فهرس الكتاب

الصفحة 1298 من 1942

أما المشكلة في ما يتعلق بالغرب فهي المشروع الغربي مشروع الاستعمار والهيمنة والاستغلال وهذا المشروع يمثل بالنسبة لنا مشكلة ليس لأنه غربي فنحن انطلاقا من الإسلام نؤمن بالتعددية الدينية والثقافية والقومية والحضارية ونؤمن أن العالم يجب أن يكون منتدى حضارات تتعايش وتتفاعل وتتمايز في الخصوصيات الثقافية، لكن الذي يجعل المشروع الغربي مشكلة لنا هو أن الحضارة الغربية ذات نزعة مركزية تجعلها تؤمن بأن الحضارة بدأت بالإغريق والرومان وانتهت بالنهضة الأوروبية وأن النموذج الغربي الحضاري هو الحضارة الإنسانية والعالمية الوحيدة وعلي الآخرين تقليدها والتبعية لها والذوبان فيها، أي أن المشروع الغربي هو بحكم نزعته المركزية ينفي المشاريع الحضارية الأخرى وفي مقدمتها المشروع الحضاري الإسلامي.

* الحركة الإسلامية متهمة بممارسة الديكتاتورية عندما تصل إلى الحكم، كما حدث في السودان، وأفغانستان، وحتى قبل الوصول إلى الحكم أو حال الوصول إليه كما حدث في الجزائر عندما هاجم نائب رئيس جبهة الإنقاذ الديمقراطية، وأيضا في مصر انتقد الكثيرون تجربة الإخوان في النقابات المهنية وقالوا إنها كانت غير مشجعة، حيث كانوا يرفضون أن يشاركهم غيرهم إدارة النقابات ... كيف تردون على هذه الاتهامات؟.

أنا أولًا لي ملاحظات على التيارات الفكرية جميعها من حيث الموقف من الشورى والديمقراطية، وأنا أيضا أتساءل: هل الليبراليون عندما حكموا في بلادنا كانوا ديمقراطيين؟! هذا لم يحدث، التطبيقات الديمقراطية عند من يدعون الليبرالية كانت حكمًا لفئة من الإقطاعيين أو الرأسماليين، بينما كانت جماهير الشعب محرومة، ولو نظرنا إلى الأحزاب الليبرالية فسوف نجد أن زعامتها وقيادتها كانت احتكارًا لفئة من الناس.

والأحزاب والتيارات القومية هي التي أقامت الديكتاتوريات والنظم الشمولية على مساحة العالم العربي بأكمله، فالمناخ الذي نعيشه يعاني من سلبيات كثيرة فيما يتعلق بالديمقراطية والتوجهات الشورية. نأتي إلى قضية الإسلاميين وأنا لا أبرئ التيارات الإسلامية أن لديها أيضا هذه المفاهيم الخاطئة فيما يتعلق بالديمقراطية والشورى، لكنها قد تكون أفضل من غيرها في هذا المجال، أنا لا أدري ماذا ستفعل إذا وصلت إلى الحكم، لأن هذا في علم الغيب، لكني أتصور أن كثيرًا من الحركات والجماعات الإسلامية لها في تنظيماتها مجالس شورى، وتتحدث كثيرا عن موضوع الشورى.

أما فيما يتعلق بالتطبيقات فبخصوص التجربة السودانية فإن لها ظروفا وملابسات تجعلني أتروي في الحكم عليها، لأن الحركة السياسية في السودان كانت حركات صوفية قبلية ذات طابع إقطاعي، وهذا واضح عند الختمية والأنصار، وكانت حركات حديثة أغلبها أحزاب يسارية محدودة التأثير والعدد. أما الحركة الإسلامية في السودان فهي الحركة الحديثة القائمة على تنظيم غير قبلي وغير إقطاعي، فهي تجمع ما بين التوجهات الحديثة وبين المرجعية الإسلامية. ثم إن السودان له خصوصية، فلديه عدد من الثقافات وليس ثقافة واحدة، وليس شعبا واحدًا ولا ديانة واحدة، ولا عرقًا واحدًا، ولا لغة واحدة، وهذا يجعل للسودان خصوصية تجعلنا نحبذ أن تعطى له فرصة قبل الحكم على هذه التجربة مع التسليم بأنه ليس هناك نظام حكم، سواء كان إسلاميا أم غير إسلامي، يمكن أن يمثل المثال الذي نريده، فدائما هناك فارق بين المثال والواقع، فنحن حينما نتحدث عن الشورى والديمقراطية فإن القضية ليست مثلًا وأحلامًا.

أما بخصوص التصريحات التي صدرت عن بعض الإسلاميين في جبهة الإنقاذ في الجزائر، فجبهة الإنقاذ جبهة وليست تنظيما متحدًا، وهي لها من اسمها نصيب فهي تيارات مختلفة ومستنيرة، ومن هنا فطبيعي أن يكون داخلها وجهات نظر مختلفة، وأن نسمع بعض التصريحات السلبية عن الديمقراطية.

وأحيانا فإن الإعلام المعادي يركز على خطبة قالها خطيب مجهول أو تصريح قد يكون لصاحبه تفسيرات معينة، وحتى لو قال"على بلحاج"نائب رئيس الجبهة إن (الديمقراطية كفر) فهو يقصد أنها تعطي الأمة سلطة التشريع حتى أنها تحرم الحلال وتحلل الحرام، وهذا موجود في بعض الدول الأوروبية كأن يكون للشذوذ الجنسي قانون، وللزنا بالتراضي قانون.. الخ، لأن فلسفة الديمقراطية في النظام الغربي هي أن الأمة مصدر السلطات بشكل مطلق وليس هناك سقف على سلطة الأمة، لكن الديمقراطية كمؤسسات وآليات وتجربة إنسانية فيها النظام النيابي، والانتخابات، والرأي العام، وتبادل السلطة. كل هذا لا يختلف مع الإسلام ولا مع الشورى الإسلامية، وهنا يجب ألا يعزل التصريح عن سياقه وملابساته ومقاصده، وألا يعمم.

أما قضية الإخوان فهم لهم أدبيات معينة تلتزم بالديمقراطية، وتبادل السلطة، والتعددية، والشورى، والاقتراع، بل إن لهم تصريحات كثيرة تتحدث حتى عن قبولهم لأحزاب شيوعية، وأن الحكم هو الأمة، وأنا بالنسبة لأي حزب أو جماعة أحاكمها بناء على أدبياتها ولا أتحدث عن النوايا لأن بعض الناس يريد أن يحاكم الناس ولو فعلنا ذلك نستطيع أن نرفض كل الناس، لأنه لا يعلم النوايا إلا الله، ونحن نتعامل مع الناس فيما يتعلق بالحياة الدنيا بالظاهر والمعلن، وأنا أقول إنه ليس هناك تيار سياسي في عالمنا العربي والإسلامي يستطيع أن يكون نموذجا للحكم والمثال الذي نتحدث عنه.

لكن على مستوى الواقع"من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر"، فأين هو التيار الديمقراطي الحقيقي الذي من حقه أن يحاكم الآخرين على سلبياتهم الديمقراطية.

* وصل الصدام بين الحركات الإسلامية والحكومات إلى أعنف مدى، حتى وصل إلى الصراع المسلح وأعمال العنف. هل كان هذا الصدام لازما لا فكاك منه؟ وما هي الآليات التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه الآن؟.

** لا أنكر أن هناك فصيلًا، وهو بالمناسبة محدود العدد والتأثير في الظاهرة الإسلامية، يؤمن بالعنف، وهذا الفصيل نشأته حديثة.

نحن نميز بين أمرين، الأول: حوادث عنف، وهذه موجودة منذ أن نشأت الدنيا منذ قابيل وهابيل، وموجودة في تيارات فكرية كثيرة، فالعنف قانون في التيار اليساري، لأن الثورات الحمراء واستخدام العنف وتغليب طبقة على طبقة هذا عنف.

والتيارات الانقلابية التي تلجأ إلى الانقلابات العسكرية في العالم العربي هي تيارات عنف، التيار القومي تيار انقلابي وقام بحركات عنف واستولى على السلطة في عدد من البلاد، وهذا عنف، وهناك في الحركة الإسلامية فصائل للعنف.

مثلا"حزب التحرير"يؤمن بالاستيلاء على السلطة بواسطة الجيوش والانقلابات العسكرية. العنف في الحركة الإسلامية أصبح له نظرية منذ المحنة التي تعرض لها الإخوان المسلمون في 1954 ثم في 1965، وأعتقد أن"سيد قطب"- رحمه الله - كان أول مصري ينظر للعنف. فلم يعد العنف مجرد حادثة فردية إنما أصبح هناك نظرية ترفض الواقع، تحكم عليه بالكفر والجاهلية وتستعلي على هذا الواقع وتدعو إلى تغييره بالعنف.

فسيد قطب لم يكن منظرًا للعنف الفردي والعشوائي الذي رأيناه في مصر، لأن هذا لون من العبث، لكنه كان منظرًا لعنف ثوري، أي أنه يثور المجتمع ويحضر المجتمع الإسلامي والتيار الإسلامي لكي يقوم بعمل عنيف وثورة تغير الواقع الجاهلي الذي يتحدث عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت