وهكذا وجدنا أنفسنا أمام تيارين أسوأ من بعضهما البعض الأول هو هؤلاء الذين ينظرون إلى الثقافة والآداب واللغة بل والدين بمنظور المستشرقين، وفضلًا عما في هذا الأمر من تآمر واضح فإنه أيضًا أمر غريب وعجيب، لأنه من البدهي أنه مهما كان المستشرق قد تعلم في اللغة العربية أو الآداب فإنه سيظل مجرد تلميذ في هذا الإطار، ولا يمكن أن يتحول إلى أستاذ أو دارس أو باحث أو صاحب مدرسة؛ لأنه قد نشأ وتعلم واكتسب ثقافته في أرضية ثقافية أخرى وبدهي أن أحدًا لن يفهم لغة أو ثقافة ما إلا إذا كان ابنًا لهذه اللغة وهذه الثقافة، وفي هذا الإطار يقول العلامة محمود محمد شاكر في كتابه المهم (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا) :"غاية ما يمكن أن يحوزه مستشرق أن يكون عارفًا معرفة ما بهذه اللغة أو الآداب، وأحسن أحواله أن يكون في منزلة طالب عربي في الرابعة عشرة من عمره، بل هو أقل منه على الأرجح، أي هو في طبقة العوام الذين لا يعتد بأقوالهم أحد، ولا يمكن لمستشرق أن يكون محيطًا بالثقافة التي هي لازمة لتعلم اللغة والآداب، وهذه الثقافة سر من الأسرار الملثمة في كل أم من الأمم وفي كل جيل من البشر، وشرط الثقافة هذا ممتنع على المستشرق كل الامتناع، بل هو أدخل في باب الاستحالة من اجتماع الماء والنار في إناء واحد".
ويضيف العلامة محمود محمد شاكر:"فأعجب العجب إذن أن يعد أحد شيئًا مما كتبه المستشرقون في لغتنا وثقافتنا وديننا متضمنًا لرأي حقيقًا بالاحترام والتقدير، فضلًا عن أن يكون عملًا علميًا أو بحثا منهجيًا نسترشد به في شئون لغتنا وثقافتنا وتاريخنا وديننا، كما هو السائد اليوم في حياتنا الأدبية الفاسدة".
أما التيار الثاني، وهو الذي التقطته أوروبا، وعلمته ودجنته بحيث أصبح غربي التفكير والسلوك وحصل على العلوم وخاصة الاجتماعية منها من منظور أوروبي، فهذا سيأتي إلينا للتبشير بالقيم الأوروبية مباشرة.
أي إننا أمام تيار كامل تقريبًا أو تيار يفهم اللغة والآداب بل والدين من منظور المستشرقين وهو منظور سطحي في أحسن الفروض أو مشبوه ومتآمر في أسوئها.
من هؤلاء وأولئك نشأت العلمانية - وهي محاولة للتفريغ الثقافي أو تفسير الدين واللغة تفسيرًا سطحيًا أو تآمريًا يخدم مخططات الغرب، أو محاولة لزرع القيم والثقافة الأوروبية فينا، وكل هذا جزء من مخطط استعماري واضح المعالم معروف الأهداف، وهكذا لم يكن عجيبًا ولا غريبًا أن ترتبط العلمانية في بلادنا بكل مدارسها ورموزها بالاستعمار بطريقة مباشرة ومفتوحة، وقد فضح نابليون نفسه هذا الأمر في رسالته إلى كليبر التي يقول فيها"اجتهد في جمع 500 أو 600 شخص من المماليك أو من العرب ومشايخ البلدان لنأخذهم إلى فرنسا فنحتجزهم فيها مدة سنة أو سنتين يشاهدون فيها عظمة الأمة الفرنسية ويعتادون على تقاليدنا ولغتنا. وعندما يعودون إلى مصر يكون لنا منهم حزب ينضم إليه غيرهم، ويضيف بونابرت:"كنت قد طلبت مرارًا جوقة تمثيلية وسأهتم اهتمامًا خاصًا بإرسالها إليك؛ لأنها ضرورية للجيش وللبدء في تغيير تقاليد البلاد"."
وقد قام مفكرون إسلاميون مشكورون بفضح ورصد العلاقة بين الاستعمار وهؤلاء العلمانيين، فالعلامة محمود شاكر فضح لويس عوض وأثبت ارتباطه بدوائر الاستعمار في كتابه المهم أباطيل وأسمار، وطارق البشري فضح ورصد العلاقة المريبة بين الأحزاب الشيوعية المصرية خصوصًا والعربية عمومًا وبين الصهيونية وإسرائيل في كتابه الحركة السياسية في مصر 1945 - 1952 وقال إن تلك الأحزاب أنشأتها الصهيونية خدمة لمشروعها المرتقب وقتئذٍ في إقامة إسرائيل.
وفي الحقيقة فإنه أينما سرت وفتشت تجد هذه العلاقة بين العلمانية وبين الإنجليز أو الفرنسيين أو الأمريكان أو دوائر التبشير والاستشراق وهكذا، فعلي عبد الرازق مثلًا في دعوته لإلغاء الخلافة الإسلامية والزعم بأنها ليست من أصول الإسلام، وإنكاره أن الإسلام دين ودولة لم يكن إلا ناقلًا لبحث قام به الإنجليز وعملاؤهم في الهند إبان الحرب العالمية الأولى، وذلك خوفًا من إعلان الخلافة العثمانية لفكرة الجهاد لتعبئة المسلمين ضد الحلفاء في تلك الحرب، فأرادوا التشويش على فكرة الخلافة ذاتها، ثم قبع البحث في أدراج الخارجية الإنجليزية إلى أن تم نشره عن طريق علي عبد الرازق، وكذا قاسم أمين فما هو إلا ناقل لشبهات المستشرقين، وجدير بالذكر هنا أن كلًا من علي عبد الرازق وقاسم أمين كانا ينتميان إلى حزب مصري من صنائع الإنجليز، وهو حزب الأمة الذي لم يكن يخفي دعوته لاستمرار الاحتلال الإنجليزي لمصر، ونجد أن الذي هاجم قاسم أمين وكتابه هو حزب الاستقلال ورفض الإنجليز والكفاح ضدهم وهو الحزب الوطني، مصطفى كامل - محمد فريد.
نفس الارتباطات المشبوهة نجدها عند أحمد لطفي السيد رئيس تحرير جريدة حزب الإنجليز"حزب الأمة"، ونجدها في سلامة موسى ولويس عوض وغالي شكري، وشبلي شميل الذي يعترف رفعت السعيد أنه كان يدافع عن الإنجليز ويلتمس له العذر لذلك؛ لأنه كان هاربًا من النفوذ العثماني في الشام!
وفي الواقع فإن الأستاذ محمد محمد حسين في كتابه الهام اتجاهات وطنية في الأدب المعاصر"قد فضح الدوائر الاستعمارية التي كانت تقف خلف الدعوات الفرعونية أو القومية أو العلمانية عمومًا في مصر في أوائل هذا القرن."
وحتى اليوم نفس الارتباطات المشبوهة مع دوائر التنصير وهو الأمر الذي فضحه الدكتور محمد عمارة وجلال كشك وغيرهما في أكثر من كتاب ومقال، أو مع مؤسسات أمريكية أوروبية مشبوهة مثل مؤسسة فورد كونديشن التي تمول نشاطات ما يسمى بحركة تحرير المرأة وقد افتضح الأمر على يد بعض عضوات هذه الحركة أنفسهن داخل أروقة المؤتمر الذي انعقد سنة 1986 حيث تساءلن عن تمويل المؤتمر فاعترفت نوال السعداوي بأن مؤسسة فورد كونديشن الأمريكية. وكذا هيئة المعونة الأمريكية - بالقاهرة وجمعية نوفيك الهولندية ومكتب أكستوان بالقاهرة هم الذين مولوا هذا المؤتمر!
وآخر المطاف -هناك الذي يدعو الغرب جهارًا نهارًا للتدخل في مصر عسكريًا، ويدعو أيضًا للتحالف مع إسرائيل وضرب السودان، وعلاقته بالسفير الإسرائيلي أكثر من مشهورة.
وهكذا فإن العلمانية بكل مدارسها وتياراتها ورموزها مشبوهة الارتباطات مشبوهة الأهداف، وهي إما اختراق مخابراتي أجنبي مباشر، أو نشأت في أحضان دوائر التبشير كالجامعة الأمريكية، ببيروت مثلًا التي نشأ في أحضانها الكثير من القوميين العرب أو تلاميذ للمستشرقين المتآمرين أو السطحيين، وبدهي أنه ليس في الاستشراق إلا متآمر أو سطحي.
وهكذا وجدنا كل الدعوات العلمانية من دعوة إلى القومية العربية لضرب الوحدة الإسلامية وتقطيع أواصر المسلمين، أو دعوة إلى الفرعونية أو الفينيقية أو غيرها من الدعوات المقيتة التي تستهدف استبعاد الإسلام، أو الحركات الشيوعية المريبة ذات العلاقة بقيام إسرائيل، أو هؤلاء الداعين إلى الكتابة باللغة العامية نكاية في اللغة العربية وعزلًا لها وبالتالي عزل القرآن الكريم عن الواقع، أو الدعوة إلى استبدال الحروف العربية بالحروف اللاتينية حتى يصبح كل تراثنا طلاسم على أبنائنا يحتاج لمن يترجمه لهم، أو هؤلاء الداعين للأخذ بثقافة الغرب بزعم أنها ثقافة العصر أو الحضارة العالمية، أو غيرها من المصطلحات الداعرة.