كما كان لخروج المسلمين من الأندلس تاريخ، فإن للعودة أيضًا تاريخها، ففي منتصف السبعينيات من القرن العشرين كانت أزمة البترول العالمية، والتي كان من نتائجها بطء النمو الاقتصادي لدول شمال ووسط أوربا، مما أجبر حكومات هذه الدول مثل ألمانيا وهولندا وفرنسا على غلق حدودها أمام تيار الهجرة الاقتصادية القادم من العالم الثالث والعالم الإسلامي، و مع ذلك لم تتوقف الهجرة، وأنّى لها أن تتوقف؟ فثمة أزمة اقتصادية طاحنة كانت تعصف بدول العالم الثالث منذ أوائل السبعينيات وطوال حقبة الثمانينيات، بالإضافة إلى زيادة سكانية كانت تضغط على الشباب العاطل أو المحبط للبحث عن الرزق في أراضي أخرى, وكذلك فهناك أيضًا هجرة سياسية من جراء الحروب و الاضطرابات والنزاعات السياسية؛ مثل الثورة الإسلامية في إبران عام1979، وأحداث لبنان في الثمانينيات، وحربي الخليج الأولى والثانية، وأحداث الجزائر في التسعينيات.
بيد أن الجديد أن تيار الهجرة في مجمله غيَّر وجهته إلى بلدان أوربية أخرى، كانت حتى منتصف السبعينيات مناطق طرد، بالتحديد إلى جنوب أوروبا، وعلى وجه الدقة إلى إيطاليا وأسبانيا؛ لأن هاتين الدولتين منذ منتصف السبعينيات وخلال الثمانينيات شهدتا نموًا اقتصاديًا مرتفعًا، مما حوَّلهما إلى دولتين جاذبتين للمهاجرين، وخاصة من الدول الإسلامية المجاورة، لاسيما من بلاد المغرب العربي، و يشكِّل المغاربة الغالبية العظمى من المسلمين المهاجرين في أسبانيا، وإلى جانبهم توجد أعداد أخرى من شمال إفريقيا والشرق الأوسط ومناطق أخرى, وهؤلاء المسلمون -خاصة المغاربة- موزَّعون في غالبية الولايات الأسبانية، ولكنهم يتركزون أكثر في مقاطعات مدريد و قطاَلونيا و أندلوثيَّا.
وقد وقعت حوادث عنصرية متفرقة هنا وهناك في بعض المدن الأسبانية أنَّى وجدت الجالية الإسلامية بكثافة، وتمثلت في الاعتداء على بعض المسلمين من النساء المحجبات، والمحلات التجارية الإسلامية [محلات اللحوم الشرعية، المخابز، المطاعم العربية، وبعض محلات بيع الأغذية] ، والمساجد، والمراكز الإسلامية، وزادت شدتها بعد أحداث سبتمبر 2001م، وتنامي التيار النازي الشبابي الذي يمثله جماعات 'السكين هايد'، وكانت الحجة التي ترفعها هذه الأقلية المناوئة للوجود الإسلامي في أسبانيا أنهم لا يفضِّلون إقامة علاقة مع الأجانب وخاصة المسلمين منهم، حتى لا تمتزج الدماء العربية والإسلامية بدمائهم الأسبانية المسيحية الخالصة، وحتى لا يتكرر مسلسل أو سيناريو فتح الأندلس على أيدي أحفاد طارق بن زياد وموسى بن نصير، ويعتقدون أن على الأقليات الإسلامية أن تتكيف مع العادات والقيم النصرانية الأسبانية المتوارثة منذ قرون.
وقد عملت الحكومة الأسبانية على التقليل من هذه الحوادث 'المتفرقة'، وحاولت طمأنة الجالية الإسلامية ببعض المبادرات الميدانية التي تخدم الهدوء والسكينة، فعقدت وزارة الداخلية اجتماعات مع المؤسسات الإسلامية لتفادي آثار هذه الحوادث، والعمل سويًا للحفاظ على التماسك الاجتماعي بين جميع أبناء هذا الوطن، وقد أخذت هذه الحوادث حيزًا مهمًا في الإعلام الأسباني، الذي غالبًا ما يندد بهذه التجاوزات.
و هكذا يعيش الكثير من أفراد الجالية المسلمة في ظروف غير طبيعية بسبب افتقار الكثير منهم لوثائق الإقامة القانونية في البلاد، وخوف صليبي أسبانيا من وجودهم مما يشعرهم بعدم الأمان والاستقرار.
وقد سجلت التقارير الصحفية اعتمادًا على إحصاءات الشرطة والهيئات الاجتماعية البلدية أن نسبة الإجرام في الوسط الإسلامي المهاجر في تصاعد خطير، وأن السجون والإحداثيات الأسبانية بدأت تسجل مستويات عالية من المتورطين في قضايا الإجرام، وخاصة تجارة المخدرات واستهلاكها، والسرقات الموصوفة، وتكوين جمعيات الأشرار، إضافة إلى تزوير الوثائق والجوازات وتصاريح الدخول والتأشيرات، وتفكيك الخلايا المتورطة في قضايا ما يسمى بمكافحة الإرهاب، هذا بحسب زعمهم والله أعلم.
وحسب آخر التقارير الذي أصدرته لجنة الشئون الدينية بوزارة العدل الأسبانية عام 2004م، فإن عدد المسلمين في أسبانيا يتراوح بين 600 ألف إلى قرابة المليون شخص, يقبع منهم خلف القضبان الأسبانية نحو 8 آلاف سجين، يشكلون أكثر من 70% من المجموع العام للسجناء الأجانب في أسبانيا بحسب الإحصاءات الرسمية، وهم من نعنى بالحديث عن أحوالهم في موضوعنا اليوم.
وقد انتقدت 'المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان' إسبانيا لعدم إجراء تحقيقات وافية على وجه السرعة في شكاوى التعذيب وسوء المعاملة، حيث كان هناك عدد كبير من ادعاءات التعذيب وسوء المعاملة في أقسام الشرطة وكذلك في المعتقلات، والتي يعود كثير منها لأسباب عنصرية، وترددت أنباء عن زيادة ملحوظة في سوء المعاملة ووقوع هجمات لأسباب عنصرية في حق الأقليات ومنها المسلمة، وتعرض الكثير من المسلمين للإيذاء بوصفهم 'إرهابيين'.
وشهد عدد المسلمين في السجون الأسبانية ارتفاعًا كبيرًا خلال العقد الماضي، وغالبيتهم من المهاجرين غير الشرعيين، الذين اعتقلوا بالإضافة إلى عشرات المسلمين الذين اعتقلوا عقب تفجيرات قطارات مدريد في مارس 2004م، والتي اتهمت السلطات خلية تابعة 'للقاعدة' بتدبيرها.
وقد أفادت التقارير الواردة في هذا الشأن أنه على مدار العام أُلقي القبض على أكثر من 100 مسلم، فيما يتصل بعديد من التحقيقات القضائية في التفجيرات، وما زُعم عن الإعداد لجرائم أخرى.
وقد وردت أنباء عن حدوث وفيات ناجمة عن العنف وأعمال تعذيب وإساءة معاملة في عديد من السجون، التي يعاني كثير منها من الاكتظاظ الشديد وخاصة بين المسلمين، فقد تصل نسبة الاكتظاظ في هذه السجون إلى نحو 200%، وأُجريت تحقيقات قضائية في عدة شكاوى بخصوص ضلوع موظفين بالسجون في ارتكاب أعمال وحشية ضد السجناء، وقد تعرض أكثر من 70 سجينًا بإقليم قطالونيا ذو الغالبية المسلمة لمعاملة سيئة على أيدي الحراس.
وورد أن اثنين من الضباط ضربا مواطنا مغربيًا إلى أن فقد الوعي، ثم ضربه الطبيب ثانية وقال ممثل الادعاء: إن هذا المواطن تعرض للتبول عليه ووُجهت إليه شتائم عنصرية ووُصف بأنه 'إرهابي'.
و أثبتت المحكمة الإقليمية في غيرونا أن مواطنًا مغربيًا أيضا يدعى 'إدريس الزريدي' قد تعرض 'بلا أدنى شك' للتعذيب ولإيذاء عنصري في مركز شرطة روسيس بقطالونيا, ولكن ما يدعو للعجب أن المحكمة برأت 14 من ضباط شرطة قطالونيا لأنها لم تستطع تحديد هوية الضباط الضالعين في الأمر، كما قررت أن التعذيب الذي وقع عليه كان على الأرجح تعذيبًا 'خفيف الشدة'، اتخذ شكل الدفع والهز بعنف بعد ساعات من إصابة إدريس بكسور في الضلوع، وأفادت الأنباء بأن وزير الداخلية في قطالونيا أبدى دهشته من الحكم، وطلب من المحكمة العليا إعادة النظر فيه.
وقدم 'مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالتعذيب' تقريرًا عن زيارة قام بها لأسبانيا في عام 2003م لدراسة ضمانات حماية المعتقلين في سياق إجراءات 'مكافحة الإرهاب', ومن التفاصيل الواقعية الدقيقة التي حصل عليها بخصوص عدد من الادعاءات أوصى بأنه يجب على الحكومة وضع خطة شاملة لمنع التعذيب والتصدي له، ووضع حد لممارسة الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي, وظلت الحكومة السابقة التي أنكرت بقوة ما خلُص إليه التقرير ترفض وضع ضمانات للمحتجزين بمعزل عن العالم الخارجي حتى وقت قريب.