فهرس الكتاب
فالأجدى إذن أن نبحث عن قواصم مشتركة, وأرضية ثابتة يمكن أن ينطلق منها مشروع يحفظ الأمة من الصراع الداخلي المرير الذي لن يجني حصاده إلا العدو الغربي المتربص بالأنظمة والشعوب على حد سواء.
فإن كانت ثمة معركة حقيقية مع الأنظمة, فهي معركة فكرية تهدف لتجييشها في معركة الأمة ضد المؤامرات الخارجية ولا تحيدها ولا تجعلها في سلة العدو الغربي الذي يسعى حثيثا ويجعل نصب عينه ألا تجتمع الأنظمة مع الشعوب يوما, ليبقى العداء مستعرا وتحت أقدامه ولهيبه تضيع المصالح العليا للأمة.
وفي كتابه المشار إليه يوصّف الظواهري المعركة, ويصنفها تحت عنوان الصراع العالمي, فيقول:"ولا يمكن أن تخاض (المعركة) إقليمية دون النظر إلى العداء العالمي.. لا يمكن خوض الصراع من أجل إقامة الدولة المسلمة على أنه صراع إقليمي, فقد اتضح أن التحالف الصليبي - اليهودي بزعامة أمريكا لن يسمح لأية قوة مسلمة بالوصول للحكم في أي من بلاد المسلمين، وإنه سيحشد كل طاقاته لضربها وإزالتها من الحكم إن تمكنت من الوصول، وإنه تحقيقًا لذلك سيفتح عليها ميدانًا للمعركة يشمل العالم كله، بل سيفرض على كل من يساعدها العقوبات، هذا إن لم يشن عليهم الحرب، ولذلك فإننا تكيفًا مع هذا الوضع الجديد، يجب أن نعد أنفسنا لمعركة لا تقتصر على إقليم واحد بل تشمل العدو الداخلي المرتد والعدو الخارجي الصليبي - اليهودي".
وفي موضع آخر من كتابه يقول:"أي محايد لابد أن يلمح عدة ظواهر بدأت في التشكل في عالمنا الإسلامي بشكل عام؛ منها عالمية المعركة, فالقوى الغربية المعادية للإسلام حددت عدوها بوضوح, وهو ما تسميه بالأصولية الإسلامية, ودخل معها في هذا الحلف عدوتهم القديمة روسيا, واتخذوا عدة أدوات لمحاربة الإسلام منها الحكام الموالون والحاكمون لشعوب المسلمين...".
ثانيًا: أدوات الصراع:
الصراع سواء مع"العدو القريب"أو"العدو البعيد", لا يمكن النظر إليه في منظور القاعدة, إلا من باب الجهاد المسلح, وفقط, حيث لم يعد هناك من سبيل آخر يمكن من الوصول للأهداف المرجوة في ظل التآمر العالمي على الإسلام والمسلمين.
وجاء في"فرسان تحت راية النبي"للظواهري:"ومع ظهور هذه الطائفة الجديدة من المسلمين الذين طال غيابهم في واقع الأمة, يزداد بين كل أبناء الإسلام الحريصين على نصرته وعي جديد خلاصته: ألا حل إلا بالجهاد".
وعن كيفية الوصول إلى هذه النتيجة استعرض الظواهري بصورة نقدية بعض تجارب العمل السياسي للإسلاميين في الجزائر ومصر.. فقال عن التجربة الجزائرية:"لقد تعامت جبهة الإنقاذ في الجزائر عن أصول العقيدة وحقائق التاريخ وثوابت السياسة وموازين القوة وقوانين السيطرة، واندفعت نحو صناديق الانتخاب لتدلف منها إلى قصور الرئاسة ومقار الوزارة، ولكن على أبوابها كانت الدبابات بانتظارها، وقد وجهت مدافعها المحشوة بالذخيرة الفرنسية إلى صدور الذين نسوا سنن المواجهة بين الحق والباطل، فأعادتهم نيران الضباط المتفرنسين إلى أرض الواقع بعد أن حلّقوا في سماء الأوهام".
كما برّر حصر الوسيلة في الجهاد بشراسة المعركة وطبيعتها بقوله:"ومما ساعد على الوصول إلى نتيجة:"ألا حل إلا بالجهاد"; شراسة وتعسف الحملة الصليبية اليهودية الجديدة التي تعامل أمة الإسلام بغاية الاحتقار...".
ثالثًا: تكتيكات الصراع ومرحليته:
في فكر القاعدة لا يمكن لفئة محددة أو من وصفها الظواهري بالصفوة أن تخوض ذلك الصراع العالمي بمفردها, بل"يجب أن تخوض الحركة الجهادية المعركة وهي وسط الأمة وأمامها, وأن تحذر كل الحذر من أن تنعزل عن أمتها وتخوض ضد الحكومة معركة الصفوة ضد السلطة". كما جاء في كتاب الظواهري.
ومن هنا جاء اهتمام القاعدة بخطاب الأمة ومحاولة تجييشها في الصراع من أجل بناء قاعدة داخلية يمكن الانطلاق منها والاستمرار في المعركة, فآليات الصراع ومرحليته وفق منظور القاعدة ينقسم لشقين:
• الشق الأول: تثوير الأمة وتجييشها:
فقد جعل الظواهري من بين الأهداف الأساسية لكتابه وضع الإطار الفكري والنظري لمحاولة تجييش الأمة لتخوض الصراع العالمي المسلح ضد قوى الداخل والخارج على السواء.
وتستخدم القاعدة الأعمال المسلحة خاصة في البلاد الغربية والتركيز على القضايا المفصلية العامة كقضية فلسطين في الدفع بالأمة إلى أتون هذا الصراع.
يقول الظواهري في كتابه:"إن تصعيد العمل الجهادي للنيل من الأهداف الأمريكية واليهودية يبعث روح المقاومة بين أفراد الشعب الذي يعتبر اليهود والأمريكان رمزًا بشعًا على التكبر والطغيان...".
• الشق الثاني: إنشاء قاعدة للخلافة الإسلامية:
يبرز في هذا الشق الهدف من تجييش الأمة وخوض الصراع بها, وهو إيجاد"قاعدة"في قلب العالم الإسلامي تنطلق منها دولة الخلافة التي تسعى إليها القاعدة.
يقول الظواهري:"كل ما استعرضناه من وسائل وخطط لحشد الأمة وتجييشها سيظل مكسبًا معلقًا في الهواء دون نتيجة ملموسة وعائد مشاهد ما لم يؤدّ إلى إنشاء دولة الخلافة".
وضح إذن من خلال ذلك العرض أن الأمة في فكر التنظيم ومن خلال الزج بها في الصراع يراد منها أن تكون درعًا لحماية التنظيم من المواجهة المستنفدة لطاقاته مع الأنظمة, ومعبرًا لتكوين قاعدة تنطلق منها دولة الخلافة المشكّلة في ذهن التنظيم.
وقفات وتأملات:
حقيقةً, فكرة الصراع هذه التي ينطلق منها تنظيم القاعدة تحتاج إلى وقفات وتأملات نجملها في عدة عناصر كالتالي:
أولًا: إذا ما نظرنا إلى مرحلية الصراع من وجهه نظر التنظيم وخوضه بالأمة, سنجد خللًا واضحًا وبينًا بين مرحلة التأهيل للصراع, ومرحلة خوض الصراع, فالتنظيم بدأ بالفعل في الصراع, فيما الأمة لم تحقق حتى الحد الأدنى من مقومات الدخول في ذلك الصراع الشرس والمهلك.
كما قرر دخول الأمة هذا الصراع, وكأنه متفرد بالقرار, مهدرًا كثيرًا من الطاقات العلمية والشرعية الأخرى التي قد لا تتفق بالضرورة مع توجهاته, ومن ثم فإن اختطاف تنظيم واحد أو محاولته ذلك للأمة نرى به قدرًا كبيرًا من التعسف غير المبرر وتجهيل القسم الأكبر من المرجعيات الرافضة لهذا المنحى القاعدي.
ثانيًا: من زاوية النظر العالمية أيضًا التي انطلق منها التنظيم في التأصيل, نرى أن هناك خللًا في ميزان القوى بكافة جوانبه الاقتصادية والعسكرية... يميل بلا شك لصالح الغرب, فيما الأمة الإسلامية ما زالت حتى الآن لم تستكمل - إن صح التعبير - لم تبدأ في مشروع نهضتها الذي يجعلها في استقلالية حتى الأقل غذائية واقتصادية, فهي حتى الآن تعتمد بصورة أساسية على الغرب الذي نشب أنيابه من قبل في أراضيها وامتص ثرواتها وما زال.
ولا شك, أن خوض صراع عالمي دون عدة وإعداد لا يجد ما يدعمه من أصول الشرع وقواعد التشريع وأبجديات السياسية الشرعية, بل نجد الظواهري قد انتقد جبهة الإنقاذ لعدم إدراكها لموازين القوى وقواعد السياسية, وما نراه قد التزمها.
ثالثًا: من هذا المنظور, العالمي أيضًا, وتأسيسًا على ما سبق نقول: إن شن صراع عالمي واستفزاز الغرب من خلال عمليات متناثرة تقتل بضع مئات تجعل من الأمة رجالها ونسائها في مواجهة غير محسوبة, وغير مستعد لها خلفت وما زالت مآسي عديدة من قبل الغرب الذي يتاح له من خلال هذا الصراع الفرص المواتية لممارسة أفعاله الإجرامية بالمسلمين.