من أشد ما تصاب به أمة من الأمم أن يكون أفرادها ذووا همم ضعيفة، وعزائم واهنة، وتطلعات قاصرة، يرى أحدهم نفسه قزمًا أمام المتغيرات الكبيرة، والتحولات التاريخية، فلا يفكر في التغيير، ولا البدء في مشاريع مستقبلية. ومن هذا وضعه، كيف يرجى له الشفاء، إذا كان اعتقاده أنه لا يشفى، ذلك أنه أسير تربية ذليلة، لم يقم يومًا بعمل مستقل، أو بعمل تعاوني كبير، لم يتدرب يومًا على القيادة، فإذا فاجأه أمر تقوقع وانزوى؛ لأنه لا يملك الخبرة لإدارته.
إن أرض الله واسعة لمن يريد الانطلاق، ولمن يريد تأسيس أعمال كبيرة، والطاقات متوافرة، ولكنها بحاجة إلى عزمة أكيدة، وثقة بوعد الله، ولقد بعث الله موسى عليه السلام، ليخرج قومه من الذل والاستعباد، إلى التمكين في الأرض، والاسترواح بشرع الله، ولكن نفوسهم كانت ضعيفة صغيرة، لا تستطيع حمل هذا العمل العظيم، وذلك لما ألفوه من العبودية لفرعون وملأه، فتصاغرت نفوسهم، وهانت عليهم، حتى لم يعودوا يرون أنها جديرة بمرتبة الاستخلاف في الأرض.. لابد أن ينعتق الفرد المسلم من مثل هذه الأجواء التي تقيده وتشعره بضآلته، لابد أن يقتنع الفرد المسلم، بأن عنده طاقات وقدرات، يستطيع بها القيام بأعمال كبيرة، إن معالي الأمور لا يبلغها إلا أصحاب الهمم العالية، والعزائم القوية، فالجنة محفوفة بالمكاره، قال ابن القيم رحمه الله:'علو الهمة لا تقف دون الله تعالى، ولا تتعوض عنه بشيء سواه، ولا ترضى بغيره بدلًا منه، وأعلى الناس همة وارفعهم قدرًا من لذته في معرفة الله ومحبته والشوق إلى لقاءه' . قال الله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [58] } [سورة يونس] .
كان الأعرابي يأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله حفنة من شعير قائلًا: يا محمد أعطني من مال الله فإنه ليس مالك، ولا مال أبيك.. هذه همة، بينما همة ربيعة بن كعب، همة فوق الشمس.. قَالَ رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيُّ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَقَالَ لِي: [سَلْ] فَقُلْتُ أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ قَالَ: [أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ] قُلْتُ هُوَ ذَاكَ قَالَ: [ فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ] رواه مسلم. أين كانت تحلق همة ربيعة؟ كانت تحلق في سماء رفيعة، وقمم شاهقة، وكما قال الإمام ابن القيم رحمه الله:' فلله در الهمم .. ما أعجب شأنها! وأشد تفاوتها.. فهمة متعلقة بالعرش، وهمة هائمة حول الأنتان والحش!' .
سكان القمم جِدُّ في السلوك, نشاط في العمل, لا يعرفون التراخي والكسل: ومن سنن الحياة أن الدنيا لا تعطى حصادها، إلا لمن يزرعها, ولا جناها إلا لمن يغرسها، سكان القمم لا ينغمسون في الترف وكثرة المباح، قال ابن القيم رحمه الله:' قال لي شيخ الإسلام قدس الله روحه في شيء من المباح: هذا ينافى المراتب العالية، وان لم يكن تركه شرطًا في النجاة, فالعارف يترك كثيرًا من المباح برزخًا بين الحلال والحرام' .
سكان القمم سباقون إلى الخيرات، مبادرون إلى القربات, لا يفرغ من خير إلا بدأ بخير بعده: لا ينفض يده من عمل إلا وضعها في عمل آخر، يفيد نفسه وينفع أمته، قال أحد السلف:'إذا هممت بخير، فبادر هواك لا يغلبك، وإذا هممت بِشَرٍّ، فَسَوِّفْ هواك لعلك تظفر' .
سكان القمم يتعبون لبلوغ المعالي, ويقاسون المشقة للصعود في درجات الكمال: لكنه تعب يعقبه فرح، ونعيم لا شقاء بعده، يقول ابن القيم رحمه الله:'وقد أجمع عقلاء كل أمة، على أن النعيم لا يدرك بالنعيم، وأن من آثر الراحة، فاتته الراحة، وأن بحسب ركوب الأهوال، واحتمال المشاق، تكون الفرحة واللذة، فلا فرحة لمن لا هَمَّ له، ولا لذة لمن لا صبر له, ولا نعيم لمن لا شقاء له، ولا راحة لمن لا تعب له، بل إذا تعب العبد قليلًا، استراح طويلًا، إنما تخلق اللذة والراحة والنعيم، في دار السلام، وأما في هذه الدار فكلا' .
القمم يسكنها العباد والزهاد، والمجاهدون، والعلماء والدعاة وطلاب العلم: شمر لسكنى القمم السابقون من أنبياء الله، وأصحابهم، ومن سار على نهجهم، إن السكنى في القمم هي الحياة التي من حرمها؛ فهو في جملة الأموات، والنور الساطع الذي يسترشد به الغرباء في بحار ظلمات الدنيا، وهى الشفاء الذي من فقده؛ فقد أصابته جميع الأسقام، وبها تكون اللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام، إذا هممت فبادر، وان عزمت فثابر، واعلم أن لا يدرك المفاخر من رضي بالصف الآخر، يا طالبا للدعة أخطأت الطريق، علة الراحة التعب، إذا لم تكن أسدًا في العزم، ولا غزالًا في السبق، فلا تتثعلب, من خاف ركوب الأهوال، بقي عن إدراك الآمال, من وجد الله، فماذا فقد, ومن فقد الله فماذا وجد
متى صح الود منك فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب
إذا اطَّلَعَ الخبير على الضمير، فلم يجد في الضمير غير الخبير..جعل فيه سراجًا منيرًا.
سكان القمم في كل وقت يقل عددهم، لكن يجل قدرهم: حتى إذا ماتوا فهم أحياء، فكم من أناس موتى، تحيا القلوب بذكرهم, وأناس أحياء تموت، القلوب برؤيتهم،
قال ابن القيم:
تفنى عظام الصب بعد مماته وأشواقه وقف عليه محرم
وقال الفاروق عمر رضي الله عنه:' لا تصغرن همتك، فإني لم أر أقعد بالرجل، من سقوط همته', وقد قيل:'المرء حيث يجعل نفسه، إن رفعها ارتفعت..وان قصر بها اتضعت'. قال ابن الجو زى:'قال الكلب للأسد يوما: يا سيد السباع، غير اسمي فإنه قبيح، فقال له: أنت خائن لا يصلح لك غير هذا الاسم, قال جربني, فأعطاه قطعة لحم، وقال له: احفظ هذه إلى الغد وأنا أغير اسمك..أخذ الكلب قطعة اللحم، وبعد زمن جعل الكلب ينظر إلى اللحم ويصبر, فلما غلبته نفسه قال: وأي شيء في اسمي، وما كلب إلا اسم حسن، وأكل اللحم. يقول ابن الجوزى: وهكذا خسيس الهمة، القنوع بأقل المنازل، المختار لعاجل الهوى، على آجل الفضائل، فالله الله في حريق الهوى إذا ثار فانظر كيف تطفئه'. المشكلة هي قناعة الشخص بالمستوى الذي هو فيه، فإذا اقتنع بذلك، فاعلم أن هذه هي أول خطوة في الانحدار.
سكان القمم من أكثر الناس تعرضا للفتن والبلاء: عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً قَالَ: [الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ] رواه الترمذي وابن ماجة وأحمد. قال المناوى رحمه الله -معلقًا على هذا الحديث-:' ومن ظن أن شدة البلاء هوان بالعبد؛ فقد ذهب لُبُّهُ، وعمى قلبه, فقد ابتلى من الأكابر مالا يحصى, ألا ترى إلى ذبح نبي الله يحي بن زكريا، وقتل الخلفاء الثلاثة, والحسين، وابن الزبير، وابن جبير, وقد ضرب أبو حنيفة، وحبس ومات بالسجن, وجرد مالك وضرب بالسياط، وجذبت يده حتى انخلعت من كتفه, وضرب الإمام أحمد حتى أغمى عليه, وقطع من لحمه وهو حي، وأمر بصلب سفيان فاختفى, ومات البويطى مسجونًا في قيوده, ونفى البخاري من بلده ' .
كذا المعالي إذا ما رمت تدركها فاعبر إليها على جسر من التعب
إن الجنة غالية، لكنها محفوفة بالمكاره, ومن رام السعادة، تصدى لعبور جسر المشقة بالجد والاجتهاد
نماذج ممن سكنوا القمم: