من يجهل أن الوقت هو الحياة ولابد من حسن استغلاله؟ من يجهل وجوب الصدق والاستقامة وإتقان العمل؟ من يجهل أهمية التسامح والدفع بالتي هي أحسن؟ من يجهل أهمية العناية بالصحة؟ من يجهل مائة فضيلة أخرى؟؟ ولكن من يطبق هذه الأمور؟ وكم يطبق منها؟! وحتى لا نشطط في ذكر دور الفرد أقول في دور الأمة والسلطة بأن الحق بلا قوة تحميه ضعيف 'لأن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن'، والقوة بلا حق ظالمة، فلابد ـ إذن ـ من المصحف والسيف معًا، لكن لابد كذلك أن يعلو المصحف على السيف لا العكس، أي أن تكون القوة في خدمة الحق، لا أن يكون الحق مسوغًا لأخطاء القوة! نحن لا نقول: 'إن لم تكن ذئبًا أكلتك الذئاب' ولا نقول: 'ومن لا يظلم الناس يُظلم' ولكننا نقول:
تعدو الذئاب على من لا كلاب له وتتقي صولة المستأسد الحامي
ونقول: ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه يهدم..
تتكون الأمة من مجموع أفرادها، ورصيد الأمة كما قلنا ونعرف في: العلم، والعقل، والاختراع، والصناعة، والتفوق...إلخ هو مجموع أرصدة أفرادها؛ فيجب على الفرد أن يعرف ما أودعه الله سبحانه وتعالى من طاقات وقدرات، وأن يحسن استثمارها. 'وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب'.
وهنا أؤكد أهمية التكافل مع الآخرين وفق منظومة حضارية أستفيد منها وأنفعها فالفرد ضعيف بنفسه قوي بإخوانه، ,'إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية'، فلابد من استشعار معنى 'الجسدية' والعمل بروح الفريق، كما يقولون، وقيام المجتمع على 'المؤسسات' لا على الأفراد.
الحضارة والأخلاق:
تعد [الأخلاق] ركنًا ركينًا في استثمار الحضارة [المادية] ، وهذا ليس بغريب، فما من أمة سادت ثم بادت إلا بدأت سيادتها بقوة أخلاقها، وبدأ انهيارها بانهيار الأخلاق فيها:
وإما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا
إن من واجب علماء التاريخ وعلماء الاجتماع أن يدرسوا الحضارات السابقة واللاحقة ويبينوا بوضوح أسباب صعودها وقوتها، وأسباب ضعفها وهبوطها، وأن تكون هذه الأسباب وتلك الأهداف مهمة لإعلامنا حتى تكون واضحة تمامًا في أذهان أكبر عدد من الأفراد، وأن تدرس هذه الموضوعات في المدارس، وللأسف فإن شطرًا كبيرًا مما نعلمه في مدارسنا وجامعاتنا لا ينفع لا في الدنيا ولا في الآخرة!! 'اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع'. يجب أن نعلم أولادنا كيف يعيشون بشكل جيد، وكيف يفكرون بشكل جيد، وكيف يستثمرون أوقاتهم وقدراتهم بشكل جيد...إلخ، وهذا واجب المعلمين، والسؤال المهم في هذه القضية هو: هل المعلمون مؤهلون لهذه الرسالة؟ 'ففاقد الشيء لا يعطيه'!
تقول الحكمة العربية: 'رحم الله امرءًا عرف قدر زمانه واستقامت طريقته' إنها [معادلة حضارية] :
رحمة الله = معرفة الزمان + استقامة الطريقة.
فالمعرفة بدون استقامة اقتداء بعلم إبليس، والاستقامة بدون معرفة قد تؤدي إلى السذاجة والغفلة.
د/ محمد رفعت زنجير:
التخلف التقني بُعد استراتيجي في أزمنتنا المعاصرة:
الدكتور محمد رفعت زنجير تناول جانبًا مهمًا من معوقات نهضة الأمة فقال:
إن من أهم المشكلات التي تعاني منها الدول الإسلامية مشكلة التخلف التقني في كافة ميادين الحياة والتي تبدأ من الصناعات الاستهلاكية والتي تشمل حتى لعب الأطفال، وتنتهي بالصناعات الدفاعية لحماية أمن الأمة، مرورًا بالصناعات الطبية وغيرها! والخطورة هو أن الصناعات الأساسية صارت حكرًا بيد الدول الكبرى، وقد ازداد الأمر تعقيدًا عندما أقبلت الدول ذات القدرات الاقتصادية المحدودة على الاستيراد في شتى المجالات ولمختلف أنواع البضائع مما أرهق الميزانيات المحلية، وجعل الديون تتراكم والفوائد تتضاعف، ولم تقدر معظم تلك الدول برغم إجراءات التقشف أن تسدد فوائد تلك الديون فضلًا عن تسديد تلك الديون نفسها، مما جعلها خاضعة للابتزاز السياسي من قبل الدول الدائنة، وانعكس هذا بالضرر على شعوبها، فتدهورت القيمة الحقيقية للعملات المحلية، وانتشر الفقر ومختلف الأوبئة الاجتماعية والأخلاقية.
وبشكل عام نستطيع أن نقول: إن التخلف في ميدان الصناعة اليوم يعني أن سيادة الأمة في قراراتها المصيرية مهددة، وهو يوازي التخلف في جوانب أزمنتنا المعاصرة بل ربما يكون هو من أخطر الجوانب، فالأمم التي تتكل على غيرها في عالم الصناعة في العصر الحديث لا يمكن أن تقاتل يومًا واحدًا، ولا أن تتصدى لأي عدوان يقع عليها في عالم مثقل بالتكتلات والحروب والعدوان. والحرب اليوم تستخدم كل ما تمده بها التكنولوجيا الحديثة من وسائل الدمار الشامل، حتى أصبح بالإمكان محو دول من على الخريطة دون تسيير لجيش أو فرقعة بالقنابل، ونحن كأمة ذات رسالة للإنسانية كافة لنا أعداء قد تزودوا بمختلف أنواع الأسلحة، وعبروا عن أحقادهم بأفظع الأساليب، علينا أن نقيم نهضة صناعية شاملة تكفل حريتنا وكرامتنا، فقد رأينا مأساة أفغانستان وفلسطين وكشمير والبوسنة.. وهنالك الكثير من المآسي التي لا ترى إلا بالتأمل والبحث، والمآسي تحيط بنا من كل طرف، حتى قيل عنا بأننا أمة الحزن والنكبات... فلم تعد حدود المآسي التي نعاني منها محصورة في رغيف الخبز الذي تقدمه لنا في بعض الأحيان المنظمات الإسلامية في مناطق كثيرة حول العالم، وإنما تمتد بشكل فعّال إلى المورثات السلبية التي نبثها في عقول الأبناء والأحفاد، وذلك كله من آثار الضعف الذي نعانيه، والسبيل الأول لعودة العافية والصحة لهذه الأمة هو توليد شعور القوة فيها، والنهضة الصناعية الشاملة كفيلة بأن تولد بالأمة شعورًا بالاستقلال والتحرر من التبعية.
إن النصر الحقيقي للأمة المسلمة هو في عودة وحدتها وتضامنها تحت راية القرآن، وهذا لن يتم عفوًا، وإنما يحتاج إلى جهود الفئة الواعية والمخلصة من الحكام والعلماء وكافة قطاعات الشعب الأخرى لصياغة مشروع حضاري مدروس.
الصناعة طريقنا للتحصن بالقوة التي أمرنا الله بها قبل أن نواجه عدوًا، قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْل} [الأنفال: 60] .
والآية تحث بشكل صريح على الاهتمام بالصناعات الحربية التي تكفل للأمة كرامتها في ساحة الشرف أمام أعدائها، وقد وضع النبي الكريم ذلك في حثه للأمة على صناعة ما يدفع عنها كيد أعدائها، ففي الحديث: [[إن الله تعالى يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، ومنبله، فارموا واركبوا] ] 'ورد الحديث في مشكاة المصابيح للترمذي، المجلد الثاني، ص1131'.
البنا والصناعة:
وقد قال الشيخ حسن البنا خلال حديثه عن أزمة الأمة: [التحول إلى الصناعات فورًا من روح الإسلام الذي يقول نبيه صلى الله عليه وسلم: إن الله يحب المؤمن المحترف، ومن أمسى كالًا من عمل يده أمسى مغفورًا له، والذي أثنى كتابه على داود وسليمان بهذا التقدم الصناعي وذكر لنا من دقائق الرقي فيه ما أعجز البشر، واستغل قوى الجن والشياطين.