فهرس الكتاب

الصفحة 1471 من 1942

يرى المؤلفان أنه لم يكن وصول الجيوش المسيحية من أوروبا إلى الأراضي المقدسة في فلسطين لخوض حرب صليبية سوى بداية لحملة أوروبية عامة طويلة المدى لاستعادة الأراضي الخاضعة لسيطرة المسلمين في أسبانيا وصقلية والمشرق. واستطاعت الجيوش الصليبية على مدى مئة عام أن تستولي على كل الأراضي المطلة على شرق المتوسط تقريبًا ابتداء من الحدود التركية إلى الحدود المصرية. وبحلول عام 1187 م استطاعت الجيوش الإسلامية التي جاء رد فعلها بطيئًا أن تقضي في نهاية المطاف على المملكة المسيحية في بيت المقدس وأن تستعيد المنطقة السيطرة الإسلامية. ولكن الحروب الصليبية أصبحت منذ ذلك الحين حدثًا له آثاره الوجدانية العميقة عند المسلمين ولن يعد يشمل فقط الغزو المادي للجيوش الغربية وإنما يمثل أيضًا قيام دول مسيحية فوق الأراضي الإسلامية أيضًا وباتت هذه الأحداث بمثابة المقدمات الأولى للاستعمار والإمبريالية الغربية في العصر الحديث وارتبط بها أيضًا تأسيس دولة يهودية في فلسطين عام 1948.

وكذلك فإنه لا تزال كلمة أندلس تستثير في عقول المسلمين عظمة وأمجاد الماضي مثلما تثير مشاعر الحزن العميق إزاء ضياع مجد هو أعظم أمجاد الإسلام إشرقا في العصر الوسيط خصوصا أن المجتمعات الإسلامية الكبيرة التي أجبرت أن تحيا في ظل حكم مسيحي، عاشت حياة من المعاناة هي على النقيض تماما من الحياة التي عاشها المسيحيون على امتداد القرون في ظل الحكم الإسلام

العولمة بين أحلام مشروعة وأوهام ممنوعة

عدد 457 ـ رمضان 1424

د. بركات محمد مراد. أستاذ الفلسفة الإسلامية كلية التربية ـ جامعة عين شمس

مفكرة الإسلام: ظهرت العولمة Globalization وكأنها تسقط على تاريخ المجتمعات الإنسانية شروطًا جديدة لتغيير مساره التقليدي، بحيث يتمركز حول جملة من القيم والرؤى المحددة، إنها ترفع شعار توحيد القيم والتصورات والرؤى والغايات والأهداف بديلًا عن التمزق والتشتت والفرقة وتقاطع الأنساق الثقافية، ولكن العولمة في دعواها هذه إنما تختزل العالم إلى مفهوم، وتتخطى حقيقته باعتباره تشكيلًا متنوعًا من القوى سيؤدي إلى توتر يفجر نزعات التعصب المغلقة، فالتاريخ البشري لعوب في تحولاته، فكل رغبة بالتعميم والشمول قد تفضي إلى التضييق المبالغ فيه، وتنشأ رغبات احتجاجية مضادة ترفض الامتثال لعملية الدمج التي تنزع عن المجتمعات خصوصيتها الثقافية من لغة ودين وبنية اجتماعية ونفسية وأخلاقية، ويقود مسار التنازل إلى تعارض بين القيم ذاتها، إذ من الصعب الاحتكام إلى مبدأ التفاضل والتراتب حينما يكون الأمر متعلقًا بالبطانة الشعورية والثقافية للمجتمعات، لأنها نسبية، وتتحدد أهميتها من نوع العلاقة التي يقيمها الإنسان الذي ينتمي إليها.

إن العولمة تتجاوز هذه الخصوصيات وبها تستبدل قيمًا تدعي أنها عالمية، إن القول بعالمية القيم أمر فيه مجانبة للحقيقة، لأن قيم العولمة إنما هي القيم الغربية التي تبلورت ضمن المحضن الغربي خلال القرون الثلاثة الأخيرة، إنها ذات القيم التي نشرتها المركزية الغربية وطبعتها بطابعها، وكذا كانت تلك القيم قد تشكلت في بنيتها الغربية في ظل شروط تاريخية معينة، فإن نزعة التمركز الغربي عملت على تعميمها لتصبح كونية.

وكانت التجربة الاستعمارية قد أسهمت في إشاعة تلك القيم على مستوى العالم، لكن العولمة تجاوزت الأسلوب التقليدي فصاغت جملة من القوانين والضوابط الملزمة التي بها يصبح الأخذ بتلك القيم إجباريًا، ووظفت التقدم الكبير الذي بلغته الاتصالات من أجل إشاعة هذه القيم كمرحلة أولى قبل فرضها قانونيًا على العالم. كلنا مستعد للإقرار بأن للعولمة تأثيرًا على الهوية الثقافية، ولكن من الطبيعي أن كلًا منا لا يرى إلا هذا التأثير الذي يصدر عن ذلك الجانب من العولمة الذي يلمسه بيده، ومن ثم كان من الطبيعي أن يختلف المحللون لظاهرة العولمة، حول تجديد ذلك الأثر على الهوية الثقافية: ما هو بالضبط؟

هناك مثلًا من لا يرى في العولمة إلا اتجاهًا متزايدًا نحو تقيد العمل وانتشار التكنولوجيا الحديثة من مراكزها في العالم المتقدم اقتصاديًا، إلى أقصى أطراف الأرض، ومن ثم زيادة الإنتاج أضعافًا مضاعفة، وهو في سبيل ذلك مستعد لأن يغفر للعولمة أي تأثير سلبي يمكن أن ينتج منها ويذهب إلى حد القول بأن الهوية الثقافية سوف تفيد من العولمة بدلًا من أن تضار.

هناك أيضًا المفتونون بالحضارة الغربية بوجه عام، ليس فقط بكفاءتها المنقطعة النظير في الإنتاج المادي، بل وفي نقل المعلومات الغربية وتخزينها وتوافرها لمن يريد الانتفاع بها، وربما حققه الغرب في مضمار التنظيم السياسي والاجتماعي والإنتاج الثقافي، أولئك المفتونون بالديمقراطية الغربية، وبالعلاقات الاجتماعية الغربية، وبغزارة ونوع الإنتاج الثقافي في الغرب، ويتمنون لشعوبهم سرعة اللحاق بكل هذه الإنجازات ويجدون في العولمة السبيل إلى ذلك.

ومن هؤلاء من لا تثير لديهم مسألة الهوية الثقافية إلا السخرية والاستهزاء، وهناك أيضًا الكارهون للعولمة، ولكن هناك مئة سبب محتمل لهذه الكراهية، هناك من يكرهونها لأنها تتضمن مزيدًا من الاستغلال الاقتصادي: يتجلى هذا فيما تفعله الاستثمارات الأجنبية الخاصة عندما تترك العالم في البلاد الرأسمالية نهبًا للبطالة، وتذهب لاستغلال العمل الرخيص في البلاد الأقل نموًا؟ كما يتجلى في شركات الأدوية العملاقة التي تضغط من أجل أن تفتح لها كل بلاد العالم أبوابها لتحقيق مزيد من الربح على حساب مستهلكي ومنتجي هذه الأدوية داخل البلاد الأقل نموًا؟

ومن هنا يعلق الباحث 'جلال أمين': نعم الهوية الثقافية لا بد أن تعاني جراء ذلك، ولكن المعاناة هنا ليست إلا نتيجة الاستغلال الرأسمالي، إذ تحمل كل هذه الاستثمارات الأجنبية وهذه السلع المستوردة في طياتها ثقافة مغايرة تسحق ثقافة الأمم المستوردة لها، لا لغرض إلا لتحقيق مزيد من الأرباح، وحماية الهوية الثقافية واجبة في نظر هؤلاء كوسيلة للتصدي لهذا الاستغلال، إذ إن إثارة الحمية الوطنية والحماس للثقافة الوطنية قد يعطلان هذا الاتجاه لدى الرأسمالية العالمية للانتشار.

في زمن سابق كان استنزاف الإمكانات البشرية من بلدان الجنوب يتم بالاغتصاب 'اغتصاب مواطنين أفارقة من أوطانهم ومن بين ذويهم وشحنهم على بلدان أخرى بعيدة حيث يباعون كعبيد وحيث تغتصب آدميتهم منهم' وأما في الزمن الحالي، فإن استنزاف الإمكانات البشرية من بلدان الجنوب يتم ـ أساسًا ـ بالتحفيز الانتقائي، وفي كلتا الحالين، سواء بالاغتصاب أم بالتحفيز الانتقائي، فإن جزءًا من الشمال يستنزف لصالحه إمكانات بشرية من الجنوب، في الزمن السابق كانت هذه الممارسة تمثل نزفًا للسواعد والعضلات وأما في الزمن الحالي 'عصر الرأسمال الذهني' فإنها تعد نزفًا للعقول والإمكانات المعرفية.

إن إصرار القوى المهيمنة في الشمال على أن تسخر لصالحها الإمكانات البشرية في الآخر ـ وفي الجنوب ـ جعلها تقوم بتجميل عملية التسخير، حيث لا ترى هي فيها نزفًا للأدمغة Brain drainage وإنما تعتبرها حفظًا لهذه الأدمغة Saving Brain من التعرض للأذى أو التدهور أو الفقدان إذا ما بقيت في الجنوب، وذلك باعتبار بلدان وشعوب الجنوب غير قادرين على تطوير هذه الأدمغة والانتفاع بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت