فهرس الكتاب

الصفحة 1388 من 1942

قال الإمام الشوكاني ـ رحمه الله ـ: [ إنَّ إنصاف الرجل لا يتمُّ حتَّى يأخذ كلَّ فنٍّ عن أهله كائنًا ما كان؛ فإنَّه لو ذهب العالم الذي تأهَّل للاجتهاد يأخذ مثلًا الحديث عن أهله، ثمَّ يريد أن يأخذ ما يتعلَّق بتفسيره في اللغة عنهم؛ كان مخطئًا في أخذ المدلول اللغوي عنهم, وهكذا المعنى الإعرابي عنهم فإنَّه خطأ ] ، ثمَّ يؤكِّد الإمام الشوكاني هذه المنهجيَّة المتَّزنة بقوله: [ فالعالم إذا ظفر بالحق من أبوابه, ودخل إلى الإنصاف بأقوى أسبابه, وأمَّا إذا أخذ العلم عن غير أهله، ورجَّح ما يجده من الكلام لأهل العلم في فنون ليسوا من أهلها؛ فإنَّه يخبط ويخلط, ويأتي من الأقوال والترجيحات بما هو في أبعد درجات الإتقان وهو حقيق بذاك] ا.هـ [ أدب الطلب ومنتهى الأرب /76 ]

وكم من مدَّعٍ للعلم, متعالم مع جهل, ينظر لنفسه نظر الكبر والغرور؛ فيظنُّ أنَّ جمع العلم يكون من قراءته للكتب فحسب, فلا حاجة لأن يقرأ العلم على أهله, ولا ليثني ركبه عند أهل العلم, تلقيًا منهم ومذاكرة معهم, ومراجعة عليهم؛ ليعلو كعبه في العلم, ويعلم أنَّه [من البليَّة تشيُّخ الصحيفة] ، وقد كان أهل العلم ينهون عن نيل العلم من الكتب فحسب, بل لابد من مقارنة ذلك بالحضور عند أهل العلم, والتلقي من الأشياخ؛ ليقوى باع الطالب في العلم, ويشتد عوده في الفهم, ويصلب مراسه لمعالجة مشكلات الكتب وما يكتنفها من مسائل غامضة. قال كمال الدين الشمني:

من يأخذ العلم عن شيخ مشافهةً يكن من الزيف والتصحيف في حرمِ

ومن يكن آخذًا للعلم من صحف فعلمه عند أهل العلم كالعدم

قال الأوزاعي: كان هذا العلم شيئًا شريفًا , إذ كان من أفواه الرجال يتلاقونه ويتذاكرونه, فلما صار في الكتب ذهب نوره وصار إلى غير أهله.

وحين يتأمل المرء في بعض الكتب الصادرة, وما يجد فيها من فهم خطأ لبعض نصوص الكتاب والسنَّة, وأقوال أهل العلم؛ يتيقن بأنَّ الخطأ ليس في صياغة الشيخ في كتابه بدلالاته اللغوية, ومعانيه الكلاميَّة, وإنَّما من الفهم القاصر لقارئ الكتاب؛ ممَّا يجعله ينزلق في الفهم القاصر, كما قال ابن القيم: [ما أكثر ما ينقل الناس المذاهب الباطلة عن العلماء بالأفهام القاصرة] [مدارج السالكين2/431] . وصدق من قال:

وكم من عائب قولًا صحيحًا وآفته من الفهم السقيم

ولا عجبَ أن ترى كثيرًا من المسائل التي وقعت بها أخطاء علميَّة, أدَّت فيما بعد لأن تكون أقوالًا تنسب لبعض المنتسبين للعلم؛ لتكون خلافًا يحكى أمد الدهر, وذلك لقلَّة الفهم, وضعف العلم, ولو سكت هؤلاء القوم ولم ينطقوا لكان ذلك بهم أحرى وأوْلى من أن يتكالبوا على التدريس والتعليم, وبضاعتهم في العلم مزجاة, وممَّا يحسن إيراده في هذا المقام ما قاله كلثوم العتابي حيث قال: [لو سكت من لا يعلم لسقط الاختلاف ] معجم الأدباء [5/19] وقال أبو حامد الغزالي: [لو سكت من لا يعرف قلَّ الاختلاف, ومن قصر باعه وضاق نظره عن كلام علماء الأمَّة والاطِّلاع عليه فماله وللتكلُّم فيما لا يدريه, والدخول فيما لا يعنيه, وحق مثل هذا أن يلزم السكوت] [الحاوي للفتاوى2/116] .

ولهذا كان أهل العلم ـ رحمهم الله جميعًا ـ إذا سئلوا عن مسألة ولم يعرفوا لها جوابًا قالوا: الله أعلم, ولم يفذلكوا أو يكذلكوا, بل كانوا متَّسمين بالوضوح تجاه مستفتيهم, إن علموا حكم المسألة قالوا بها, وإن جهلوها قالوا لا نعرفها, بل كانوا لا يجزمون في فتاويهم ـ في بعض الأحيان ـ إن شعروا أنَّ المسألة قد تحتمل أوجهًا متعدِّدة, كما نقل عن الإمام مالك أنَّه في بعض الأحيان إن أفتى قال: [إن نظنُّ إلاَّ ظنًَّا وما نحن بمستيقنين] [جامع بيان العلم وفضله2/146] وممَّا نقل عن بعض أهل العلم حين كانوا لا يعرفون حكم المسألة أو يجهلونها, ما نُقِلَ عن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ أنَّه قال: [وأبردها على الكبد إذا سئل أحدكم عمَّا لا يعلم, أن يقول: الله أعلم] [تعظيم الفتيا لابن الجوزي/81] .

3ـ ألاَّ يكون من أصحاب تتبع الرخص, ومن المتساهلين في فتاويهم وتعليمهم:

والحقيقة أنَّ أصحاب تتبُّع الرخص صاروا يستمرؤون هذه الخصلة وخاصَّة في هذا الزمان, بل صاروا يأتوننا بأسماء جديدة للفقه, فطورًا يقولون: نحن من دعاة [تطوير الفقه الإسلامي] وتارة يقولون: نحن أصحاب مدرسة [فقه التيسير والوسطيَّة] وليتهم كانوا كذلك, فهناك فرق بين التيسير الذي هو سمة الفقهاء الراسخين, والتفريط الذي هو سمة المتساهلين!

بيد أنَّ التيسير والترخيص لا يؤخذ إلاَّ من رجل عالم ثبت ثقة، وأمَّا أن يؤخذ ذلك من كل أحد يدَّعي الاجتهاد والتعليم؛ فإنَّ ذلك هو المرفوض قطعًا, وبما أنَّ الربَّاني يرفض الغلو والتشديد, فهو كذلك يرفض الترخيص والتساهل من غير الثقات, لذا قال الإمام سفيان الثوري ـ رحمه الله ـ [إنَّما العلم عندنا الرخصة من ثقة فأما التَّشدد فيحسنه كلُّ أحد] [جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر 1/784] . فليفرَّق بين أصحاب مدرسة التيسير المتَّبعين لضوابط الشرع, وبين أولي التساهل والتفريط والتمييع وعلى هذا فقس، من أنصار تطويع الفتوى للواقع, وليِّ أعناقها لتواكب هذا العصر وتوازن ميوله واتجاهاته خشية أن يُنْبَزُوا بأنَّهم متشدِّدون متنطِّعون!

وصرنا نرى فتاوى يضحك الجهلاء منها, كشيخ يرى جواز كشف شعر المرأة لأنَّ هناك عالمًا كان يرى كشف شعر المرأة , ولذا فلا بأس بأن تكشف المرأة شعرها, وشيخ يفتي النساء المسلمات ويدعوهنَّ إلى التَّخلِّي عن الحجاب تلافيًا لموجة الاعتداءات على المسلمين التي شهدتها بريطانيا عقب الهجمات على لندن, وآخر يرى جوازَ بيعِ المسلمينَ للكفَّارِ الخمرَ, بدعوى الضرورة والحاجة:

أمور تضحك السفهاء منها ويبكي من عواقبها الحليم

وثالث يفتي بجواز التطبيع مع اليهود مع أنَّ إباحة ذلك قضيَّة خطيرة للغاية، وشيخ ٌيرى جواز إمامة النساء للرجال, أو يرى جواز التدخين لمن يقدر على شرائه, أو بمن يقول بجواز لبس البنطال للنساء في الشوارع بحجَّة أنَّه يستر جسدها, أو بجواز مصافحة المرأة الأجنبيَّة للرجل وتقبيله لها أو تقبيلها له, أو من شيخ يرى جواز أن يتغنَّى الفسقة المغنُّون بالقرآن ويعزفوا الوتر على آياته, وآخر ما اطَّلعت عليه ما نشر عن أحدهم بأنَّه يشكِّكُ في نزول عيسى بن مريم ـ عليه الصلاة والسلام ـ إلى الأرض في آخر الزمان , ضاربًا على الأحاديث الواردة عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ في إثبات هذه المسلَّمة العقديَّة ! وقد سمعت من ذلك عجبًا لا أحبُّ أن أزيد به القارئ ضحكًا مزجيًا بتعجُّبٍ واستغراب.

ومن الوسائل التي يحاول أدعياء تطوير الفكر الإسلامي أن يطرحوها , اتِّخاذ التلفيق الفقهي وسيلة لمعايشة ضغوط الواقع, والمقصود بالتلفيق: أن لا يلتزم المفتي أو مستنبط الحكم مذهبًا معيَّنًا في فتاواه وفي حكمه, بل يحاول أن يأخذ برخص الفقهاء, ونوادر العلماء, وتيسيرات المتقدِّمين؛ لتكون مناسبة لفقه القرن الواحد والعشرين, وهو قرن اندماج الثقافات مع الآخر الغربي/ الكافر؛ ليكون ذلك وسيلة على إظهار الإسلام بروح المعاصرة والمسايرة!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت