:
(لقد أثبت أبناء الطائفة الشيعية أنهم أكثر حرصًا على وحدة هذا البلد واستقراره، مع كل الثغرات التي كان من الممكن أن يجد البعض فيها فرصة لما يدعيه المتطرفون الذين أثبتت الوقائع أنهم هم الخطر الحقيقي، مهما ادعوا أنهم الأكثر أصالة وسلامة معتقد وألصق بتعاليم بن عبدالوهاب) 89.
*موقفه من العلمانية والعلمانيين:
يقول النقيدان:
(ثنائية الإسلامي/العلماني لها في مجتمعنا السعودي أحاديث وأسمار وملاحم، كان ضحاياها أشخاصًا مخلصين لأمتهم، وكتابًا حادبين على وطنهم، وآخرين ركعًا وسجدًا يرجون رحمة ربهم ويخشون عذابه، ومنهم من فاضت روحه إلى بارئه تشكوا ما نالها من ظلم وقسوة ونبذ وصقيع اغتراب جلل حياتهم لم يكونوا يبحثون عنه،وآخرون يراهنون على الزمن..مؤمنين أن ما نعجز عن قوله، أو نخشى ردة الفعل الصاعقة تجاهه ؛ ما علينا إلا أن نكرره،ونلح عليه..ليكون يومًا واقعًا مفروضًا يرغم الآخرين على التعايش معه ،فالحريات لا توهب،وإنما تؤخذ غلابًا) 90.
ويقول:
(كنت في السابق أقاسي العذاب الرهيب من أن يزيغ قلبي فأنحرف..انحرفت فاستمعت إلى عبد الباسط ، وسلمان العودة، بأشرطة الكاسيت، قلت: لا ، المهم أن لا أجالس وأصاحب الذين أشربت قلوبهم حب الوظائف والمدرس النظامية، فزغت قليلًا...وقرأت كتب سيد قطب خفية من الأصحاب... قلت: مازلت أنا على خير ، حتى الآن... ثم انحرفت فرأيت أفلام المجاهدين في أشرطة الفيديو، فقلت: الحمد لله مازلت متدينا،ولا أعصي الله، وأصلي النوافل ، ثم انحرفت فقرأت كتب الطنطاوي،وكرد علي والعقاد،..قلت: مسلم يشدو الأدب...ثم انحرفت...فقرأت الجرائد....ثم جالست وصادقت وقرأت لمن يوصفون بالعلمانية، فرأيتهم خيرًا مني ، ومن كثير من المشعوذين ، يحملون هم أمتهم ، ولديهم رؤيتهم، ويحملون قلوبًا مفعمة بحب البشرية جمعاء، وتتمنى خيرها ... وهكذا حتى أصبحت اليوم(إنسانًا) ، لا تأسرني الرؤية المذهبية المقيتة ، ولا الطائفية ، أقاتل حتى الشراسة عما أراه ، وأعبر عن أفكاري بحرية لم أتسولها من أحد ولم أنتظر فيها إذنا، ولم أطرق الأبواب لأقف في الطوابير ليأذن لي فلان أو علان ، لا أعادي الآخرين لتوجهاتهم، ولا أجد في قلبي غلًا لإنسان مهما كان دينه أو نحلته أو توجهه ، أتساءل دومًا وأحاول أن أتلمس حقيقتي أنا ، أجلس مع شروق الشمس وعلى أنغام فيروز ، أتأمل حياتي السالفة، وأضحك من طنين الذابة)91.
ويقول في جواب سؤال:
(أما سؤالك الكريم عن هل من الممكن أن يكون المسلم ليبراليًا ومسلمًا في الوقت نفسه؟ فنعم.
وأما العلماني فهذا يعتمد على كيفية تصورك للعلمانية، ولحقيقة لإيمان وعلاقة الإنسان بربه، وهل الدين الذي ينجو به العبد ويدخل الجنة هو الفطرة الإيمان بوحدانية الله التي نجى بها النجاشي وكان بها مسلمًا، وهو لم يركع لله ركعة واحدة92، ولم يبدل من سياسة حكمه قيد أنملة وبقي على سنة من قبله في السياسة والحكم ، وقد تأخرت وفاته إلى السنة السادسة من الهجرة، بعد نزول أكثر الأحكام التشريعية،مما يجعلنا نجزم أنه كان مطلعًا أول بأول على مستجدات التشريع،ومع ذلك صلى عليه الرسول صلاة الغائب93.
أما إن كان تصورك لحقيقة الإيمان لا يكون الإنسان مؤمنًا إلا بالإقرار والإذعان لحكم الشريعة، فهنا يأتي الحديث عن العذر بالجهل، والتأويل، وبيان الحجة، وهو حديث يطول، وإذا كان ابن تيمية يقول لخصومه: أنا أعذركم، ولكنني لو اعتقدت ما تقولون به لكفرتُ، فأحسب أن الأمر أيسر مما نتوهم)94.
ويقول: