** تعبير الحركة الإسلامية تعبير واسع، فإذا أردنا بالسؤال الإشارة إلى الفصائل التي تنحاز إلى العنف والجمود، فأنا معك أن أغلب هذه الحركات بضاعتها شعارات وتخلوا أدبياتها إلى حد كبير من العمق والموضوعية والفقه بالمعنى الإسلامي، أما إذا كان الحديث عن الحركات الوسطية المعتدلة فإن هذه التعميم يصبح ظالما، لأن لدى الكثير من الحركات الإسلامية الوسطية أفكار ورؤى وتصورات وكتابات وأيضا إبداعات فكرية على مستوى طيب، صحيح أنها لا تلبي الطموحات التي نريدها لكن إذا قارنتها بغيرها من الحركات الفكرية في الإطار القومي اليساري لن تجدها فقيرة في الناحية الفكرية.
أما إذا كانت الإشارة إلى تيار المفكرين والمجددين والذين لهم استقلالية عن التنظيمات والحركات الإسلامية لكنهم يبدعون مشروعا حضاريا إسلاميا أو بديلا إسلاميا للنموذج الغربي في التحديث، فأنا أعتقد أن المكتبة الإسلامية في العقود الأخيرة بها العديد من الكتب والدراسات والاجتهادات التي تقدم رؤية الإسلام في كثير من القضايا وملامح وقسمات المشروع الحضاري.
ومن هنا فلا أوافق أن يكون المعني هو تيار التجديد والتفكير والاجتهاد الإسلامي، فهذا التيار منذ جمال الدين الأفغاني إلى محمد عبده إلى الكواكبي إلى المراغي إلى شلتوت إلى رشيد رضا إلى وضعنا الراهن، أقول إن لدينا تيار فكري مجدد ومجتهد ومبدع وله اجتهادات تمثل معالم لمشروع حضاري. وهكذا فإننا إذا نظرنا إلى الظاهرة الإسلامية، وليس الحركة الإسلامية، فلن نستطيع أن نحكم عليها بأنها فقيرة من الناحية الفكرية.
* العلمانية في أوروبا عادة ما ترتبط بالديمقراطية وحرية العبادة والأديان، ولكن عندنا في الدول العربية عادة ما تشتبك مع الدين، كيف نفك هذا التداخل؟.
** أريد أن أفك الارتباط المزعوم بين الديمقراطية وبين العلمانية، لأنه من الممكن أن تكون هناك مجتمعات ديمقراطية وليست علمانية، ويمكن أن تكون هناك مجتمعات علمانية وليست ديمقراطية، فالمجتمع الشيوعي هو مجتمع قمة في العلمانية الثورية الملحدة، ومع ذلك هو مجتمع غير ديمقراطي.
والمجتمعات الفاشية والنازية مجتمعات علمانية وغير ديمقراطية، والذين يربطون في مجتمعاتنا حقوق الأقليات الدينية بالعلمانية مخطئون لأن التعددية الدينية في المجتمعات الإسلامية حقيقة تاريخية، يعني حيث كان الغرب يرفض التعددية الدينية بل ويرفض التعددية المذهبية حتى داخل النصرانية، وقد كان هذا هو حال المجتمع الغربي طوال تاريخه يعني المجتمع البروتستانتي يقتل غير البروتستانتي، والمجتمع الكاثوليكي يقتل غير الكاثوليكي، وهكذا، بينما جعل الإسلام الحفاظ على الآخر الديني جزءً من العقيدة الدينية فلا يكتمل إيمان المسلم إلا إذا آمن بكل الرسل والرسالات السابقة وأيضا إلا إذا أمن غير المسلم على ذاته ونفسه، وأبنائه وأمواله، وكنائسهم وصلبانهم وعقائدهم. أي أن حماية الآخر الديني جزء من العقيدة الإسلامية، ولذلك عاشت الشرائع والملل الأخرى في بلادنا على مر التاريخ الإسلامي، ففي مصر ظهرت أقدم كنائس الدنيا في ظل الإسلام.
بل إنني ألفت النظر إلى حقيقة هامة، فنحن عادة نضرب المثل بمصر في التسامح الديني وفي التعايش والإخاء. وهذا التعايش والتسامح ثمرة إسلامية وليس ثمرة مصرية، فالشخصية المصرية قبل الإسلام لم تكن شخصية متسامحة، تأملي معي مصر الفرعونية عندما جاءت ديانة إخناتون اضطهدت وأبادت معابد آمون واضطهدت كهنته وأبادتهم، وعندما هزمت الأخناتونية اضطهد كهنة آمون الاخناتونيين وأبادوهم، وعندما دخلت النصرانية مصر قبل الإسلام كانت ديانة مضطهدة من الوثنيين، وكلما قويت كانت تبيد الوثنيين فتدمر المعابد، وتحرق المكتبات، وتسحل الفلاسفة الوثنيين. بل إن الدولة الرومانية عندما كانت على وثنيتها كان حكامها في مصر يضطهدون الأقباط المصريين، وأقباط مصر يؤرخون بـ"عصر الشهداء"أي الشهداء في العصر الروماني، حتى بعد أن تدينت الدولة البيزنطية بالنصرانية كان لها المذهب الملكاني وكان غير المذهب المصري، وكان هناك اضطهاد، وظل أقباط مصر مضطهدين حتى في ظل المسيحية الملكانية البيزنطية. فقط عندما جاء الإسلام فإن عمرو بن العاص هو الذي استدعى المضطهدين من المغارات والجبال والصحاري ورد إليهم كنائسهم التي كانت مغتصبة من النصارى الملكانيين البيزنطيين.
ومنذ الفتح العربي الإسلامي لمصر بدأت التعددية في مصر، والذين يأتون بالعلمانية الآن لكي تكون حلًا لمشكلة الأقليات، أقول لهم إن العلمانية حل غربي جاءنا في ركاب الغزوة الاستعمارية الحديثة التي جاءت تقهر القبطي والمسلم معا، فهل تكون حلا للأقليات في مصر؟!
الحل هو المشروع الحضاري الذي يمثل هوية الأمة بأغلبيتها وأقليتها، وأحيانا أتساءل: لو أنني قبطي مصري، أيهما أولى لي: أن أحكم بالفقه الإسلامي الذي هو فقه عربي إسلامي واجتهاد وطني؟ أم بقانون نابليون الذي جاءنا ليحتلنا ويقهرنا مسلمين وأقباطًا؟.
إن كرومر كان يحتقر الأقباط المصريين لأنهم شرقيون ولكنه لا يستطيع أن يميز بينهم وبين المسلمين. لذلك فالوحدة واضحة عندنا في الشعب والأمة والدولة والثقافة والفلسفة والقيم والنظرة للكون.
ولحسن الحظ فإن الشريعة الإسلامية كتدبيرات مدنية لشئون الدنيا ليس هناك بديل نصراني لها، وبالتالي فإن حكم الشريعة الإسلامية ليس بديلًا لشريعة النصرانية وإنما هو بديل لعلمانية غربية.
فإذا كان المسيحي المصري يتقبل القانون الروماني فهل يتقبل قانون الرومان الذين قتلوا أجداده وأصبح يؤرخ بقتلاهم وشهدائهم، ولا يقبل القانون الإسلامي الذي حرره من هذا الاضطهاد؟ بالمنطق الديني والدنيوي، ليس هناك أي مبرر لاستدعاء العلمانية كحل لمشكلة الأقليات. لقد كنت في حوار إسلامي مسيحي في عمان وجاء قسيس إيطالي كاثوليكي يقول: إن الحل هو العلمانية، فقلت له أنت قسيس وتقول هذا؟ هل عندما يكون لك ابن أيهما يطمئن قلبك: أترسله إلى مدرسة متدينة تعلمه أن لهذا العالم خالق؟ أم ترسله إلى مدرسة علمانية تعلمه أن هذا العالم بدون خالق؟ إن آخر شيء يمكن أن يفكر فيه أي مؤمن بأي دين من الأديان هو أن يحتكم إلى العلمانية لأنها عندما بدأت، بدأت عدوانًا على النصرانية في الغرب، فكيف يتبناها المسيحي في الشرق وهي في بداياتها عدوان على القيم الإيمانية والحكم النصراني في الغرب. وعلى هذا فالأقليات تلتمس كامل المواطنة في مشروع الأمة الحضاري وليس في المشروع الذي يخترق أمن الأمة.
* نسمع كثيرا عن الحوار بين الأديان والحضارات، على أي أساس يمكن أن يقوم هذا الحوار؟ وما هي الضمانات التي تحول دون تحوله من حوار حقيقي إلى غزو فكري وفرض للآراء؟.
** الحوار ليس فقط فضيلة إسلامية، إنما هو فريضة إسلامية، لأن الإسلام هو الذي يجعل التعددية في الشعوب والقبائل.. في الألوان وفي الألسنة.. في المناهج والشرائع، أي في الملل والحضارات، يجعل هذه التعددية سنة من سنن الله التي لا تبديل لها ولا تحويل.
وإذا كانت صورة التعددية في الرؤية الإسلامية [ ولا يزالون مختلفين] والمفسرون يقولون: للاختلاف خلقهم. وحتى ظهور الإسلام على الدين كله ليس معناه أن الإسلام ينفرد بالبشرية، إنما معناه ظهور الحلول الإسلامية حتى في البلاد التي لا تدين بالإسلام.