وهكذا المهيمنون في الشمال يراوغون في الدوام، من أجل تعظيم مكاسبهم، بصرف النظر عما يحدث من أقلمة لإمكانات الجنوب، وفي جميع الأحوال يكونون هم ـ حسب المنطق الاستعماري ـ أصحاب الفضل، وإذا كانت عمليات الاغتصاب التي يمارسها الشمال ضد الجنوب وعلى مدى قرون تتبدل وتتنوع بين اغتصاب للمواد الخام 'المعادن ـ المطاط ـ البترول' واغتصاب للسواعد والعضلات 'استبعاد السود' واغتصاب للعقول 'نزف الأدمغة'، فإن السؤال الكبير المطروح هو كيف السبيل إلى وقف كل هذه الأنواع من الاغتصاب والاستنزاف للجنوب الذي يتم على مدار العقود والقرون لصالح دول الشمال؟
وفي العصر الحاضر يقوم العالم المتقدم ـ باسم العولمة ـ بتقديم المسكنات لعالم الجنوب المتخلف في صورة وسائل تسلية وإعلام، من أجل إلهائه وتخدير أجهزته المناعية، عما يحاك له في الخفاء، ومن حسن الحظ أن الصحفي الألماني النابه 'هانس بيتر مارتن' كان أحد ثلاثة صحفيين فقط من كل أرجاء العالم سمح لهم بحضور لقاء غير عادي عقد في سان فرانسيسكو في سبتمبر عام 1995م، ومع خمسمائة من القادة على المستوى العالمي في مجالات المال والسياسة والاقتصاد.
كان صاحب الدعوة لهذا اللقاء مع 'ميخائيل جورباتشوف' من خلال معهده الذي كان قد تم تأسيسه في الولايات المتحدة بواسطة تبرعات بعض الأثرياء الأمريكيين، وكان مكان اللقاء فندق 'الفيرمونتو' الشهير، وحضره شخصيات مثل 'جورج بوش' و'مارجريت تاتشر' ورئيس مؤسسة CNN ورؤساء بعض الشركات العملاقة المتعددة الجنسية.
لقد شكل هذا اللقاء بالنسبة للصحفي 'بيتر مارتين' أحد المعابر الرئيسية المهمة التي ساعدته هو وصديقه 'هارالد شومان' على تكوين نظرة مختلفة لمسارات وتتابعات العولمة، أدت بالصديقين الألمانيين إلى إصدار كتابهما الشهير 'فخ العولمة' عام 1997م، ومن خلال 'فخ العولمة' نقل إلينا 'هانس بيتر' مصطلحًا جديدًا وهو 'تيتي تيمنت' Tittytainnment كعنوان لأطروحة مهمة ناقشها 'كبراء العالم' المجتمعون في 'الفيرومونت'.
كان صاحب الأطروحة وناحت المصطلح هو السيد 'زيجينو بريجينسكي' البولندي الأصل. الذي كان مستشارًا للأمن القومي في إدارة الرئيس الأمريكي 'كارتر'، وحسبما شرح 'برجينسكي' للمجتمعين فإن كلمة Tittytainnment مصطلح منحوتة من Entertainnment 'تسلية' وTits 'حلمة' وهي الكلمة التي يستخدمها الأمريكيون للثدي 'دلالا' لقد بين 'برجينسكي' أنه يستخدم هذا المصطلح للإشارة إلى 'الحليب الذي يفيض عن ثدي المرضع، فبخليط من التسلية المخدرة والتغذية الكافية يمكن تهدئة خواطر سكان المعمورة المحبطين'.
وهكذا كانت الأطروحة تختص ـ موضوعيًا ـ بما يمكن أن نطلق عليه 'حملة العولمة' من حيث هي 'ميكانيزم' لتسكين خواطر المحبطين 'في كل أنحاء العالم' جراء الرياح العولمة التي يصطنعها هؤلاء القادة 'العولميون' وغيرهم زمن وهنا يؤكد الدكتور 'جلال أمين' على أن التركيب البنائي للفكر البرجينسكي وكذلك للقاء 'الفيرمونت' يجسد حقيقة مهمة، وهي أن شعوب العالم ومصائره ليست عند هؤلاء القادة أكثر من كرة صغيرة يسعون للهو بها، وحتى يستمر هذا اللهو لأطول زمن ممكن، عليهم أن يعملوا على أن تستمر الكرة مجرد كرة، وألا يحدث لها أو فيها أي تعديل أو انفجار.
ومن هنا كانت سياسة 'الحملة'، التي تعد بمثابة آلية استراتيجية في إطار مناخ للعولمة والذي تهيمن اتفاقيات التجارة الدولية 'من خلال منظمة التجارة العالمية' وتتلاشى الحدود وتتكسر الوطنيات، وتضمحل الصناعات المحلية وتتعاظم أحجام ودورات الأموال القذرة dirty money 'الناتجة من المضاربات' وتضعف اتحادات ونقابات العمل والمهنيين، وتتقلص إمكانات الحكومات 'في الدول لنامية' ذلك بينما يتضخم نفوذ الشركات متعددة الجنسية وتتعاظم أنشطة الدعاية والإعلان والترويح الاستهلاكي، كل ذلك بينما يتزايد انفكاء جزء كبير من النخبة المثقفين والمفكرين والعلماء على الذات المحدودة جدًا، من أجل الحفاظ على إمكانية مجاراة التطورات المالية والاستهلاكية.
وفي الحقيقة فالحملة موجودة حتى قبل أطروحة 'برجينسكي' وصناعات التسلية الأميركية بالذات قد حققت تطورات وانعكاسات اقتصادية واجتماعية مذهلة على المستوى العالمي، وذلك بالإضافة إلى القدرة الأميركية الضخمة في مجالات الدعاية والإعلان والترويح الاستهلاكي باستخدام أحدث وأرقى وأغلى التكنولوجيات.
وهذا ما دعا 'هانس ـ بيتر مارتين' في 'فخ العولمة' إلى القول أنه لم يعد ثمة شك في أنه لو طلب من سكان المعمورة التصويت لأي أسلوب في الحياة هم يفضلونه، لكان بوسعهم ذلك، فهناك ما يزيد على خمسمائة قمر صناعي تدور حول الأرض، مرسلة إشارات لاسلكية للحداثة التي صارت تنعم بها بعض الشعوب، فبواسطة الصور الموجودة على شاشات مليار من أجهزة التلفاز تتشابه الأحلام والأماني، على ضعف الأمور ويانغ نسه Jang Tse والأمازون والغانج والنيل، لقد 'اقتلعت' الأطباق المستقبلة لما ترسله الأقمار الصناعية، وكذلك مولدات الكهرباء العاملة بالطاقة الشمسية إلى المناطق النائية غير المربوطة حتى الآن بالشبكة الكهربائية، كما هو الحال في النيجر في غرب أفريقيا، ملايين من البشر 'من حياتهم القروية رامية بهم في خضم أبعاد فلكية' كما قال 'برتران شنايدر' Bretrand Schneider الأمين العام لنادي روما.
وبهذا فإن المعركة الدفاعية التي يشنها الحاكمون في الصين ضد رسائل الفاكس والبريد الإلكتروني [E.mail] ومحطات البث التلفازي لم يعد القصد منها الوقاية من نسق اجتماعي مختلف، بل هي تهدف إلى المحافظة على ما يتمتعون به من سلطان، وحتى في كوريا الشمالية وبعض البلدان الإسلامية، حيث تستنكره الصور التي تبثها محطات التلفاز التجارية العالمية، حلت الصور الفوتوغرافية والأقاصيص ذات الصور الدقيقة مكان المحطات التلفازية هذه وأخذت تنتشر على مستوى عريض.
ويؤكد 'هانس ـ بيتر مارتين' أنه لو قدر لستة المليارات إنسان الذين هم تقريبًا سكان المعمورة أن ينتخبوا الحياة التي يريدونها، لا ينتخبوا الغالبية العظمى منهم حياة الطبقة الوسطى السائدة في واحد من أحيان سان فرانسيسكو، لقد بدأت وسائل الاتصال والإعلام تصوغ وعي الشعوب صوغًا يرمي إلى تقبل نسق القيم الغربية، وفي خطوة لاحقة سيصار إلى تشريع المعايير اللازمة لتطبيق ذلك، وهو ما سيفضي إلى استبعاد كثير من التشكيلات الثقافية والقيمية الأصلية، والمفارقة بين العالم التقليدي لن يأخذ من عالم الحداثة إلا كل ما هو سطحي وبهرج وزائل غير متأثر بقيم علمية وحضارية ثابتة، كما أن ما تفعله التكنولوجيا الحديثة بهوية الإنسان داخل الدولة الواحدة ـ تفعل مثله بثقافات الأمم في العالم ككل، فكما خلبت التكنولوجيا الحديثة لب الفرد حتى استسلم لها، خلبت لب الأمم فضحت الواحدة بعد الأخرى بجزء بعد آخر من استقلالها الثقافي، وكما استخدمت التكنولوجيا الحديثة من جانب طبقة لقهر الطبقات الأخرى داخل الأمة الواحدة، استخدمت من جانب الأمم المتقدمة لقهر سائر الأمم.