فهرس الكتاب

الصفحة 1363 من 1942

د. محمد عبد العليم سالم أستاذ الطب النفسي يقول: إن التاريخ يشهد أن الأطباء والمفكرين المسلمين كانوا أول من استحدث مفهوم الأمراض العقلية وأبعدوها عن معتقدات الأرواح الشريرة وتناولوها بالعلاج الإنساني بينما كان العالم الأوربي المسيحي لا يزال يحرق المسحورين وينبذ المجانين. لكن المؤسف أنه في القرون الأخيرة أهمل المسلمون هذا المجال واتجهوا للتقليد الأعمى لمفاهيم الغرب بنظرياته المنبثقة أساسا من الثقافة المسيحية اليهودية والقائمة حديثا على بيئة لا دينية.

إن العلماء المسلمين ناقشوا في ضوء القرآن والحديث النبوي أسباب نشوء وتكوين الأمراض العقلية والصحة النفسية وجذور المشاكل العاطفية، في محاولة لإثبات أن تعاليم الله سبحانه وتعالي وقيم الإسلام لو انتهجت بروح صادقة، فإنها المصدر الصحيح للراحة من كافة الأمراض والعلل النفسية والعقلية كبيرة كانت أو صغيرة، فمجتمع قائم على تعاليم الإسلام مجتمع آمن خال من الشعور بالذنب وعدم الاستقرار العاطفي.

وباستعراض تاريخ الأمراض العقلية نجد أن الحضارات القديمة وهي المصرية واليونانية والرومانية والفارسية والهندية والصينية كانت تسيطر عليها النظريات التي تقوم على معتقدات الجن والشياطين، أما الفترة الواقعة بين هذه الحضارات القديمة و حتى عصر النهضة الأوربية فإنها تمثل هوة وفراغا عرف بالعصور المظلمة.

ولكن العلماء والأطباء المسلمين في ذلك الوقت كانوا متحررين من أي معتقدات ونظريات عن الأرواح الشريرة كتلك التي كانت تسود العالم المسيحي. ولهذا فلقد نجح هؤلاء المسلمون في الوصول بطريقة مباشرة وبملاحظات إكلينيكية إلى الإمراض النفسية والعقلية. لقد كان في مقدورهم كتابة التقرير وتقرير الملاحظات الموضوعية على الأعراض، وبهذا كانوا أول من توصل إلى التشخيص الموضوعي بلا تحيز. وبهذا فقد قدم الأطباء المسلمون الرعاية والعلاج للمرضى النفسيين بطريقة إنسانية مخالفة تمامًا لم كان يجري في الغرب.

إن المستشفيات والعيادات المعالجة للأمراض العقلية في العالم الغربي الآن مملوءة بمرضي مشاكلهم نتاج لمجتمع مريض ينتشر فيه التحلل الاجتماعي والمعنوي والديني، وتتفكك فيه أواصر الحياة الأسرية، مما ترك الفرد غربيا مهمومًا، بينما نجد الإسلام يشعر الفرد بهويته الإسلامية واضحة وصريحة، وبإحساسه بذاته كإنسان وليس عددا أم كمًا زائدًا، فالمجتمع الإسلامي يوفر الوقاية والعلاج للأمراض الاجتماعية، فالإسلام مصدر للصحة النفسية والعقلية وليس مصدرًا للأمراض العقلية والنفسية.

تصحيح الأفكار والعقائد

يقول الداعية الإسلامي الشيخ عطية صقر: إن غالب الأمراض النفسيّة يأتي من أفكار تتأثر بها أعصاب الإنسان وتتغيّر بها نظرته إلى الحياة، ويضطرب سلوكه بالتالي بوجه عام، وعلاج أي مرض يكون بعلاج أسبابه، وذلك بتصحيح الأفكار والعقائد، وقد صحّ في الحديث المتّفق عليه: [ألا وإنّ في الجَسد مُضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسَدتْ فسد الجَسد كلُّه، ألا وهى القلب] .

فالقلب مستقر العقائد ومبعث الوجدان، والدين بعقائده وعباداته وأخلاقِه علاج لكل الأمراض العقليّة والنفسيّة بل والأمراض الجسدية، فهو يُزيل الشكَّ ويثبِّت اليقين، والتفقه فيه وممارسة مبادئه بصدق يمنع العُقَد النفسيّة، ويشفيها ويعالجها كما قال تعالى: [ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنَ مَا هُوَ شِفاءٌ ورَحْمةٌ لِلْمُؤمِنينَ] [سورة الإسراء: 82] وقال: [ يا أيُّهَا النّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وشِفاءٌ لِمَا فِي الصُّدورِ] [سورة يونس: 57] .

والعِبادات وقراءة القرآن وذكر الله والدعاء من أنفع أنواع العلاج للأمراض النفسيّة إن لم تكن أنفعها على الإطلاق، فهي دواء الله العليم بأحوال النفوس، والرسول صلّى الله عليه وسلم كان إذا حزّبه ـ أو حزنه ـ أمر فزع إلى الصلاة. وهو القائل [وجُعلت قرّة عَيني في الصلاة] .

وقد ورد في السنة النبويّة أدعية لتفريج الهَمِّ والكرب وإزالة الخوف والقلق وغيره من أمراض النفوس، مذكور كثير منها في كتاب' زاد المعاد 'لابن القيم، وكتاب' الأذكار للنووي'.

وكل ذلك مع الإيمان بأن الله حكيم في قوله وفعله، وأن قضاءه نافذ لا رادّ له والواجب هو الرّضا والصبر، وفي ذلك راحة نفسيّة وانتظار للفرج وتكفير للسيئات أو رفع للدرجات: [يا أيُّها الذِينَ آمَنوا استَعِينُوا بالصَّبْرِ والصّلاةِ إنّ اللهَ مَعَ الصّابِرينَ] [سورة البقرة: 153] [وبَشِّرِ الصّابِرِينَ الذِينَ إذَا أَصَابَتْهُمْ مُصيبَةٌ قَالُوا إنّا للهِ وإنّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمةٌ وأُولئِكَ هُمُ المُهْتدونَ] [سورة البقرة: 155 ـ 157] .

الإيمان بالله ودوره في تقوية النفس

وتقول د. ليلى أحمد إن العلماء يعرفون الصحة النفسية بأنها: 'القدرة على مواجهة الأزمات النفسية العادية التي تطرأ على الإنسان، ويرافقها الإحساس الإيجابي بالسعادة والكفاية، ويكون ذلك عادة بإشباع أكبر قدر من حاجاته الأساسية للأمن والحب وإثبات الذات والإنجاز والنجاح'. وأهم عرضين طارئين على الصحة النفسية هما القلق والاكتئاب؛ فالقلق هو الشعور بالخوف من شر متوقع وعدم القدرة على دفعه، أما الاكتئاب فهو الشعور بعدم الاهتمام أو بالقيمة الشخصية وقيمة الأشياء وافتقاد السرور، وفي حالات شديدة منه يترافق باليأس، وقد يؤدي إلى الانتحار.

وتحقيق التوازن بين الجانبين الروحي والمادي في التصور الإسلامي يُكسب الإنسان الشخصية السوية التي هي أساس الصحة النفسية.

ويعتمد الأسلوب التربوي في الإسلام على ثلاثة أمور هي: هو تقوية الجانب الروحي في الإنسان عن طريق الإيمان بالله وتقواه، ثم أداء العبادات المختلفة لتعزيز الجانب الروحي والصفاء النفسي، وأخيرًا السيطرة على الدوافع الغريزية في الإنسان والتحكم في أهواء النفس التي تؤدي إلى المعاصي.

فالإيمان بالله فإنه يقي من حدوث الاضطرابات النفسية؛ فالإنسان يتعرض لضغوط مختلفة تسبب له الإجهاد والقلق، وإذا زاد القلق عن حده الطبيعي فإنه يؤدي إلى حالات نفسية مرضية. إن المؤمن ضعيف بنفسه قوي بربه سبحانه، وعندما يلجأ إليه ليستمد منه القوة فإنه يحول نقاط الضغط هذه لصالحه. كذلك فإن ما يفرضه هذا الإيمان على العبد من شعور بالعبودية للرب الخالق الرازق المعطي المانع الضار النافع الرحمن الرحيم العزيز الحكيم يجعل الإنسان في منأى من الخوف أو القلق، والمؤمن لا يخاف فوات رزقه، ولا يخاف غير الله. وبالإيمان بالقضاء والقدر يرتفع الإنسان فوق مخاوفه وهمومه أكثر فأكثر، وبالإيمان بالقضاء يتحقق التوكل على الله والتفويض إليه بعد الأخذ بالأسباب والاعتراف بأن ناصية الإنسان في يد الله يصرّفه كيف يشاء، وأنه ماض فيه حكمه، عدل فيه قضاؤه.

ثم إن الرضا بقضاء الله سبحانه وتعالى يسكب في النفس يقينا وسكينة وطمأنينة؛ فلا يبالغ المؤمن في حزنه ولا في فرحه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت