فهرس الكتاب

الصفحة 1389 من 1942

وقد اطَّلعت مؤخرًا على كتاب جديد كتبه: [مراد هوفمان] بعنوان: [في تطوُّر الشريعة الإسلامية] يقرِّر فيه إسلامًا يسميه [الإسلام المعتدل] إذ يرى أنَّ الشريعة الإسلامية قابلة للتطور والمرونة؛ ولذا يرى أنَّ شهادة المرأة كافية وخاصَّة في الأمور الاختصاصيَّة بل وملزمة /صـ47، ويرى أنَّ تعدد الزوجات هو استثناء لحالات خاصَّة حيث يسمح به في حالة الأمَّهات الأرامل ممَّن لديهنَّ أطفال يتامى، أو مع يتيمات, أو لهدف العناية بالأيتام /صـ41، كما يرى أنَّه لا ينبغي إقامة حدِّ الردَّة على المرتد عن الإسلام /صـ53, ويرى أنَّ الإسلام ـ كنتيجة نهائية لبحث كتبه في عشرين سطرًا ـ لم يقرَّ أبدًا رجم الزناة /صـ55، بل يرى أنَّ الحديث عن مفاهيم دار الحرب ودار الإسلام للتعبير عن العلاقة بين الشرق والغرب بأنَّها مفاهيم تجاوزها الزمن /صـ65, إلى غير ذلك من الضَّلالات التي وقعَ فيها هذا الرجل؛ ليجعل أحكام الإسلام تُؤخذُ بهذه الطريقة المنهزمة, والمُمَيَّعة! [ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ] [يونس: 59]

ولولا أن يُظنَّ بنا غلوٌّ لزدنا في المقال من استزادا

فهذا الرجل وأمثاله الذين صار لهم توسع وانتشار, من الأشكال التَّي تعرض الدين الإسلامي بطريقة تجعل النصوص الإسلاميَّة ملويَّة أعناقها لتتواءم ـ كما زعموا ـ مع معطيات الحضارة, ومتغيرات الزمن؛ وليؤسٍِّسوا فقهًا اجتهاديًَّا جديدًا يرعى مصالح الزمان, وضغوطه الدولية، والَّتي من أهمِّها أن ينظر الغرب إلى هذه العقول بأنَّها عقول مرنة ومنفتحة, وصدق من قال من علمائنا المعاصرين: إنَّ الاجتهاد لم يُفتح في هذا الزمان وإنَّما كسر كسرًا! فرحم الله من قال:

إن رُمْتَ حقًَّا لهذا الدِّين مصلحة لا تظلم القوس أعط القوس باريها

ولقد كان علماؤنا الأجلاَّء يحرِّمون استفتاء المفتي المتساهل, كما ذكر الإمام ابن مفلح قائلًا: [ يحرم تساهل المفتي, وتقليد معروف به] [التقرير3/351 بواسطة: زجر الفقهاء عن تتبع رخص الفقهاء/66] ، وكان الإمام أيوب السختياني ـ رحمه الله ـ يقول: [يخادعون الله كأنَّما يخادعون الصبيان] [أعلام الموقِّعين 4/176ـ177] ؛ ولهذا شكا بعضهم إلى الفقيه ابن حجر الهيتمي أحدَ قضاة المسلمين , لأنَّه يشدِّد على الناس فلا يحكم إلاَّ بالقول الصحيح, ولا يسلك بهم مسلك التخفيف والترخيص فأجاب ـ رحمه الله ـ بقوله: [ما ذُكر عن هذا القاضي إنَّما يُعَدُّ من محاسنه لا من مساوئه؛ فجزاه الله تعالى عن دينه وأمانته خيرًا, فإنَّه عديم النظر إلى الآن ـ ثمَّ قال: ـ فقيام هذا القاضي حينئذٍ بقوانين مذهبه, وعدم التفاته إلى الترخيص للناس بما لا تقتضيه قواعد إمامه يدلُّ على صلاحه ونجاحه وفلاحه] [الفتاوى الكبرى الفقهية 4/324 بواسطة زجر الفقهاء عن تتبع رخص الفقهاء لجاسم الدوسري/22, وكتاب تحذير الفضلاء للمقطري/35ـ36]

ولهذا فإن المنتسبين لأصحاب مدرسة [فقه التيسير ـ أي التساهل والتمييع لقضايا الشريعة ـ] المدَّعين أنَّهم أولو الوسطيَّة والاعتدال؛ فإنَّك واجد في كتاباتهم ودروسهم وفتاويهم عجائب من الأقاويل, التي يرون أنَّهم بها قد وافقوا بين الأصالة الفقهية, والمعاصرة الزمانيَّة، ومن ذلك ما قاله الشيخ مصطفى المراغي لأعضاء لجنة وضع لائحة الأصول للأحوال الشخصيَّة ـ وكان رئيسها ـ: [ضعوا من المواد ما يبدو لكم أنَّه موافق الزمان والمكان, وأنا لا يعوزني بعد ذلك أن آتيكم بنص من المذاهب الإسلاميَّة يطابق ما وضعتم] [تراجم الأعلام المعاصرين لأنور الجندي/ص428] .

آه من دهر خؤون أهله لا يرون العلم للدين شعارا

طلبوا علمًا بماضي غيرهم حالهم أحسن إذ كانوا صغارا

فإذا ما الشيب في أذقانهم ملؤوا الآفاق ظلمًا وبوارا

وقد كان أهل العلم يحذِّرون أشدَّ التحذير من الأخذ برخص العلماء وزلاَّتهم, وأن تُجعل دينًا يدين العبد بها ربَّه, فإنَّ ذلك علامة على ضعف الإيمان, وقلَّة الديانة, قال الأوزاعي: [من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام] [السير/125] .

4ـ أن يكون له باع طويل في تلقِّي العلم والاجتهاد في تحصيله:

إنَّ ضرورة التأصيل العلمي, وقوَّة التمكن الشرعي, له أثره البالغ ـ ولا شكَّ ـ في أهليَّة العالم أو المعلِّم وقت تعليمه وكتابته وإفتائه, ذلك أنَّه يعطي المتعلِّم أو المستفتي اطمئنانًا لمن يسأله، والقارئ ارتياحًا لما يكتبه الداعية المعلِّم، وقد كان أهل العلم الربَّانيين السابقين منهم واللاحقين يطلبون العلم, ويجتهدون في نيل مرامه, من المهد إلى اللحد، كما قال الإمام أحمد, فكانوا لا يفارقون كواغد العلم, ولا أوراق الشريعة, فهي معهم في حلِّهم وترحالهم, بل لا يتركون معلِّميهم وأساتذتهم في طلب العلم عليهم بثني الركب عندهم، ولك أن تعلم أنَّ إمامًا كابن الجوزي طلب علم القراءات وقد كان باقعة في العلم, علاَّمة في الإدراك والفهم, مشهورًا بين الأنام, ومع ذلك يطلب هذا العلم مع ابنه الصغير وهو في سنِّ السبعين, ولم يكن كبر عمره, وشرف رسوخه في العلم, حائلًا بينه وبين طلب العلم, وملازمة أخذه وإدراكه, والعيش معه ليل نهار, حفظًا واطِّلاعًا وبحثًا ومذاكرة وفهمًا وتعليمًا وإفتاءً, وقد قال علماؤنا بأنَّه: من لم يتقن الأصول حرم الوصول.

إلاَّ أنَّ القضيَّة ـ وللأسف ـ اختلفت وخاصة في هذا الزمان الذي كثر فيه المستعجلون للتدريس, والمتزبِّبون قبل أن يتحصرموا, والمدَّعون للعلم والعلم بريء منهم[فعلى هذا لا يكتفي بمجرَّد انتسابه إلى العلم, ولو بمنصب تدريس أو غيره, لا سيما في هذا الزمان الذي غلب فيه الجهل, وقلَّ فيه طلب العلم, وتصدَّى فيه جهلة الطَّلبة للقضاء والفتيا, فتجد بعضهم يقضي ويفتي وهو لا يحسن عبارة الكتاب, ولا يعلم صورة المسألة, بل لو طولب بإحضار تلك المسألة وهي في الكتاب لم يهتدِ إلى موضعها, فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون:

لقد هزلت حتَّى بدا من هزالها كلاها وحتَّى سامها كل مفلس]

[ما بين القوسين من رسالة في الاجتهاد والتقليد ـ للشيخ: حمد بن ناصر بن معمَّر/48ـ49]

حتَّى قال الأستاذ: مالك بن نبي ـ رحمه الله ـ: [والحقيقة أنَّنا قبل خمسين عامًا كنَّا نعرف مرضًا واحدًا يمكن علاجه, هو الجهل والأميَّة, ولكننا اليوم أصبحنا نرى مرضًا جديدًا مستعصيًا هو[التعالم] . وإن شئت فقل: الحرفيَّة في التعلُّم , والصعوبة كلَّ الصعوبة في مداواته . وهكذا فقد أتيح لجيلنا أن يرى خلال النصف الأخير من هذا القرن ظهور نموذجين من أفراد في مجتمعنا: حامل المرقعات ذي الثياب البالية, وحامل اللافتات العلميَّة] [شروط النهضة/91 ] . ولهذا فإنَّ أحد متعالمي زماننا، وهو مهندس ميكانيكي، أخرجَ كتابًا عنوانه: [ إصلاح أكبر خطأ في تاريخ الأمَّة الإسلاميَّة] حيث يدَّعي أنَّ مسند الإمام أحمد ليس للإمام أحمد وإنَّما لابنه عبد الله, بدعوى أنَّ المسند قبل كلِّ حديث أو أثر مرويٌّ بسنده, يبدأ به بقوله حدَّثنا عبد الله, قال حدَّثنا الإمام أحمد، فخرج هذا المسكين بالنتيجة العلميَّة التي لم يدركها جميع علماء الحديث على مرِّ الزمن, واستخرجها هو بفطنته وعلمه وكياسته, ولم يعلم هذا المتعالم أنَّ مسند الإمام أحمد قد رواه عنه كاملًا ابنه عبد الله؛ ولهذا كُتب فيه: حدَّثنا عبد الله ابن الإمام أحمد, وصدق من قال: العلم فضَّاح لغير أهله.

كلُّ من يدَّعي بما ليس فيه فضحته شواهد الامتحان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت