وهذا الإدراك هو الذي يحدد حرية الإنسان وأمنه، فالحرية في المنظور الإسلامي هي تعبير عن نضج روحي يمكن الإنسان من أن يتحكم في أنانيته الذاتية، فالحرية ليست موضوعا من موضوعات القوة بقدر ما هي موضوع للوعي بالذات ومعرفة النفس وكذلك الأمن يكمن في شخصية الإنسان ووعيه الذاتي.
ينطلق النظام المعرفي الإسلامي من التوافق والاتساق بين جميع مصادر المعرفة والمبدأ الأسمى وهو التوحيد، ومن هنا لم يعرف الإسلام العلمانية التي هي تعبير عن عجز المؤسسة الدينية للإجابة عن أسئلة الواقع المتجددة، والعقل والاجتهاد يعملان بكل قوة ولكن في سياق الوحي الضابط لاحتمال سوء الاستخدام.
وينطلق النموذج الإسلامي من جعل القيم حاكمة على الواقع ومؤسساته فهي مطلقة ومتجاوزة للزمان والمكان، ولذا فالنظريات الاجتماعية الإسلامية لا يمكنها أن تتجاوز القيم الإسلامية ولا أن تؤسس نماذج اجتماعية وقانونية ضدها، وهكذا تظل القيم الإسلامية هي معيار الشرعية لأي مؤسسات أو نظم أو قواعد.
ويضمن النموذج الإسلامي السلام مع البيئة لأن الكون هبة الله وهو حق مشترك للجنس البشري ولذا لا بد من المحافظة علي البيئة سمة جوهرية لبقاء الكون.
ويعبر النموذج الإسلامي عن الأصالة والتعددية، فتصوره للتاريخ والزمن يؤكد على الطبيعة الدائرية وليست الخطية الأحادية، ومن هنا أهمية التجديد وقدرة الحضارة الإسلامية على استعادة مكانتها، فالسيادة الحقيقية لا تنطلق من التفوق المادي وإنما من التفوق القيمي والروحي.
كما يؤكد المؤلف أن أزمة الأفكار والمؤسسات في العالم الإسلامي لبناء نموذج حضاري جديد ترجع إلى انفصال النخب الفكرية العلمانية عن المرجعية الإسلامية، ومحاولة هذه النخب الحاكمة والمسيطرة فرض ثقافة جديدة مطابقة للمفاهيم الغربية وإنجاز التنمية الاقتصادية وبناء القوة العسكرية لتحقيق موقع أفضل على الساحة الدولية وفي نفس الوقت تسويغ السياسات الاحتكارية لهذه النخب في مختلف المجالات.
ولكن هذه النخبة تواجه مأزقا اليوم وهناك تحول حضاري جديد أهم ما فيه أنه يستلهم المرجعية الإسلامية ويقوده جيل جديد من المسلمين ذوي التعليم العالي فكثير من قيادات الحركة الإسلامية داخل المجتمعات الإسلامية تجدهم إما مهندسين أو علماء اجتماع أو أطباء. وهناك أزمة اقتصادية حالت دون تحقيق وحدة بين دول العالم الإسلامي فحرص كل منها على الاندماج في النظام العالمي أكثر من حرصها على تحقيق الوحدة بينها وهناك أيضا أزمة سياسية متمثلة في الشرعية الشكلية المنفصلة عن منظومة القيم والميراث الاستعماري المتمثل في تكريس ميراث التجزئة المصطنعة. هذه الأزمات تحول دون تحقق الإسلام بديلا حضاريا.
وفي الأخير يشير المؤلف إلى أن خلفية المواجهة بين العالم الإسلامي والعالم الغربي راجعة إلى تطور داخل المركز الحضاري الإسلامي نحو بناء مركز مستقل عن الغرب بظهور حركات الإحياء الإسلامي وتنامي وعي متزايد لدى الجماهير الإسلامية بضرورة العودة إلى الإسلام ويضرب مثالا لذلك بتركيا التي يتنامي العامل الإسلامي بقوة في سياستها الداخلية والخارجية. وهكذا يضعنا المؤلف في سياق إستراتيجي واسع لفهم ما يجري من أحداث على الساحة العالمية، حيث يهدف الغرب إلى منع قيام بديل حضاري إسلامي يمكن أن يمثل بديلا محتملا للمركز الحضاري الغربي الذي يواجه أزمة شاملة لا يمكن حلها من داخله.
رؤية لآليات الصراع وموقع الأمة منه في فكر تنظيم القاعدة
السبت 21 من صفر 1428 هـ 10 - 3 - 2007 م
... القاعدة ...
القاعدة
عصام زيدان
ما زال تنظيم القاعدة الأم بزعامة أسامة بن لادن يشغل حيزًا كبيرًا من الاهتمام العالمي؛ نظرًا للتأثير الذي يتركه التنظيم على مجريات الأحداث بأبعادها العالمية والإقليمية والمحلية, خاصة بعد حادثة ضرب عدة مراكز مؤثرة وحساسة في الولايات المتحدة الأمريكية في سبتمبر عام 2001.
وقد تباينت حيال هذا التنظيم النظريات, وتضاربت زوايا الرؤية, والتبست الأهداف بالتكتيكات والاستراتيجيات, وبات من يحكم على التنظيم يحكم عليه إجمالًا دون تفرقة بين هذه الأبعاد الثلاثة, رغم ما قد يكتنف بعض الأهداف النهائية للتنظيم كالخروج من التبعية للغرب وتحكيم الشرع وتحرير المقدسات من مصداقية يحنو إليها الشارع العربي والإسلامي, وما قد يعتور التكتيكات والاستراتيجيات من تجاوزات شرعية وتجاهلًا لما قد يقتضيه ويفرضه الواقع السياسي بأبعاده وإحداثياته, وقواعد السياسية الشرعية.
وفي مقال لنا سابق عن التنظيم تحت عنوان"الملامح المميزة لخطابات الظواهري وابن لادن"تناولنا نقديًا ما يخص جانب الأهداف والتكتيكات, وفي هذا المقال سنتناول"فكرة الصراع, وموقع الأمة منها"كاستراتيجية في فكر القاعدة ومنهجها, نعتمد في هذا التحليل بالأساس على ما سبق أن نشرته جريدة الشرق الأوسط اللندنية من كتاب الرجل الثاني في التنظيم أيمن الظواهري بعنوان"فرسان تحت راية النبي".
الصراع كاستراتيجية أساسية لتنظيم القاعدة:
في هذا الكتاب أبان الظواهري عن استراتيجية تراكبية لتنظيم القاعدة قائمة في الأسس على فكرة الصراع, وتجييش الأمة في مواجهة الأعداء, تمهيدًا لتكوين نواة تمثل اللبنة الأولى في المشروع وتشكل قاعدة انطلاقية نحو دولة الخلافة العالمية كما يراها التنظيم.
ويمكن تناول مفردات الصراع في فكر تنظيم القاعدة على النحو التالي:
أولًا: عالمية الصراع:
بدأ فكر القاعدة مبنيًا على رؤية قائد التنظيم أسامة بن لادن في استهداف"العدو البعيد"المتمثل في المحور الأمريكي ـ الصهيوني ومن التحق به من قوى الغرب, وكان التنظيم قائمًا بذاته من حيث التخطيط والتنفيذ, غير مكترث بصورة ما بغيره من التنظيمات حتى تلك التي تتبنى أيديولوجية متشابهة, ولكن بعد مؤتمر شرم الشيخ 1996, تبنت القاعدة استراتيجية أكثر مرونة تسمح بإطلاق المبادرات الذاتية إقليميًا ومحليًا, وتم تحويل المشروع من"مشروع تنظيم"إلى"مشروع شراكة متعددة الجنسيات"بتوسيع دائرة المنتمين إلى التنظيم حتى ولو فكريًا فقط طالما أنه سيسعى مستقبلًا لإنفاذ مشروع القاعدة وأهدافها.
فبعد عامين من المؤتمر أي في عام 1998 كانت انطلاقة ما يسمى بـ"الجبهة العالمية لقتال اليهود والأمريكان", ووقع عليه قادة عدة فصائل جهادية كان على رأسهم زعيم القاعدة أسامة بن لادن, ورفاعي طه رئيس الجماعة الإسلامية بمصر, وتعددت بعد ذلك الكيانات والفصائل التي التحقت بالتنظيم وكان آخرها الجماعة السلفية للدعوة والقتال بالجزائر.
واستطاع الرجل الثاني في التنظيم أيمن الظواهري أن يضيف ما وصفه بـ"العدو القريب"الذي يتمثل من وجهة نظرة في الأنظمة العربية والحكام, إلى قائمة المستهدفين, لينقسم العالم وفق رؤية القاعدة إلى حلف المجاهدين تحت لواء القاعدة, وحلف المناوئين تحت اللواء الغربي.
ليس من المصلحة ولا من السياسية في شئ أن نجعل الأنظمة الحاكمة في سلة واحدة مع العدو البعيد, بل إن وضعها في دائرة"العدو"في حقيقة الأمر لا يمكن التسليم به بحال.
فالعدو البعيد لا يستهدف فقط الشعوب وإنما يستهدف الأمة كلها, ومن ثم فان توصيف تلك الأنظمة بالعدو لن يفيد إلا العدو الحقيقي المتمثل في الغرب.