كل هذا يدل على أن التعامل مع الحضارة الإسلامية كان تعاملا أكثر إنسانية وحضارة وانفتاحا مما نراه اليوم من كل ما هو غريب خشية تغيير النمط الأوروبي، لكن هذا التاريخ القديم شهد تجديدا في ستينيات القرن الماضي عندما أتت مجموعات كبيرة من المسلمين للعمل في ألمانيا.
وبشكل أكثر توضيحا فان الإسلام دخل ألمانيا الاتحادية والنمسا والجزء الألماني السويسري منذ مئات السنين، وكان ذلك عند وصول الفاتحين المسلمين الأتراك إلى مشارف في، ويرجع سبب وجود الجاليات الإسلامية في ألمانيا بهذا العدد الكبير إلى حركة الاعمار التي قام بها الألمان بعد الحرب العالمية الثانية وهزيمتها.
وبقدوم العمال وزيادة أعداد الطلبة الدارسين وللعوامل الأخرى بدأ الوجود الملحوظ والمكثف للمسلمين في ألمانيا، وكان هذا الوضع كفيلا بأن يدفع المسلمين لإقامة اتحاد إسلامي يضم الجميع، حيث تم تكوين أول اتحاد إسلامي في أوائل الخمسينيات، كما أقاموا بعض المساجد الصغيرة لتأدية الصلاة فيها، وبمرور الوقت زاد عدد الجاليات بشكل كبير.
وهنا تنبه أعضاء الاتحاد الإسلامي لضرورة الاهتمام بالأجيال القادمة حتى لا يذوبون في المجتمعات الأوربية، فتم إنشاء بعض المراكز الثقافية والمدارس، وبدأ التنسيق بين الهيئات والمؤسسات المختلفة، التي يطلق عليها حاليا المجلس الإسلامي، وكذلك بعض المؤسسات التنسيقية بهدف تنسيق جهود الهيئات الإسلامية للحصول على حقوقهم المشروعة كالسماح بتعليم مبادئ الإسلام لأبناء المسلمين في المدارس الألمانية، وتكوين المراكز الإسلامية، وان ترعى هذه المراكز شئون الجاليات، خاصة من ناحية الأحوال الشخصية بشكل رسمي، والحصول على اعتراف رسمي بالإسلام في ألمانيا أسوة بالمسيحية واليهودية.
وعلى الرغم من عدم وجود إحصاءات شاملة عن الانتماءات الدينية بوجه عام في ألمانيا إلا أنه استنادا على التقديرات المختلفة يتراوح عدد المسلمين ما بين 3 إلى 3.2 مليون مسلم منهم حوالي نصف مليون مواطن من المواطنين الألمان الذين اعتنقوا الإسلام, أما بقية المسلمين فغالبيتهم العظمى من أصول تركية ويشكلون السواد الأعظم للجالية المسلمة في ألمانيا , أما البقية الأخرى فينحدرون من أصول عربية , بالإضافة إلى مسلمي البلقان وشبه القارة الهندية.
وبوجه عام يصعب القول إن المسلمين في ألمانيا يتعرضون لتفرقة أو اضطهاد منهجي , فالقانون الأساسي الألماني' الدستور' يكفل حرية العبادة ويحمى هذا الحق ولكن هذا لا يمنع من وجود ' مضايقات' كثيرة تواجه المجتمع المسلم في ألمانيا, كثير منها نابع من عدم قدرة المسلمين على الاندماج الثقافي والاجتماعي في المجتمع الذي يعيشون فيه.
وهذه أحد القضايا الأساسية المطروحة على بساط النقاش في ألمانيا منذ عدة سنوات مضت وحتى قبل وقوع أحداث 11 سبتمبر التي تعتبر متغيرا رئيسيا في النظرة إلى المسلمين.
والإسلام في ألمانيا معظمه يميل إلى الطابع التركي نتيجة لاستقدام الشركات والمؤسسات في حقبة الازدهار الاقتصادي أو كما يسمى 'المعجزة الألمانية' في نهاية ستينات وسبعينات القرن الماضي للآلاف من الأتراك ليقوموا بالأعمال الدنيا التي لم تلق إقبالا من المواطنين الأملان أو لم تكن تليق بالوضع الاقتصادي المزدهر الذي نعموا به في تلك الفترة ثم سمحت السلطات الألمانية بعد ذلك بتوحيد أسر هؤلاء العاملين الأمر الذي أدى إلى زيادة أعدادهم.
وفى بداية قدوم المسلمين إلى ألمانيا لم يمثل القادمون الجدد من المسلمين للمجتمع الألماني الذي لم يلتفت أو لم يعنه وجودهم في الأساس ونظر إليهم على أساس أنهم ' ضيوف' مؤقتين سرعان ما سوف يغادرون البلاد لكون ألمانيا في تلك الفترة لم تكن مجتمع هجرة .
كما أن تكيف الأجانب من المسلمين على العيش في ألمانيا لم يكن بالأمر اليسير ولذلك يمكن القول إن ألمانيا في تلك الفترة كانت مجتمعا مغلقا إلى حد ما ولم تكن فكرة الوحدة الأوروبية تبلورت بصورتها الحالية مما سهل انتقال الأفراد بين المجتمعات لالأوروربية فضلا عن أن أفكار العولمة بكل تداعياتها المختلفة لم تكن قائمة.
المهاجرون المسلمون الأوائل عاشوا على هامش المجتمع الألماني , وحسب الشواهد , لم يكونوا يوما جزءا منه ولذلك لم تعبأ بهم الدولة أو المواطنون ونظرا لثقافتهم المختلفة والمتعارضة في كثير من الأحيان مع الثقافة الألمانية فضلا عن عدم إلمام الكثيرين منهم باللغة الألمانية وهوة ما جعلهم يعيشون في مجتمعات خاصة بهم ' جيتو' أو كما بات يقال يطلق عليهم فيما بعد ' المجتمعات الموازية'.
وبعد سنوات من الهجرة والاستقرار ووجود جيل ثان من هؤلاء المهاجرين بدأ الصدام مع المجتمع الألماني الذي بدأ يفيق هو الأخر على حقيقة أن هناك مجتمعات أخرى تنمو على هامش المجتمع الأساسي, وتختلف عنه في كثير من السلوكيات مختلفة مشاكل كثيرة يتعين مواجهتها منها الزواج القسرى وجرائم الشرف وبناء دور العبادة بمخالفة للقوانين القائمة والذبح على الطريقة الإسلامية وخاصة ذبح الخراف في عيد الأضحى .
هذه المشاكل امتدت لتطال المدارس العامة من عدم اختلاط الطالبات المسلمات مع نظرائهن الألمان وعدم المشاركة في الأنشطة الاجتماعية والرياضية وزاد من عزلة المسلمين انتشار الفضائيات منذ بداية حقبة السبعينات في القرن الماضي , فزادت من ثقافة ' الجيتو' لأنها نقلت المجتمعات الأصلية إلى المهاجرين المسلمين في ألمانيا باللغة الأم والثقافة القومية فزادت من الهوة الموجودة بالفعل بين المهاجرين ومجتمعهم الحالي.
ويجمع المسلمون في ألمانيا على أن أحداث 11 سبتمبر كمتغير هام في النظرة إلى المسلمين انعكس على المناخ الاجتماعي الذي يعيش فيه المسلمون في ألمانيا وزاد ه تدهورا.
وكنتيجة لتصاعد الحرب على ما يسمى بالإرهاب والتركيز على التهديد القادم من التطرف الديني كما يصفه الغرب فقد زادت النزعة العنصرية والتفرقة ضد المسلمين الذين شعروا بالعداء وأنهم ليسوا أهلا للثقة وتلاحقهم وصمة عار بسبب عقيدتهم فان بعض وسائل الإعلام الألمانية ساهمت في إذكاء هذه النزعة .
وعلى الرغم من بعض المحاولات الايجابية في أعقاب 11 سبتمبر استهدفت مد جسور حكومية إلا أن هذا لم يستطع وقف تنامي مناخ العداء للمسلمين ونظرة الارتياب تجاههم خاصة وأن قضية الخلط بين الإسلام والإرهاب جرى التعامل معها وكأنها أحد المسلمات وانعكس ذلك في تعمق شعور المسلمين بالعزلة بأنهم محاصرون أو في أفضل الأحوال مراقبون .
ولذلك سجلت كثير من منظمات حقوق الإنسان وقوع عدة حالات مثلت مضايقات للمسلمين شملت إهانات لفظية والتهديد بالقتل في بعض الأحيان وهجمات ضد المؤسسات الإسلامية إلا أنه مع ذلك فان الأمر لم يتحول إلى ظاهرة حيث اقتصرت المضايقات على حالات حصرية وفى ظروف بعينها ومع ذلك لا يزال المناخ غير مريح .
تحديات بالجملة