فهرس الكتاب

الصفحة 1457 من 1942

سكان القمم لا يرضون لأنفسهم من كل شيء إلا أحسنه، ومن كل أمر إلا أتمه وأجمله، وقد قيل قديمًا:'قدر الرجل على قدر همته'. فمن كان عالي الهمة؛ كان عالي القدر..فبادر ولا يقعد بك العجز عن المكرمات، حاول أن تكون من سكان القمم، وابذل في تحصيله كل غال ورخيص، ولا تدخر في ذلك أي نفيس.

لكل مُجِدٍّ مكافأة تليق بمقامه:

فمن جدَّ في العلم؛ كوفئ باحتياج الناس إليه.. ومن جدَّ في بذل المعروف كوفىء بثناء الناس عليه.. ومن كان همّه ما يأكله.. كان قيمته ما يخرجه، فأين طلاب المعالي؟ أين أصحاب الهمم العوالى ؟ أين من يحب الله صنيعهم ويبارك مسيرهم؟ لا يسأل الكثير إلا من كان عقله يفكر بالكثير..ولا يطلب العظيم إلا من كانت نفسه تسمو لكل عظيم،

إذا غامرت في شرف مروم فلا تقنع بما دون النجوم

فطعم الموت في أمر حقير كطعم الموت في أمر عظيم

إن حياتك مغامرة كبيرة، وان لحظات عمرك مباراة خطيرة:

فإياك أن تخرج منها خاسرًا، قبل أن تبنى لك بيتًا في الجنة..عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ صَائِمًا] قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَا قَالَ: [فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ جَنَازَةً] قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَا قَالَ: [فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مِسْكِينًا] قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَا قَالَ: [فَمَنْ عَادَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مَرِيضًا] قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ] رواه مسلم.

قال تعالى: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [21] } [سورة الحديد] .

إن المكارم لا تحصل بالمنى لكن لها بالتضحيات سبيلا

فلكم سما للمجد من أجدادنا بطل أقام على السمو دليلا

فسل المعالي عن شجاعة خالد وسل المعارك هل رأته ذليلا

وسل الحضارة إن رأيت بهائها عمن أنار لهديها القنديلا

وسل المكارم والمعالي هل رأت من بعدهم في ذا الزمان مثيلا

هذى المكارم عندهم كبداية لسلوك درب ما يزال طويلا

في الأرض مجدهم ولكن قلبهم لجنة الفردوس رام رحيلا

وخذ المكارم لا تخف أعبائها المكارم لا يكون ثقيلا

روى أن أعرابيًا سال أناسًا من أهل البصرة:من سيد القوم في بلدكم؟ فقالوا: الحسن أي البصري، فقال بم سادهم؟

قالوا: احتاج الناس إلى علمه، واستغنى هو عن دنياهم .

سكان القمم أبعد ما يكونون عن زخارف هذه الدنيا وبهرجها:

الهم الأكبر لسكان القمم هم الآخرة، أما الدنيا فقد استصغروا متاعها، واحتقروا نتائجها، وترفعوا عن الاستباق فيها، فتحرروا من قيودها وهمومها، يقول الحسن رحمه الله:'من نافسك في دينك فنافسه، ومن نافسك في دنياك فألقها في نحره' .

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [مَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ] رواه الترمذي.

إنه وعيد لمن كانت الدنيا أكبر همه، فهو مقبل عليها بكليته، يجمع حطامها في نهم لا ينقضي، منشغل بذلك عن الآخرة، فمن كانت هذه حاله: عوقب بشتات القلب، فلا يزال لاهثًا وراء المال والمناصب والشهوات، يعب منها لكنه لا يشبع، بل يطلب المزيد، غافلًا عن أنه لا يأتيه إلا ما كتب الله له من الرزق، وأن حاله هذا هو عين الفقر، حيث لا تنتهي حاجته، ولا يحصل له الرضا بما جمع من المال، وهذا معنى: [جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ] .

وفى المقابل حال الرجل الصالح الذي جعل الآخرة همه: فهو في سعى دائم لتحصيل الحسنات، والوصول إلى مرضاة الله، مع حسن توكله على الله، فهذا يجمع الله له أمره، ويرزقه القناعة، وغنى النفس، ويبارك له في ماله، وصحته وأولاده..وهذا هو الغنى الحقيقي.. يقول ابن الجوزى رحمه الله:' يا هذا حب الدنيا أقتل السم، وشرورها أكثر من النمل' .

وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [وَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ فِي الْيَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُ] رواه مسلم. وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِالسُّوقِ دَاخِلًا مِنْ بَعْضِ الْعَالِيَةِ وَالنَّاسُ كَنَفَتَهُ فَمَرَّ بِجَدْيٍ أَسَكَّ مَيِّتٍ فَتَنَاوَلَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ ثُمَّ قَالَ: [أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ] فَقَالُوا مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ وَمَا نَصْنَعُ بِهِ قَالَ: [أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ] قَالُوا وَاللَّهِ لَوْ كَانَ حَيًّا كَانَ عَيْبًا فِيهِ لِأَنَّهُ أَسَكُّ فَكَيْفَ وَهُوَ مَيِّتٌ فَقَالَ: [فَوَاللَّهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ] رواه مسلم.

ونلاحظ في هذه الأحاديث: تحقير شأن الدنيا بجانب شأن الآخرة، فنعيم الدنيا قليل زائل، يشوبه الكدر، إذا سر فيها المرء أمر ساءته أمور، أما نعيم الآخرة، فنعيم كله لا نكد فيه ولا أحزان.

وقد كان صلى الله عليه وسلم القدوة في نظرته إلى الدنيا: فلم يركن إليها ولا تعلق بها، بل كان شأنه فيها كشأن الراكب المسافر الذي استظل في طريقه تحت ظل شجرة ثم قام يواصل سيره، فالدنيا أشبه بتلك الاستراحة العارضة، وكما أن المسافر ليس له هم إلا الوصول إلى غايته، وهى منتهى سفره، فكذلك العاقل الموفق في الدنيا، لا يتعلق بدنيا عارضة زائلة, منشغلًا عن النعيم الخالد في الآخرة

فلو كانت الدنيا جزاء لمحسن إذن لم يكن فيها معاش لظالم

لقد جاع فيها الأنبياء كرامة وقد شبعت فيها بطون البهائم

الأمة الإسلامية تواجه اليوم عدوًا شرسًا، كشر عن أنيابه، وأظهر ما كان مستورًا في فؤاده:

هذا العدو لا يمكن أن يواجه بأناس ذوى همم ضعيفة، تعلقوا بدنياهم.. لا يكسر هذا العدو إلا سكان القمم، لكم أضر بناغياب الزهد عن حياتنا، فالزهد في الدنيا، من أهم مقومات الصراع بين المسلمين وأعدائهم، ومواجهة المكائد والمؤامرات التي يتعرضون لها الآن.

وإن من الغفلة القاتلة أن يظن المسلمون أن عدوهم غافل عنهم، فضلًا عن أن يتوهموا أنه صديق لهم، إن عدونا لا يرضى لنا عودة إلى ديننا تبعث فينا الحياة والقوة، وتفتح أعيننا على مصالحنا، فهل نفيق الآن ونزهد في الترف والراحة، التي لا تثمر إلا الخنوع والضعف، ونعمل لنرد عن الأمة غائلة العدو، ونقطع أطماعه فينا، أم نبقى في ترفنا وترهلنا حتى تأكلنا الذئاب؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت