حرام على الأمة التي تقرأ في كتابها من الثناء على داود عليه السلام: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ. أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [سبأ: 10، 11] ، وتقرأ: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} [الأنبياء:80] ، ثم لا يكون فيها مصنع للسلاح، ثم تقرأ في كتاب ربها: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ. يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا} [سبأ: 12، 13] ، ثم لا يكون فيها مسبك عظيم، ولا مصنع كامل للأدوات المعدنية.
ثم تقرأ: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [الحديد: 25] ثم تهمل ما عندها من هذا المعدن هذا الإهمال، وهو من أجود الأنواع، ويكفي العالم مائتي عام كما قدر الخبراء، حرام هذا كله.
شهادات مسؤول أوروبي:
يقول الأستاذ ظافر القاسمي:[كنت في عام 1945م أشهد مؤتمر المحامين الدولي في موناكو، وقد قيض لي أن ألتقي بمسؤول أوروبي كبير، وكان جرح فلسطين حارًا جدًا، فلما تذاكرنا الموضوع قال لي بحرية وصراحة: يا سيدي أنتم العرب أذكياء، ولكنكم قوم لا تخيفون، حينما يوجد عندكم علماء قادرين على تدمير الأرض في 59 دقيقة كما ادعى الإنجليز بدلًا من 60 دقيقة كما ادعى الأمريكان، وعندئذ يحسب لكم حساب، أما إذا كنتم بحاجة إلى ألف بندقية، لتوزيعها على رجال الشرطة، وكنتم مضطرين لشرائها من بلجيكا، ثم تنكل بلجيكا عن الصفقة، وتبقى شرطتكم بلا بندقيات، فليس من حقكم أن تسألوا العالم أن يعيد إليكم فلسطين.
يقول القاسمي: يومئذ فهمت معنى قوله تعالى: {تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} [الأنفال: 60] وقلت لمحدثي: لقد جاء في القرآن الكريم ما يشبه كلامك، وترجمت له معنى الآية فدهش، وذهب من توه يبحث عن أي ترجمة لمعاني القرآن الكريم، وأورد ذلك نقلًا من كتاب 'الجهاد والقتال في السياسة الشرعية' للدكتور محمد خير هيكل.
وكنا نود لو أن جيل المفكرين والباحثين الذين جاءوا بعد عصر الرواد عمقوا الدراسات في هذا المضمار، والتي من شأنها أن تبحث في طرق النهضة الصناعية الشاملة للعالم الإسلامي بدلًا من إغراقه في الخلافات المذهبية والسياسية التي بددت قدرات الأمة، ولكن الدراسات في هذا المجال كانت قليلة وفردية، ويحق لنا أن ننوه هنا بكتاب للدكتور محمد مصطفى رمضان بعنوان [طريق المسلمين إلى الثورة الصناعية] .
زهير سالم:
إعادة الفهم للمشروع الإسلامي:
الكاتب زهير سالم أحد المشتغلين بالهم الإسلامي العام، كان له مداخلة في الملف، دعا إلى إعادة الفهم وترتيب الأولويات فقال: إن الحديث المجرد عن شمول الإسلام وصلاحه للزمان والمكان لا يكفي أن يكون عناوين نظرية، وإنما يجب أن يكون مقومًا أساسيًا للرؤية والفرز والتقويم، ومنذ العصر الأول قال عمر لمن زكى عنده آخر: [لعلك رأيته قائمًا في المسجد يرفع رأسه تارة ويخفضه أخرى. قال: نعم. قال: اذهب فإنك لا تعرفه] . ومع ذلك فنحن لا نزال نقوم الناس بهذه الجزيئات، نعتبرها أحيانًا عنوانًا على الكل، ونعتبرها أحيانًا أخرى [الكل] . وهذا فهم خاطئ للمشروع الإسلامي، ومن غير أي تصغير لقيمة الشعائر الإسلامية {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32] ولكن الإنسان من ضعفه وقصوره لا يمكن أن يقوم بشعيرة هنا وأخرى هناك. والموقف العام في الحياة أو التشريع لا يمكن أن يصاغ بقانون هنا أو قانون هناك.
خذ مثلًا قضية الشريعة الإسلامية بكل جمالها وجلالها وعدالتها وسموها وتحقيقها لمصالح العباد على صعيد الفرد والأسرة والمجتمع، اختصرها قوم جهلًا أو خبثًا في قضية الحدود، والحدود هي جزء أصيل من الشريعة الإسلامية، ولكنها جزء يسير منها، بل هي جزء يسير من معادلة [الجريمة والعقاب] التي لا تمس إلا دوائر محددة في حياة الناس.
فهم الآخر:
كما دعا الأستاذ زهير سالم إلى إعادة النظر في فهم الآخر فقال: المطلوب أن نتحول من مرحلة المفاصلة إلى مرحلة [المداخلة] ومن مرحلة النبذ إلى مرحلة [الجذب] ، يجب أن يُمد قطر الدائرة الإسلامية، ليشمل أعدادًا أوسع، ولا نعتبر هذا تمييعًا للموقف الإسلامي وإنما هو تحقيق لمقصد الشريعة في الدعوة والانتشار، يجب أن نربط الفرد، والجماعة، والحزب، والدولة، والحاكم والمحكوم بالإسلام، ولو بشعرة. إن النبذ بالكفر كبيرة شرعية، وخطيئة حركية سياسية، الواجب أن نبحث عمّا يربط الناس بالإسلام، لا عما يخرجهم منه، كان المنافقون يزاحمون المسلمين على الصف الأول، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يواجههم بذلك.
إن مصطلح الكفر [البواح] له معناه وجرسه الذي يجب على الداعية أن يتوقف عنه كثيرًا. والأصل الشرعي الابتعاد عن التكفير ما أمكن التأويل...
يجب أن نعيد فرز وتقويم الآخر في كل دوائره، كما يجب أن نؤكد أن سياسات مد الجسور، والبحث عن المشترك، وتقويته وتدعيمه هما من مرتكزات الحركة في إطار القرن الجديد.
الموقف من السلطة:
إن دور السلطة في حياة المجتمعات أخذ بالتقلص وكذا دورها السياسي العام في عصر العولمة، لقد تسبب التفكير في السلطة أو النزاع عليها بكثير من المشكلات للعمل الإسلامي، وكان العنف الداخلي أحد الثمار المرة والفِجة لهذا التفكير، في حياة الفرد والمجتمع وحتى الدولة مساحات كبيرة للحركة دون المساس بالسلطة. هذه الطريقة المنهجية في الحركة لم تغب عن ذهنية حسن البنا رحمه الله ولا عن ذهنية مصطفى السباعي رحمه الله، وإنما غابت عن ذهنية آخرين اعتبروا تحدي السلطة التحدي الأول والأخير فأرهقوا أنفسهم وإخوانهم. لقد كان المنهج الإسلامي عبر تاريخه الطويل إصلاحيًا، وبناءً، وفعالًا، وشارك في تحقيق الإنجازات العظيمة في حياة الأمة. أعتقد أن فكرة [الإسلام الثوري] هي بعض وافدات الفكر المادي والخلط بين المفهوم المادي الثوري، ومفهوم الجهاد الإسلامي، أربك الحركة الإسلامية كثيرًا. إن المقاومة الفلسطينية بكل أبعادها ووسائلها جهاد لا شك في ذلك، أما ما جرى في [الأقصر] أو في بعض المدن العربية، أو ما يجري هنا وهناك في دول العالم، فهو إلى الثورة أقرب منه إلى الجهاد. الجهاد فعل شرعي له أحكامه وضوابطه، والثورة ظاهرة عامة تحكمها عوامل أخرى من الفعل ورد الفعل.
تكامل الأجيال:
ودعا الأستاذ زهير سالم إلى تكامل دور الأجيال فقال: أنت لا تستطيع أن تضع فاصلًا حادًا بين مرحلتين في حياة الإنسان، وإذا اعتبرنا الشباب موئل العطاء فإن المرء لا يزال شابًا ما دام قادرًا على العطاء، وكم جالسنا شيوخًا في الثمانين من أعمارهم كان لهم توقد الشباب وتحرقه وعطاؤه.. المعادلة ليست زمنية إذًا، وفي الوقت نفسه فإنه لابد من الصيرورة إلى التكامل في البناء العام للحركات، الشيوخ والكهول والشباب والفتيان والرجال والنساء، كل هؤلاء لهم أدوارهم، ولا تلغي فئة عمل فئة أخرى.