وللإسلام علاج هام لهذه المشكلة فقد حرم قتل الإنسان لنفسه وجعل ذلك كبيرة ربما تكون مساوية للكفر، وأن من يقدم عليها فإنه يختم حياته بالكفر، وبالتالي استحق العذاب الأليم. والمسلم الذي يتوضأ في اليوم خمس مرات ويصلي خمس مرات على الأقل ويسمع الوعظ الديني يحسن إدراكه لفلسفة الوجود ودوره في هذا الكون وأنه مخلوق لرسالة معينة وهي عبادة الله وأنه يجب أن يسلم بقضاء الله ويتأقلم معه، ويستغفر الله ويطلب عفوه، ويندم على ذنوبه، وهنا يكون لديه الأمل المتواصل في عفو الله .. وبالتالي لن يقدم على الانتحار لأنه أكبر الكبائر والمسلم لا يرضى لنفسه أن يموت عل الكفر وأن يعير أبناؤه بعد ذلك بأبيهم الذي مات منتحرًا، ومن فضل الله أن نسبة الانتحار في الدول الإسلامية أقل ما يمكن وذلك بفعل العقيدة الإسلامية التي يؤمن بها المسلم.
الغرب أهمل التربية الدينية فكثرت فيه الأمراض النفسية
أما د. سعيدة أبو سوسو رئيس قسم علم النفس بكلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر فتقول إن القلق والاكتئاب والتوتر من سمات العصر الحديث .. والنساء أكثر تأثرًا بهذه الأمراض حسب ما تؤكده الإحصاءات .. لأن المرأة عاطفتها عالية وقدرتها الانفعالية عالية إلى جانب أنها ضعيفة بتكوينها الفطري، ومن ثم فهي أكثر تأثرًا بالظروف المحيطة بها .. ولكننا يجب أن ندرك أن التمسك بالقيم الدينية على مستوى الأفراد والجماعات هو الوسيلة الوحيدة والحل للإشباع الروحي والنفسي .. ويجب أن ندعم ذلك حتى لا تقع مجتمعاتنا فيما وقعت فيه الحضارة الغربية، حيث انساقت في تيار التقدم والرفاهية لإشباع الرغبات الحسية وأغفلت التربية الخلقية والدينية، وبالتالي فهي تعاني من انتشار الفساد الأخلاقي وانفراط عقد الأسرة، وانهيار الروابط الأسرية، وكان من نتائج ذلك زيادة نسبة الانتحار والأمراض النفسية وعقوق الوالدين ووضعهم في دور المسنين وإبعادهم عن الجو الأسري والعلاقات الأسرية، كما ظهرت لديهم العديد من الأمراض الخلقية والاجتماعية.
ولوقاية الأسرة من الانهيار يجب أن يكون هناك أرضية صلبة من الأخلاق والدين لأن هذا هو السبيل الوحيد حتى يشعر الناس بالسعادة والرضا والقناعة والإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره، وهذا بدوره يؤدي إلى التخفيف من التوتر والقلق والخوف، فالاعتماد على الله يشعر الإنسان بالأمان وعدم الاضطراب والخوف.
وللقيم الدينية دور في تنمية ضمائر البشر والارتقاء بمستواهم الأخلاقي والسلوكي. واتباع المنهج القرآني والسنة النبوية يقضي على أي قلق أو مرض نفسي، لأن الإسلام دين الفطرة والالتزام به يشفي النفس من كل الأمراض، إن الإسلام علاج ناجح وفعال لأمراض الترف والرفاهية من خلال زكاة المال والتكافل لأن ذلك يريح النفس ويدخل البركة في الحياة.
الذنوب والمعاصي من أهم أسباب الاضطراب النفسي
أما د. حامد زهران أستاذ الصحة النفسية بجامعة عين شمس فيقول: إن أهم أسباب الاضطراب النفسي من المنظور الإسلامي ارتكاب الذنوب والآثام .. فالذي يرتكب ذنبًا يكون مضطربًا قلقًا متوترًا يؤنب نفسه ويحاكم نفسه .. ومعظم حالات الاكتئاب تأتي حينما يفيق الإنسان بعد ارتكاب الذنب فهو يحاكم نفسه وقد يسجن نفسه بالانطواء داخلها وقد يصدر على نفسه حكمًا بالإعدام وينفذه .. ومن أهم أسباب الاضطراب النفسي أيضًا الضلال .. فالصراع بين الخير والشر أمر مستمر داخل الإنسان، وهناك النفس اللوامة وهي منتهى الضمير واليقظة، وهناك النفس الأمارة بالسوء وهي موجودة في الإنسان الذي تتحكم فيه غرائزه فيكون مثل الحيوان أو الشيطان .. وانغماس الإنسان في الضلال يزيد من أعبائه النفسية .. وكذلك من أسباب الاضطراب النفسي ضعف الضمير وما نراه في مجتمعنا من حولنا يؤكد ذلك .. ولذلك فحينما يأتينا مريض إلى العيادة النفسية فلابد أن نتأكد من أن التدين بكل متطلباته قد أسس الشخصية التي أمامي من حيث عبادة الله والإخلاص لله والبعد عن الحرام والاستقامة وإصلاح النفس ومعارضة هواها والصدق والتواضع ومعاشرة الأخيار والكلام الحسن وحسن الظن بالله -الخ.
ولنطمئن أولًا إلى أن هذه الأمور مترجمة سلوكيًا وليست محفوظة فقط .. وأول شيء في معالجة المريض النفسي هو دعوته إلى التوبة والإقرار بالذنب والندم عليه .. فهناك من يقول إنني ارتكبت ذنوبًا لا يمكن أن يغفرها الله لي .. ولهؤلاء نقول إن من الأنبياء من أذنب وتاب مثل موسى وآدم، ونقول لهؤلاء القانطين إن الله يقول [إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين] .. كما يقول [هو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات] والرسول الكريم يقول [كل ابن آدم خطاء وخير الخطاءين التوابون] .. وعلى المعالج النفسي أن يعلّم المريض كيف يدرك نفسه على حقيقتها فلا يضللها ولا يضحك عليها.
فحينما يفعل الصواب يعلم أنه على صواب وحينما يفعل الخطأ يعلم أنه على الخطأ فيرى طريقه واضحًا .. وبعد ذلك على المريض الدعاء فهو سلاحه لأن الله يقول [وقال ربكم ادعوني استجب لكم] .. وبعد الاستغفار عليه بذكر الله فبذكر الله تطمئن القلوب الحيرى حيث يقول الله تعالى [إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون] ومع ذلك كله لابد من الصبر .. وصدق الله القائل [وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون] .
علم النفس علم إسلامي خالص
أما د. محمد عثمان نجاتي أستاذ علم النفس فيقول: إنه من المعلوم الواضح أن المسلمين هم الذين أسسوا علم النفس ووضعوا أصوله وقواعده ومناهجه لأن هذه الأصول والقواعد والمناهج موجودة في القرآن الكريم والسنة النبوية .. والأعلام المسلمون العظام مثل الغزالي وابن القيم والماوردي وغيرهم لهم إسهامات في مجال السلوك والتربية .. لأن الالتزام على المنهج الإلهي في أمور الاعتقاد والعبادة والسلوك والمعاملات كفيل بأن يغسل الإنسان من أدرانه ومشاكله ويبعده تمامًا عن الهواجس والظنون والاكتئاب والقلق -الخ.
فوضوح الرؤية الاعتقادية، وهي تعني تصور الإنسان عن نفسه وعن خالقه وعن الكون الذي يعيش فيه وعلاقته بالله وبالكون وبالبشر الآخرين، كل هذه الأمور إذا صيغت صياغة غير إسلامية صحيحة فإنها تورث الأرق الفكري والاضطراب وعدم الاطمئنان والضلال، وهذا يؤدي بدوره إلى المرض النفسي.
لذلك وجدنا أن الفلاسفة الذين تحدثوا في هذه الأمور بضلال وبعيدًا عن المنهج الرباني كانوا يعانون من مشاكل نفسية، أما المسلم فإنه إذا فهم عقيدته فهمًا سليمًا ترتاح نفسه ويستقر فؤاده .. كذلك إذا قام بالعبادات التي يأمر بها الشرع يطمئن قلبه بالصلاة والصيام والزكاة والحج والصدقات، فيشعر أنه مصدر خير للآخرين وسعادة لهم فيسعد بذلك ويتمنى أن يطول عمره ليحسن عمله لا أن ينتحر مثلما يفعل غير المسلمين.
والإسلام يأمر المسلم بأن يصفح ويتسامح ويعفو فتصفو نفسه ولا يحمل الغل والضغينة للناس ، والإسلام يأمر المسلم بالتوكل على الله وتفويض الأمر إليه والتوكل عليه وأنه هو الرازق فيطمئن على رزقه وعلى مصيره وأن الله لا ينام بل يرعاه وينصره .. فتستقر نفسه وتهدأ .. وبهذا يعتبر الإيمان غسلًا للنفس من كل أمراضها.
العلاج النفسي عند المسلمين