فهرس الكتاب

الصفحة 1299 من 1942

سيد قطب قبل محنة السجن كان مفكرًا مستنيرًا وعقلانيًا وكتاباته من الاجتهادات المبدعة في الفكر الإسلامي، ولكن عندما وضع في المحنة والمحرقة حدثت تغيرات في فكره، ورفض الواقع، وأصبحت القضية بالنسبة له"أبيض وأسود"، كل ما يقوله الآخر الذي يمتحنه ويقهره ويعذبه ويسجنه فهو رافض له، فبعد أن كان يتحدث عن العدالة في الإسلام أصبحت الاشتراكية بالنسبة له كفرًا، وكذلك القومية، فقد غالى إلى الحد الذي تحدث فيه أن الأمة ارتدت وأن معتقدات الناس أصبحت شركًا. فالذي أدى إلى هذا هو المحنة، فالعنف والتنظير له ولد في السجون، ولذلك فالسبيل للخروج من هذا الفكر الجامد والمغلق هو أن تتاح فرص وقنوات للعمل الشرعي والسلمي والقانوني أمام كل تيارات الفكر، وأنا لا أميل إلى تقييد أي لون من ألوان الفكر، حتى الفكر الذي أرفضه ولو كان كفرًا، لأن صاحب الاجتهادات التي تؤدي إلى الكفر قمعه يجعله شهيدًا ويصبح له أنصار، لكن إذا تركناه يقول ما يقول سيرفضه الناس وسيفلس أمام الجماهير.

ونحن على مدار تاريخنا الإسلامي كانت الأفكار الشاذة موجودة، وعندما كانت تقيد هذه الأفكار كان يصبح لها سلطان.

يجب أن يتاح التعبير للجميع حتى الفكر المتطرف، وأنا لا أخاف التطرف الفكري، لأن الأمة سترفضه لكن أرفض العنف الذي يفرض الأفكار، فلو أن إنسانًا لديه فكر متطرف دعه يقوله، فلو سمحت له بجريدة مثلا سوف تجعله يراجع أفكاره قبل أن يكتبها، لكن إذا منعت ذلك عنه فسوف يكتب في الظلام كل الانحرافات التي وقعت في ذهنه، ولذلك فإن إتاحة العمل القانوني والشرعي والسلمي أم تيارات الفكر هي أهم السبل للقضاء على ظاهر العنف.

فالعمل السري والعنيف يعطي صاحبه نوعًا من الكبرياء الكاذب والأهمية الخادعة لأنه يتصور أنه موضوع لأنه مهم فتتضخم الذاتية عنده.

* البعض يتهم الحركات الإسلامية بأنها لم تقطع علاقاتها بالحكومات فقط، بل قطعتها أيضا بالتيارات الأخرى داخل مجتمعاتها، فهل العنف والتدابر صفة ذاتية في هذه الحركات؟ وهل يمكن أن يلتقي الإسلاميون مع بقية التيارات الأخرى؟.

** هذا السؤال قد يكون فيه تعميم، لأني أرى أن الحركة الإسلامية في الأردن مثلا تحالفت مع التيارات السياسية والفكرية الأخرى في كثير من القضايا مثل الموقف مع التسوية السلمية مع إسرائيل، وقضية الحريات والديمقراطية.. الخ. كما أن الحركة الإسلامية في اليمن شاركت في السلطة وتحالفت تحالف مع"حزب المؤتمر الشعبي"وخاضوا معا حربا ضد التيارات الانفصالية، وبالتالي فليسوا غرباء عن العمل المشترك والعمل الجبهوي، حتى في السودان كثير من فصائل التيارات السياسية والحزبية الأخرى تعاونوا مع الجبهة القومية الإسلامية، وفي مصر دخل"الإخوان المسلمون"الانتخابات مع الوفد عام 1984م، ودخلوا في التحالف الإسلامي مع حزبي العمل والأحرار عام 1987م، وأيضا شاركوا في عمل مشترك كثيرًا مع الأقباط والوفد والشيوعيين والأحرار في كثير من القضايا، بل إنه كان هناك مشروع للاتفاق على الحد الأدنى للعمل المشترك بين التيارات الفكرية والسياسية بما فيهم الإخوان.

إن إتاحة فرصة العمل السياسي الشرعي والقانوني هي التي تشجع الحركات على العمل المشترك، لكن عندما نمنع الحركات الإسلامية ونحجر عليها فكيف يقومون بعمل مشترك إذا كان عملهم في حد ذاته مجرما وممنوعًا؟.

إنني أدرك أن العمل الجبهوي والتعاون بين تيارات الفكر يحتاج إلى أفق واسع وتجارب وتدريب، وأتصور أن كل تياراتنا الفكرية والحزبية عندها قصور في ذلك، الأحزاب في أحيان كثيرة تتصرف بروح القبيلة، ولذلك هناك نقص في التعاون بين الأحزاب السياسية بشكل عام، لكن بالذات أمام المخاطر الخارجية التي تهدد الأمة ووجودها وهويتها نجد تعاونًا وعملًا مشتركا بين تيارات الفكر والتنظيمات السياسية في بلادنا.

أنا معك نحن في حاجة إلى أن ننمي روح العمل الجماعي والمشترك، وهناك إيجابيات موجودة في أرض الواقع، وفي العقود الأخيرة كانت هناك أمور مشجعة.

* بصفتك مفكرًا إسلاميًا تهاجم العلمانية ورموزها، كيف ترى مستقبل العلمانية في مصر والعالم العربي؟ وهل أسهم الفكر الإسلامي الحديث في إضعاف العلمانية أم في استفزازها وتنشيطها وإشعالها؟.

** الاستفزاز والإشعال قائم في شريحة الغلو العلماني وليس في العلمانيين كافة، فنحن كما قلنا فهناك غلو ديني يحكم على المجتمعات بالجاهلية والكفر، ويتخذ العنف سببا للتغيير. وفي نفس الوقت هناك غلو علماني يجري في الثوابت والأصول والمعتقدات، أي يضرب في القرآن، والنبوة والرسالة، ويتحدث عن تاريخية النصوص ويرى نسخ الشريعة.

وما نحن بصدده الآن ليس العلمانية بشكلها الجزئي التي تتخوف من التطبيقات الإسلامية والدولة الإسلامية، وإنما نحن بصدد ظاهرة غلو علماني تستفز الحس الإسلامي، وتجرح المعتقدات والثوابت الإسلامية. والمد الإسلامي وانعطاف الأمة وبحثها عن الحلول الإسلامية والبديل الإسلامي في التقدم والنهضة قلص مساحات الفكر العلماني.

ونحن نشهد الآن كثيرا من المثقفين العلمانيين يشكون من الإفلاس، انصرف عنهم الجماهير، فأنت الآن لو عقدت"ندوة إسلامية"تجد جمهورًا لكن لو عقدت"ندوة علمانية"لا تجد جمهورًا رغم أن في يدهم السلطة والإمكانات والتمويل وأجهزة الإعلام، لكن الشارع ليس معهم وهذا من أسباب الاستفزاز عندهم فيشعرون بحالة من الإحباط تجعلهم في حالة من التوتر، وهذا هو الذي يصعد من لهجتهم في مواجهة الإسلام.

وهذا ينعكس حتى في الأحزاب، فالأحزاب العلمانية على حد تعبير أحد العلمانيين يقول: إنها"مصابة بجفاف جماهيري"ونحن نرى أحزابا تعطي مقرات ورخصًا ودعمًا وليس داخلها أحد، بينما التيار الإسلامي الذي يصلب ويضرب يقبل عليه الناس. وهذا دليل على أن الظاهرة الإسلامية لها رصيد في عقيدة الأمة وتفكيرها، فالناس بالفطرة مؤمنة، وتطمئن للحل والنموذج الإسلامي، فالناس جربت الحل الإسلامي والنظام الإسلامي لأكثر من ثلاثة عشر قرنًا، أما الحديث عن النمط الغربي فجديد على الأمة، وكل تجاربه بألوانه المختلفة لا تؤتي ثمرة طيبة. بينما الناس تدري أن الذي صنع لها الدولة والأمة والعقيدة والشريعة هو الإسلام، فضلا عن أنه هو السبيل إلى الدار الآخرة التي هي خير وأبقى. العلمانية حل غربي لمشكلة غربية، فقد كانت هناك كهانة وكنيسة تحكم بالحق الإلهي، وتجعل الدنيا دينًا خالصًا وتحجر على العلم.

وأمام هذا الغلو الديني جاء غلو علماني لا ديني رفض أن يكون للدين مدخل في عمران الحياة الإنسانية. وإذا كانت العلمانية حل غربي لمشكلة غربية فإن الإسلام لا يعرف هذه المشكلة فهو ليس فيه كهانة، ولا حكم بالحق الإلهي، ولا عصمة لبشر، ولا عصمة لاجتهاد بشري ومن ثم فليس عندنا المشكلة التي تستدعي العلمانية، والعلمانيون عندنا يبذرون بذرة في أرض غير قابلة لنمو هذه البذرة. وحتى عندما تفرد العلمانيون بالعمل في المجتمعات الإسلامية لم تكن لهم جذور في الواقع الإسلامي.

* الحركة الإسلامية متهمة بأنها سطحية وليس لديها عمق ثقافي وأنها تربي أبناءها على الشعارات. ما هو رأيكم في هذه المقولة؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت