فهرس الكتاب

الصفحة 1387 من 1942

مع أنَّ هؤلاء العوام أو من يتسمَّون بالمثقفين ـ أمثال [ صاحبنا ] ـ لو أنَّ رجلًا غير متخصص في الفن الذي هو من اختصاصهم وتكلم فيه زاعمًا أنَّ رأيه صواب, وأنَّ ما يقوله لا يلزم أن يكون صحيحًا, لنظروا إليه نظر شزر, وقرَّعوه بشديد الخطاب؛ لأنَّه تكلّم فيما لا يحسنه, ومن يتكلم بما لا يحسن يأتي بالعجائب !

وَصَدَقُوا... ولكن لِمَ لا تمرَّر هذه القاعدة والمنهجية عليهم كذلك ؟ أمَّ أنَّ علم الشريعة متاح لكل أحد أن يكون مجتهدًا فيه, وغيره من العلوم لا يتحدَّث فيه إلاَّ من تخصص به وثنى ركبته في نيله عند أهله ؟!

وقد لاحظ تلك المشكلة الإمام 'ابن رجب' ـ رحمه الله ـ واشتكى منها قائلًا: [ يا لله العجب ! لو ادَّعى معرفة صناعة من صنائع الدنيا, ولم يعرفه الناس بها, ولا شاهدوا عنده آلاتها لكذَّبوه في دعواه, ولم يأمنوه على أموالهم, ولم يمكِّنوه أن يعمل فيها ما يدَّعيه من تلك الصناعة, فكيف بمن يدَّعي معرفة أمر الرسول وما شوهد قط يكتب علم الرسول, ولا يجالس أهله ولا يدارسه ! ] [ الحكم الجديرة بالإذاعة ] .

* أقوال علماء الإسلام في النهي عن التكلم بلا علم:

وقد تواترت كتابات العلماء في التحذير من التكلّم بلا علم والإفتاء بالجهل, ومنهم الإمام الشافعي فقد قال ـ رحمه الله ـ: [ فالواجب على العالمين أن لا يقولوا إلاَّ من حيث علموا, وقد تكلَّم في العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلَّم فيه منه لكان الإمساك أوْلى به وأقرب من السلامة له، إن شاء الله ] [ الرسالة /41 ] .

وقال الإمام 'ابن حزم': [ لا آفة على العلوم وأهلها أضر من الدخلاء فيها وهم من غير أهلها, فإنَّهم يجهلون ويظنُّون أنَّهم يعلمون, ويفسدون ويقدرون أنهم يصلحون ] [ مداواة النفوس /67 ]

وقال شيخ الإسلام 'ابن تيميَّة' ـ رحمه الله ـ: [ ولا يحل لأحد أن يتكلَّم في الدين بلا علم، ولا يعين من تكلَّم في الدين بلا علم, أو أدخل في الدين ما ليس منه ] [ مجموع الفتاوى 22/240 ] ، وقال كذلك: [ فمن تكلَّم بجهل وبما يخالف الأئمة؛ فإنَّه يُنهى عن ذلك ويؤدَّب على الإصرار, كما يُفعل بأمثاله من الجهال, ولا يُقتدى في خلاف الشريعة بأحد من أئمَّة الضلالة، وإن كان مشهورًا عنه العلم, كما قال بعض السلف: لا تنظر إلى عمل الفقيه، ولكن سله يصدقك ] [ مجموع الفتاوى 22/227 ] ، وقال كذلك: [ ومن تكلم في الدين بلا علم كان كاذبًا، وإن كان لا يتعمد الكذب، كما ثبت في الصحيحين عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما قالت له سبيعة الأسلمية، وقد توفي عنها زوجها سعد بن خولة في حجة الوداع فكانت حاملًا فوضعت بعد موت زوجها بليالٍ قلائل، فقال لها أبو السنابل بن بعكك: ما أنت بناكحة حتى يمضي عليك آخر الأجلين, فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: [ كذب أبو السنابل, بل حللت فانكحي ] [ مجموع الفتاوى 10/449 ] .

* من يملك حقّ التكلُّم بالعلم:

ممَّا يهمُّ المسلم المعاصر لهذا الزمن, أن تكون له بيِّنة لصفات من يُؤخذُ عنهم العلم, ومعرفة جليَّة لسمات أهله وأصحابه؛ لئلاَّ يختلط عليه الحق بالباطل, والصواب بالخطأ, وليعبد الله على بصيرة وبيِّنة، خصوصًا أنّ أحاديث صريحة أتت عن رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ في التحذير ممن يتقمصون مسوح العلم وينطقون به, ومن أئمة الضلال الذين يحكمون بالجور والجهل, ومن ذلك أنَّه ـ عليه الصلاة والسلام ـ قال: [ سيأتي على الناس سنوات خدَّاعات يُصَدَّقُ فيها الكاذب, ويُكَذَّبُ فيها الصادق, ويؤتمن فيها الخائن, ويخوَّن فيها المؤتمن, وينطق الرويبضة. قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه, يتكلم في أمر العامَّة ] أخرجه ابن ماجه [4042 ] ، وأحمد في المسند [ 2/291 ] بسند حسن, وانظر السلسلة الصحيحة للألباني [ 1887 ] ، وثبت عند أحمد من حديث أبي الدرداء أنَّ النبي ـ صلى الله عليه وسلَّم ـ قال: [ إنَّ أخوف ما أخاف عليكم الأئمة المضلون ] [ المسند 6/441 ] ، وحدَّث عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ أنَّ رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قال: [ إنَّ الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد, ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتَّى إذا لم يُبقِ عالمًا؛ اتخذ الناس رؤوسًا جهَّالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم؛ فضلُّوا وأضلُّوا ] [ أخرجه البخاري 1/174،175 في كتاب العلم, ومسلم واللفظ له 4/258 ] .

لأجل هذا يتحتَّم على مبتغي طريق الحق, ومريد طوق النجاة وسبيل الفلاح أن يعرف صفات من يأخذ عنهم العلم؛ لئلا يضيع الطريق الشرعي, ويضل السبيل, وسأذكرها في عدَّة نقاط:

*صفات من يؤخذ عنهم العلم:

1ـ خشية الله تعالى:

وهي صفة لصيقة بأهل العلم الراسخين الربَّانيين, الذين يخشون ربهم, ويراقبونه في ما دقَّ وكبر, جليلًا كان أو حقيرًَا, فخشية ربَّهم ملازمة لهم, لا يحيدون عنها ولا يتحايلون عليها, بل هم لله وبالله وعلى الله يفضون له جميع أمورهم, ويتعلقون بحبال الرجاء والخشية منه، ولهذا كان يقول جمع من أهل العلم كابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ وغيره: [ كفى بخشية الله علمًا, وكفى بالاغترار به جهلًا ] ، وحين نادى أحدهم الإمام الشعبي قائلًا له: يا عالم. فقال الشعبي: [ إنَّما العالم من يخشى الله ] ، وكان طلاب العلم لا يتلقون العلم إلاَّ عمَّن عُرف بالخشية والخشوع, فقد قال النخعي ـ رحمه الله ـ: [ كان الرجل إذا أراد أن يأخذ عن الرجل نظر في صلاته وفي حاله وفي سمته, ثمَّ يأخذ عنه ] .

2ـ تلقي العلم عن الراسخين في العلم:

وذلك لئلاَّ تكون له منهجية مبعثرة في قواعد الترجيح, ودلائل الاستنباط, وأن يكون تلقيه من أفواه العلماء وشفاههم؛ فيكون متقنًا للأحكام, ولهذا كان السلف الصالح كالإمام الشافعي يقول: [ من تفقه من بطون الكتب ضيَّع الأحكام ] [ تذكرة السامع والمتكلم /83 ] .

فلا يعقل آيات الله, ولا يفقه أحكامها ويستنبط دلائلها إلا البارعون في العلم, كما قال تعالى: [ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ ] [العنكبوت: 43] ، وكقوله تعالى: [ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُم] [النساء: 83] ؛ فأهل العلم هم أوْلى الناس باستنباط أحكام الدين وشرائعه. قال محمد بن سراقة البصري: حقيقة الفقه عندي: الاستنباط. قال تعالى: [ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُم ] [ المنثور في القواعد 1/67 ـ بواسطة: أصول الإفتاء والاجتهاد التطبيقي 1/68 لمحمد أحمد الراشد ] ؛ لهذا حثَّنا الله تعالى على سؤالهم إن أشكل علينا أمر شرعي, فقال تعالى: [ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ] [الأنبياء: 7] .

أخرج الدارمي في سننه في مقدمته: عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ [ خُذُوا الْعِلْمَ قَبْلَ أَنْ يَذْهَبَ ] قَالُوا: وَكَيْفَ يَذْهَبُ الْعِلْمُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَفِينَا كِتَابُ اللَّهِ؟ قَالَ: فَغَضِبَ ـ لَا يُغْضِبُهُ إلاَّ اللَّهُ ـ ثُمَّ قَالَ: [ ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ أَوَلَمْ تَكُنِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمْ شَيْئًا ؟! إِنَّ ذَهَابَ الْعِلْمِ أَنْ يَذْهَبَ حَمَلَتُهُ, إِنَّ ذَهَابَ الْعِلْمِ أَنْ يَذْهَبَ حَمَلَتُهُ ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت