فهرس الكتاب

الصفحة 1295 من 1942

ومع عصر النهضة الأوروبية -ومع الثورات الأوروبية ضد الإقطاع المتحالف مع الكنيسة- وهو ما أفرز العلمانية، نستطيع أن نلمح ثورة أوروبية على المسيحية ذاتها وإسقاطها من الحساب لدرجة ما، أي العودة الكاملة للوثنية الكاملة الإغريقية، ووجدنا بعثًا للفنون الإغريقية والشعر الإغريقي والمسرح الإغريقي والفلسفات الإغريقية، ولم تكن العلمانية الأوروبية إلا لتحمل بدورها نفس البذور ونفس القيم الأوروبية الثابتة من القهر والعنف والمنفعة اللاأخلاقية والاضطهاد الديني، وعلينا أن ننظر إلى كل الإفرازات الأيديولوجية والسياسية والاجتماعية الأوروبية من فاشية ونازية واشتراكية ورأسمالية وشيوعية وغيرها، من خلال أنها إفراز طبيعي لنفس الأرضية الحضارية الأوروبية، وإذا فسدت الأرضية فسدت الإفرازات فلا فرق حقيقيًا بين هذه ، والصراع بين هذه الأيديولوجيات الفاسدة هو صراع على نفس الأرضية وتحمل نفس السمات العامة وأهمها التعصب ضد كل ما هو إسلامي ومحاولة تحطيم الإسلام والحضارة الإسلامية، وهكذا لم نجد فرقًا كبيرًا في السلوك بين الممارسات الإجرامية للفرنسيين في الجزائر سواء كانوا من اليمين أو اليسار، ملكيين أو جمهوريين، ديجوليين أو اشتراكيين، تحالفًا من الرأسماليين والديمقراطيين أو تحالفًا من الاشتراكيين والشيوعيين بل نجد معدل الجرائم يرتفع في الجزائر عندما تكون الحكومة الفرنسية حكومة من الاشتراكيين والشيوعيين فالحكومة الاشتراكية الشيوعية في فرنسا في عام 1945 هي التي ارتكبت المذبحة التي قام بها الطيران الفرنسي فأباد وأحرق 45 قرية جزائرية كاملة، بل كان وزير الطيران الفرنسي شيوعيًا.

وفي إطار الصراع بين أجنحة الحضارة الأوروبية، نجد أن كل مدرسة وكل دولة أوروبية تعمل على تجنيد طابور خامس وطني للتبشير بقيم الحضارة الأوروبية عمومًا، وهذه الدولة أو المدرسة وتلك خصوصًا، وهكذا يمكن أن نفهم الصراع بين الإنجليز والفرنسيين أو بين الكنيسة البروتستانتية والكاثوليكية أو المبشرين الألمان والإيطاليين أو المستشرقين من هؤلاء وأولئك على تجنيد أكبر قدر من العملاء المحليين، ولكن هذا كله في إطار تناقض جوهري يضم كل هؤلاء ضد كل ما هو إسلامي.

العلمانية في بلادنا ما هي إلا مفرزة استخباراتية متقدمة تتغير وتتبدل حسب أحوال الصراع في أوروبا، فدنلوب الإنجليزي يصفي النفوذ الثقافي الفرنسي في مصر لحساب النفوذ الثقافي الإنجليزي، وهكذا.

وقصة العلمانية هي قصة الصراع بين الحضارة الوثنية الأوروبية أو آخر فصول هذا الصراع مع الحضارة الإسلامية. وهذا الصراع ممتد في التاريخ والجغرافيا وشهد العديد من المراحل وأخذ الكثير من الملامح حسب الزمان والمكان.

وهذا الصراع بدأ مبكرًا جدًا في حياة الرسول r، والذي أدرك بفراسته ونبوته أن هذا الصراع سيشكل المساحة الأكبر في تاريخ الإسلام، ووضع له الأسس الصحيحة، وهي أن الهجوم خير وسائل الدفاع، وهكذا خاض المسلمون في حياة الرسول r العديد من المعارك ضد الدولة البيزنطية وحلفائها، على اعتبار أن هذه الدولة البيزنطية تمثل في ذلك الوقت المواقع المتقدمة للحضارة الأوروبية الإغريقية والرومانية، خاض المسلمون في حياة الرسول r العديد من المعارك ضد الدولة الرومانية وحلفائها في مؤتة وتبوك ودومة الجندل، وجهز الرسول r جيش أسامة بن زيد لغزو الشام، إلا أنه r مرض فأوصى بإنفاذ هذا الجيش، ووفى الخليفة الصديق t عنه بهذه الوصية بعد وفاة الرسول r.

واستمر الصراع بعد وفاة الرسول r، ونجح المسلمون في تحرير الشام وشمال أفريقيا من الدولة الرومانية، بل ووصل المسلمون إلى الأندلس، وأقاموا فيها حضارة إسلامية زاهرة لمدة ثمانية قرون، وهددوا الدولة البيزنطية نفسها في شرق أوروبا، وحاصروا روما أيضًا أكثر من مرة ووصلوا بنفوذهم ووجودهم إلى مختلف جزر البحر المتوسط قبرص، وصقلية، وإقريطش (كريت) وغيرها.

وعندما أصبح وجود الدولة الرومانية البيزنطية نفسه مهددًا بعد موقعة (ملازجرد) التي انتصر فيها السلاجقة على الدولة البيزنطية سنة 1071 م؛ قامت الدولة البيزنطية بالاستنجاد ببابا روما، وهكذا نشأت الحروب الصليبية في الشرق العربي 1095 - 1291 م، ومع فشل هذه الحروب الصليبية واندحارها ثم استمرار عملية الصراع في الأندلس وشمال أفريقيا قبل هذه الحروب الصليبية وبعدها وأثناءها، ومع ظهور الخلافة العثمانية التي أوصلت الإسلام إلى قلب أوروبا وأسقطت الدولة البيزنطية نهائيًا وفتحت القسطنطينية سنة 1453 م على يد محمد الفاتح، ووصلت الجيوش العثمانية الإسلامية إلى أسوار فيينا وجنوب روما ودخل الإسلام إلى ألبانيا والمجر والبوسنة والهرسك وكوسوفو، وخضع الصرب والكروات والمجريون والرومانيون وغيرهم للحكم الإسلامي العثماني، أحست أوروبا بالخطر الشديد، وقررت تغيير التكتيك من الصدام العسكري إلى الاختراق الثقافي والعسكري والسياسي.

ومن خلال هذا الاحتكاك المباشر وغير المباشر والذي وصل إلى قلب أوروبا عن طريق الأندلس إلى جنوب فرنسا وسويسرا وعن طريق العثمانيين إلى كل أوروبا الشرقية، ومن خلال جزر البحر المتوسط، كان من الممكن أن يعرف الأوروبيون حقيقة الإسلام فيدخلوا فيه وقد حدث هذا بالفعل في أكثر من مكان أوروبي مثل ألبانيا والبوسنة والهرسك وكوسوفو وغيرها، وكان لا بد لأوروبا من جهاز للدعاية لحماية رعاياهم من الأثر الإسلامي ونشأ من هنا الاستشراق الذي كان في البدء محاولة لمعرفة الإسلام بهدف تشويه صوته في عيون الأوروبيين، ومع حالة النوم والاسترخاء التي عاشها العالم الإسلامي، طمعت أوروبا في ذلك الوقت فيما هو أكثر، خاصة بعد أخذها بأسباب العلم والقوة، فتحول جانب من الاستشراق إلى تجسس أوروبي مباشر وغير مباشر على الدول الإسلامية؛ لمعرفة نقاط الضعف والتجهيز لحملة صليبية جديدة تحت اسم الاستعمار، وكذلك نشأ التبشير، ومن الاستعمار والتبشير والاستشراق بدأت الحملة الصليبية الجديدة التي انتهت بسقوط الخلافة العثمانية ووقوع معظم بلاد العالم الإسلامي في قبضة الاحتلال الأوروبي، وحدث تطور جديد في الاستشراق، فكان لا بد أن يمنع أي محاولة للنهضة في العالم الإسلامي وأي محاولة للمقاومة، وذلك بطمس معالم القوة في الثقافة الإسلامية وإحداث ما سمي بالتفريغ الثقافي على حد تعبير العلامة محمود محمد شاكر، وهذا التفريغ الثقافي يقوم على تشكيل مدرسة ثقافية محلية تتلمذ على يد المستشرقين وتردد نفس رؤيتهم للإسلام واللغة العربية والآداب الإسلامية وغيرها أو يتم تشكيل الوجدان والعقل لهؤلاء المدجنين من خلال المعارف الأوروبية وحدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت