ـ والمنهج الإسلامي قائم على أن وجود الرجل المناسب في المكان المناسب هو واجب شرعي وضامنًا لسلامة العمل وحسن الأداء، والإسلام يربي الفرد على الإحسان والإتقان، ولا يسود الأمر إلا لأهله، كما فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع أبي ذر عندما طلب منه أن يوليه فقال له: [[إنك ضعيف وإنها أمانة، وأنها يوم القيامة حسرة ندامة] ].
ـ ولقد ألزم الإسلام ولاة الأمور باختيار الأصلح لشغل الوظيفة العامة، فالقواعد الأساسية في النظام الإسلامي ترتكز على أن الصلاحية أساس الاختيار، وعملية الاختيار في النظام الإسلامي لها ضوابط محكمة، إذ إنها تعتمد على تحديد مهام الوظيفة بكل دقة وتفصيل، ثم اختيار المتنافسين، ومن ثم يمكن القول بأن الإسلام كان له فضل السبق على الإدارة المعاصرة في وضع الضوابط لاختيار العاملين لشغل الوظائف العامة، فقد حرص الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والخلفاء الراشدون من بعده على ألا يكلف شخص غير كفء بعمل عام وهناك من هو أكفأ منه.
ـ وهكذا عرفت الوظيفة العامة في الإسلام بأنها خدمة عامة تستهدف إشباع حاجات المواطنين، ولم تكن الوظيفة في الإسلام لمن يسألها، بل كانت لمن يستحقها وتتوافر في الكفاية.
ـ وكان الاختبار قبل الاختيار مبدأ أساسيًا في الإسلام، فلا يشغل فرد وظيفة عامة قبل أن تثبت باختبار صلاحيته، وكان لابد من توافر شروط معينة فيمن يتولى الوظائف العامة، ومن أهمها القوة والأمانة والكفاية، والمقصود بالكفاية أن يكون من تم اختياره لشغل الوظيفة العامة هو الأصلح والأكفأ.
ـ وكان تقدير الأجر على أساس عادل وهو 'الأجر على قدر العمل' وهو الأساس الذي تنادي به الإدارة الحديثة وتقف عاجزة عن تطبيقه. وقد اهتم الإسلام بالحوافز والروادع، بل إن الإسلام كان يقرن دائمًا الروادع بالحوافز.
ـ وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقوم بتدريب من يستعملهم على مصالح المسلمين، ويزودهم بالنصائح والإرشادات، ولم يفت الخلفاء الراشدين ـ رضوان الله عليهم ـ ما للتدريب من أهمية بالغة في تنمية المعارف والقدرة على تفهم الأعمال فأولوه الكثير من اهتمامهم فكانت المدينة، المنورة على عهد عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أشبه بالجامعة التي تخرج فيها القادة والولاة والأفراد.
فلم يكن عمر رضي الله عنه يبعث أحدًا إلى الأمصار إلا بعد أن يكون قد اختبره بالتدريب والمناقشة، حتى أنه كان قلما يخطئ اختيار عماله كل في المكان الذي يصلح له.
والخلاصة:
أن التربية الإسلامية القائمة على إصلاح النفس والضمير والارتباط بمراقبة الله في السر والعلن، والنظر إلى الإنسان على أنه مستخلف في الأرض لعمارتها وأن الله كرمه وأسجد له الملائكة، ومبدأ المساواة في الحقوق والواجبات والعدالة الاجتماعية القائمة على مبدأ العدل الرباني تنشئ نظامًا إسلاميًا رائعًا فاق في ميادين الحضارة الغربية الزائفة ومبدأ الإدارة في الإسلام أقوى بكثير من مبادئ الحضارة الغربية التي لا زالت تتلمس الطريق لعلها تجد من يرشدها إليه.
انظروا عمَّن تأخذون دينكم؟!
الأحد غرة ذي الحجة 1426 هـ - 1 يناير 2006 م
خباب بن مروان الحمد
مفكرة الإسلام: الحمد لله الذي جعل في كلِّ زمان فترة من الرسل, بقايا من أهل العلم يدعون من ضلَّ إلى الهدى, ويصبرون منهم على الأذى, يحيون بكتاب الله الموتى, ويبصِّرون بنور الله أهل العمى, فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه! وكم من ضالٍ تائه قد هدوه! فما أحسن أثرهم على الناس, وأقبح أثر الناس عليهم. ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين, وانتحال المبطلين, وتأويل الجاهلين ...
أمَّا بعد:
فإنَّ لأهل العلم منزلة عالية في دين الإسلام, ودرجة رفيعة سامقة, كيف لا ... وهم الذين اجتباهم الله لحفظ دينه, ونشر كلمته, وقرنهم بشهادته فقال: [شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ] ، ونفى المساواة بين من يعلم ومن لا يعلم، فقال: [قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُون] ، وأوضح أنَّ ألصق الصفات بأهل العلم, خشيتهم لله تعالى, فقال: [إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ] ، ومن خشية العلماء لربهم أنَّهم لا يتكلمون إلا بالعلم والهدى, ويخشون ربهم من فوقهم أن يتقوَّلوا عليه بلا علم, ويوقِّعوا عنه بجهل؛ لأنَّهم وقَّافون عند حدود الله ونواهيه, إذ قال تعالى: [وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا] [الإسراء:36] .
إلاَّ أنَّه ـ وللأسف ـ قد تقحَّم بوابة العلم, وولج فيها مولجًا لا يستحقه, أناسٌ ليس لهم في العلم الشرعي كبير إنعام، حيث امتطوا صهوة العلم والتعليم, فتراموا على شاشات الفضائيات, وأوقعوا بأرجلهم على مهاد المنابر, وتكالبوا في الكتابة بالصحف والجرائد والمجلات, إمعانًا منهم لتعليم الناس ما يهمُّهم, في شئون الدين والدنيا, وقسم آخر وهم كثيرون إذا اجتمعوا في المجالس والنوادي, وطُرحت مسألة فقهية أو شرعية, وجدت المختص وغير المختص يخوض فيها, ويتمنطق متحدثًا عنها, مدَّعيًا أنَّ لديه علمها وحكمها, على حدِّ ما ذكره الشيخ: 'محمد الغزالي' ـ رحمه الله ـ: [قرأت كتابًا لأحد المهندسين يفسِّر حقيقة الصلاة تفسيرًا لم يعرفه المسلمون طوال أربعة عشر قرنًا؛ فعجبت لهذا الحُمق في خرق الإجماع, وقلت: أما يجد هذا المخترع مجالًا لذكائه في ميدان الهندسة ليتقدَّم فيه، بدلًا من أن يشغل نفسه ويشغلنا معه بهذه التوافه] [ليس من الإسلام ـ للشيخ: محمد الغزالي /56] . فترى كثيرًا ممَّن على شاكلة هذا الشخص زاعمين أنَّهم مثقفون ومطَّلعون يطلقون لأنفسهم باب الاجتهاد في التحدّث عنها بآرائهم, والغريب أنَّ ذلك يحصل في كثير من المجالس، وخصوصًا مجالس كثير من العوام أو غير المتخصصين في العلم الشرعي، ممَّن تخصصوا في العلوم التجريبيَّة أو الطبيعيَّة أو غيرها, وكانوا بعيدين بُعد المشرقين عن البحث والاطِّلاع في أصول الشريعة ومحكماتها، فتجد كثيرًا منهم 'يلتُّ ويعجن' في المسألة التي قد تكون مشكلة, ولو عُرضت على عمر ـ رضي الله عنه ـ لجمع لها أهل بدر ليتباحثوا فيها, ويعطوا الحكم الشرعي المناسب لها، المبني على الكتاب والسنّة! وإن طُرحت على أهل العلم أعطوها حقَّها من البحث والتفكير, ورحم الله زمنًا جاء فيه أنَّ الإمام مالك قال: [إني لأفكر في مسألة منذ بضع عشرة سنّة, فما اتَّفق لي فيها رأي إلى الآن] ، وقال: [ربما وردت علي المسألة فأفكر فيها ليالٍ] [ترتيب المدارك 1/ 178] .
وإنَّ العجب ليأخذني كلَّ مأخذ, حين أرى هؤلاء المتقحِّمين باب العلم حين تُعرض أية مسألة من متعلقات الشريعة فيتحدثون عنها, ولم يكلِّفوا أنفسهم البحث عن حكمها ودلائل حلِّها أو حرمتها، بل تجد المبادرة والمسارعة للإفتاء وإبداء الرأي بحجَّة أنَّها وجهة نظرهم, ولا يعني أن تكون وجهة النظر صحيحة, وكأنَّ علم الشريعة علم يُتناول على مائدة الحوار والكل يبدي رأيه متوقعًا ومخمِّنًا أنَّ ذلك هو الحكم الشرعي!