بل وصل بعضنا إلى درجة [الانحطاط الفكري] في تلقِّي العلم الشرعي ممن لم يعرف عنه نبوغه به, فقد حدَّثني أحد العلماء المعاصرين عن أحد الكتَّاب الغربيين الذين انتسبوا لدين الإسلام, أنَّه استُضيف في أحد الفنادق، وكان حضور الناس إليه بالمئات, وكان ممَّن حضر ذلك المؤتمر النساء المسلمات, وبدؤوا يسألونه عن كلِّ صغيرة وكبيرة وصاحبنا الغربي لا يفتأ يجيب عن كلِّ ما يسأل عنه, حتَّى إنَّ إحدى النساء الحاضرات سألته عن مسألة من مسائل الحيض المشكلة عليها ليجيب عنها بما يراه مناسبًا, والعجيب أنَّ المقدِّم له يسأله عن ذلك وهو يعلم أنَّ ذلك الرجل المنتسب لدين الإسلام حديث عهد بإسلامه ! فكيف بالله يلج هذا الرجل تلك المداخل وهو قريب عهد بالإسلام؟! ورحم الله ابن رشد إذ قال: [كان العلم في الصدور واليوم صار في الثياب] [ خلاصة الأثر للمجبي 1/275ـ بواسطة التعالم للشيخ الدكتور بكر أبو زيد /صـ35] .
ولن أستطرد بذكر شيء من هذا القبيل؛ فلا أحبُّ أن أنكأ الجراح, ولا أذرَّ الملح على الجراح! ولله درُّ الإمام ابن تيميَّة حين نَقَلَ عن بعضهم: [وقد قال بعض الناس: أكثر ما يفسد الدنيا نصف متكلم, ونصف متفقه, ونصف متطبب, ونصف نحوي, هذا يفسد الأديان وهذا يفسد البلدان, وهذا يفسد الأبدان, وهذا يفسد اللسان] [مجموع الفتاوى5/118] .
5ـ أن يتلقَّى العلم ممَّن يقدِّر العلماء ويحترمهم.
المسلم الذي يهوى الحق ويطلبه؛ لابدَّ أن تكون لديه علامة لحبِّ أهل العلم وإنزالهم منزلتهم, واحترام علمهم, وقد أخبرنا رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ كما في حديث عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه أنَّه قال ـ: [ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا, ويرحم صغيرنا, ويعرف لعالمنا حقَّه] [أخرجه أحمد بسند جيد] .
بيد أنَّ المطَّلع على حال الكثير من الصحفيين ـ وهم الذين يأخذون العلم من الكتب دون المشايخ ـ كما قال الزمخشري في التعاريف [1/449] أو من يتسمَّون بالصحافيين وهم جمَّاعو الأخبار, فسيجد المراقب لكتاباتهم شيئًا عجيبًا من قلَّة احترام العلماء, والاستهانة بعلمهم, بل الاجتهاد في تحقيق كثير من القضايا في مجلاَّت لم تُعرف بروح العلم, بل عرفت بالعلمنة والفسق, ثمَّ يأتي أحدهم ويناقش قضيَّة حكم استماع الموسيقى والأغاني في نصف صفحة, ويعرض قول من شذَّ رأيهم في إجازة الاستماع لتلك المعازف, ويعرض بل يشنِّع ويشغِّب على العلماء الذين أفتوا بحرمتها, وخاصَّة في هذا العصر؛ لأنَّ تلك الفتوى لا تتواءم مع القرن الحادي والعشرين!
بينما تجد عند السابقين من طلاَّب العلم قمَّة احترامهم لعلمائهم, فهذا لا يطرق الباب على شيخه إلاَّ بأطراف أصابعه, وهذا يهاب من النظر إليه إجلالًا له واحترامًا, وآخر يخشى أن يزعج شيخه بتصفُّح الأوراق أمامه والانشغال عن درسه بها, وهذا ينتظر شيخه من المساء إلى الصباح وقد سفَّته الرياح حتَّى يفتح الشيخ له بابه, وآخر لا يأتي عند شيخه إلاَّ ويقبِّلُ يده ويدعو له بالخير, وآخر لا يصلي صلاة إلاَّ ويدعو لشيخه بالخير والجنَّة, ورحم الله ربيعة بن أبي عبد الرحمن إذ قال: [الناس في حجور علمائهم كالصبيان في حجور أمَّهاتهم] [شرح ابن أبي العز للطحاوية1/105] .
أمَّا الآن فتجد أنّ القوم المتعالمين إذا تعلم أحدهم مسألة أو عشر مسائل, بدأ يكتب في الصحف والمجلاَّت والجرائد، وينشر علمه الغزير! فيخطِّئ الأئمة المجتهدين, ويستدرك عليهم ما يظنُّه من زلاَّتهم, بدعوى الحجَّة الزائفة: [هم رجال ونحن رجال] ، ولا شكَّ أنَّ الاحتجاج بهذه المقولة حجَّة ساقطة لوجوه:
الوجه الأوَّل: أنَّ الاحتجاج بهذه الكلمة غير صحيح؛ لأنَّ الذي قالها الإمام أبو حنيفة, كما نقل مقولته عنه ابن حزم ـ رحمه الله ـ: [ ما جاء عن الله تعالى فعلى الرأس والعينين, وما جاء عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فسمعًا وطاعة, وما جاء عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ تخيَّرنا من أقوالهم, ولم نخرج عنهم, وما جاء من التابعين فهم رجال ونحن رجال ] [الإحكام لابن حزم4/573] ، فأبو حنيفة حين قال هذه الكلمة, فقد قالها لأنَّه يصنَّف من التابعين, حيث رأى أنس بن مالك, واجتمع مع جمهرة من التابعين الأكابر، فيصدق عليه أنّه رجل وهم رجال لأنَّه هو وهم من التابعين, ومن لنا بعلم أبي حنيفة في هذا العصر, لنقول فيه: هو رجل وهم رجال!
الوجه الثاني: أنَّ هناك فرقًا عظيمًا بين هؤلاء الرجال العصريين, ومن قبلهم من الرجال السابقين؛ لأنَّ التابعين هم من القرون المفضَّلة, التي امتدحها رسول الله؛ وهو ما أدَّى بابن رجب إلى أن يؤلِّف كتابًا بعنوان: [فضل علم السلف على علم الخلف] ، ولذا فإنَّ كلام السلف قليل كثير البركة, وكلام الخلف كثير قليل البركة.
الوجه الثالث: أنَّ من يدَّعي أنَّه رجل ينبغي عليه أن يعرف قدره وقدر الرجال الذين سبقوه, وإذا كان أبو عمرو بن العلاء يقول: [ما نحن فيمن مضى إلاَّ كبقل في أصول نخل طوال] [سير أعلام النبلاء 6/407] مع أنَّ أبي عمرو يعدُّ في عُرف أهل السير شيخَ القرَّاء والعربية.
فهؤلاء المدَّعون للعلم والشيخوخة في طلبه, لم يعرفوا قدر علمائهم, وإذا كانوا يعدُّون أنفسهم أنَّهم رجال, فإنَّ الرجال يحترم بعضهم بعضًا, وأوْلى بهؤلاء المدَّعين للرجولة أن يقال في حقِّهم ما قاله الشيخ عبد الرزاق عفيفي لأحدهم حين ادَّعى أمامه تلك الدَّعوى قائلًا له: نعم ... هم رجال ... وأنت دجَّال!!
ورحم الله مجاهدًا حين قال: [ذهب العلماء فلم يبقَ إلاَّ المتكلِّمون, والمجتهد فيكم كاللاعب فيمن كان قبلكم] [أخرجه أبو خيثمة في كتاب العلم/66] ؛ فالله المستعان.
وفي الختام:
فإنَّ مريد الحق, ومبتغي سبل الهدى, ينبغي أن يحتاط في الأخذ لدينه, وأن يعرف من يؤخذ عنهم العلم, وما صفاتهم, وقد كان علماؤنا الأجلاَّء يُعْنَوْنَ بهذه القضيَّة أشدَّ الاعتناء, فقد قال الإمام محمد بن سيرين ـ رحمه الله ـ: [إنَّ هذا العلم دين؛ فانظروا عمَّن تأخذون دينكم] [شرح مسلم للنووي1/84] . فليس كلُّ من لبس لباس العلم يؤخذ عنه, وليس كلُّ من صدَّره الإعلام والفضائيَّات والصحف يُظَنُّ أنَّه ذلك الرجل الخِرِّيت الذي فقه دين الله, ورضي بمقتضاه, وألمَّ بفحواه, وليس كلُّ من كتب مقالًا أو بحث مسألة شرعيَّة أو كتب كتابًا يعدُّ عالمًا أو طالبًا للعلم, أو مؤهَّلًا لأن يؤخذ عنه العلم, ويكفي أنَّ أئمتنا قالوا: ليس العلم بكثرة الرواية والدراية, ولكنَّه نور يقذفه الله في قلب المؤمن الموفَّق, مصداقًا لقوله تعالى: [ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُم ] [البقرة: 282] . قال الإمام ابن القيِّم:
والعلم يدخل قلب كلِّ موفَّق من غير بوَّاب ولا استئذان
ويردُّه المحروم من خذلانه لا تشقنا اللهم بالخذلان
فاعرف يا ابن الإسلام دينك, واختر لنفسك عالمًا متفقِّهًا في دين الله تنهل منه العلم, وتأخذ عنه الفتوى, وإيَّاك ومشايخ السوء، فعنهم ابتعد, ولهم خالف, وعلى آرائهم فاضرب, متأسِّيًا بقول العربي الأصيل: [ليس ذا عشَّك فادرجي] .
كتبت هذا المقال مذكِّرًا بأهمِّيَّة هذه القضيَّة, ومنبِّهًا لها في زمن قلَّ فيه من يعطي لأهل العلم الربَّانيين قدرهم, ويعرف علمهم, وما أنا ـ والله ـ إلاَّ رجل مستفيد من بضاعتهم, متطفِّل على موائدهم, فرحمني الله برحمته، وجعلني ممَّن يهتدي بهدي نبيِّه وصحابته.
أسير خلف ركاب النُّجب ذا عرج مؤمِّلًا كشف ما لاقيت من عوج