ومن هنا يرى الدكتور 'عبد الله إبراهيم أن العولمة تشطر العالم إلى شطرين، وتعمق بينهما التناقض، عالم تمثله المجتمعات التقليدية، وتقوم العلوم بوضع التقنيات الحديثة والاتصال تحت تصرفه، فيقوم من خلالها بإعادة إنتاج الأفكار التقنية الموروثة دون أن يتمكن من الانخراط في تحديث نفسه على مستوى إنتاج المعرفة التعليمية العقلية التي يشترطها كل تحديث مهما كانت سياقاته الثقافية، وعالم آخر أنجز رهان الحداثة، وهضمها، وتمثله المجتمعات الحديثة، وفيها تقوم العولمة بتحدي المعرفة وتجديدها بشكل مطرد.
وثمة فرق كبير بين إعادة إنتاج معرفة تقليدية بوسائل حديثة، وإنتاج معرفة جديدة بوسائل حديثة، فذلك سيفضي إلى أن المجتمعات التقليدية ستطوي على نفسها، وتشغل ببعث الأفكار الموروثة الخاصة بها والتي حجزتها ضمن نسق اجتماعي ثقافي شبه مغلق، إنها ستكون بعيدة عن إنتاج المعرفة المطلوبة من أجل التحديث.
وفي الوقت نفسه ستستأنف المجتمعات الحديثة تطوير المعرفة من آخر نقطة وصلت إليها، وحسب التحليل المعرفي ـ ووفقًا للرؤية السابقة ـ سترتمي المجتمعات التقليدية في أسر تصور ما للماضي وتجعله هدفًا لها، فيما سيكون المستقبل هو هدف المجتمعات الحديثة، وحتى تلك الوسائط التقنية التي ستضعها هذه المجتمعات التقليدية لبعث الفكر التقليدي ونشره كما بدأت تظهر إلى العيان بوادر ذلك.
وبهذا ستكون العولمة بمواصفاتها الحالية من الأسباب الجوهرية لاتساع الهوة الثقافية والعلمية بل والحضارية بين عالم الجنوب المتخلف وعالم الشمال المتقدم، وفي الحقيقية تعتبر الثورة الصناعية الثالثة من المصادر الرئيسة للتغيير والتحول الذي شهده ويشهده العالم في الوقت الراهن، وتستند هذه الثورة إلى إنتاج العقل البشري المتدفق واللانهائي من الأفكار والمعلومات والمعرفة المكثفة، وتمثل أبرز مظاهرها في التقدم التكنولوجي الهائل، وبخاصة في مجالات الاتصالات والمعلومات والفضاء والحاسب الآلي بأجياله المختلفة والإلكترونيات الدقيقة والهندسة الوراثية.
وهكذا فإن هذه الثورة تمثل حجر الزاوية فيما يعرف بـ'مجتمع المعلومات' الذي يجسد العديد من مظاهر 'العولمة' ولا شك أن الثورة الصناعية الثالثة وما يرتبط بها من تحولات إنما تمثل نصرًا مهمًا لإعادة تعريف عناصر القوة والتأثير، فضلًا عن إعادة تعريف بعض المفاهيم الرئيسية مثل: السيادة والأمن والحدود الدولية ...إلخ، ونظرًا لأن هذه الدول الصناعية المتقدمة والشركات العالمية عابرة لحدود الدول هي التي تتحكم بدرجات مختلفة بأشكال مختلفة في مسارات هذه الثورات واتجاهاتها، فالمؤكد أنها أسهمت، وتسهم في تعميق الهوة بين الشمال والجنوب، وبالتالي زيادة تهميش معظم دول الجنوب، وبخاصة في ظل ضعف قدرات وإمكانات هذه الدول على استيعاب هذه الثورة أو الاستفادة منها أو التكيف مع مخرجاتها.
وبالإضافة إلى ما سبق، فإن الثورة الصناعية والاجتماعية قد أدت وتؤدي إلى إعادة تشكيل خريطة العلاقات والتوازنات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ليس على صعيد العلاقات بين الدول فحسب، ولكن على صعيد الدول ذاتها أيضًا.
وقد يكون صحيحًا إلى حد بعيد أن دعاة العولمة، بمفهوم الهيمنة والسيطرة على العالم، وليس بمفهوم بناء المشترك الإنساني، الذي يحتفظ بالتنوع ويقوم عليه، ويعتبره أساس النمو الحضاري، والتقدم وإثارة الاقتداء والفاعلية، وتجميع الطاقات، للإقلاع الحضاري، حاولوا التمهيد، وتأهيل الشعوب وترويضها للقبول بالعولمة، التي تعني التسلط والاستعمار، بصيغ قديمة متجددة.
كل ذلك لإدخال الأمم والشعوب في مرحلة 'الوهن الحضاري' وذلك بإقامة الاستبداد السياسي ومساندة العولمة، لأنها تدمر الثقافة، والتربية والتعليم، والاقتصاد، وتغرس صفات الذل واليأس في النفوس، وتجعل المجتمعات هشة، وسريعة العطب، والانكسار والاستسلام، وحتى الميل للانتحار الجماعي أملًا في الخلاص.
هل يتعين أن نذكر سلسلة الانتحارات الجماعية وبطائفة 'بوابة السماء' كما رأيناها متسمية بأسمائها، وبغير أسمائها؟ إذ تدين بعبادة 'سفن الفضاء' أو نذكر كيف ازداد المجتمع الأميركي يومها اهتزازًا وهلعًا بعدما تابع تفاصيل الأشرطة التي تركها المنتحرون وتبين للجميع أن الذي أعانهم على الإمعان في تصوراتهم وزادهم إصرارًا على ضرورة الانفلات من قبضة الأرض والخروج إلى الفضاء الرحب الفسيح عمق خبرتهم بالكمبيوتر وطوال عشرتهم للشبكات المندمجة والعنكبوتية التي توجهها الإنترنت، أم قد يكفي أن نورد الإحصاءات التي ضبطت نسبة الحمل بين الفتيات المراهقات في بعض المجتمعات الحملة للواء الأممية الجديدة، وهل ستنسى ذاكرة الإنسان المعاصر فظاعة مجازر الأطفال من بنين وبنات ضمن تجارة الجنس بالأحداث بعد اختطافهم وذلك في شبكة من الأخطبوط السلمي المتدرج إلى أعلى هرم المجتمع الأوروبي، وبخاصة في بلجيكا وفرنسا، وقد جاءت الصورة مروعة إنها تشكلت بآليات التجارة والاستثمار: فيها الكفلاء وفيها الوسطاء، وفيها من عليه القوم ومن يغطي ويستر ويستدر العائدات بحيث كدنا نشارف تدويلًا تجاريًا، وعولمة جنسية، وأممية في ممارسة الشذوذ الجنسي.
إن الحالة الراهنة والأنماط المستقبلية بالنسبة للحقوق والعدالة الاجتماعية الجدية تعتمد بشكل أساسي ـ كما يذكر أستاذ القانون 'ياشي كاي' على التفاعل بين العولمة والتمويل، إن تأثير العولمة، ليس متطابقًا بين الطبقات أو الدول، فبعض الدول أكثر قدرة على استغلال الفرص التي توفرها العولمة، بينما تعجز دول أخرى عن مواجهة سطوتها، بعض الفئات أو الطبقات تستفيد من العولمة بينما يعاني بعضها الآخر منها.
بصفة عامة تستفيد من العولمة المؤسسات والطبقات الأكثر قدرة على تنظيم نفسها، عبر القوميات في تنظيمات دولية، بينما يبقى الآخرون تحت رحمة العمليات العالمية، لقد أثرت العولمة على كل من إطار الخطاب وممارسة حقوق الإنسان بشكل جذري، وقليل من القضايا المثارة جديدة، ولكن سياق التحليل قد طرأت عليه الكثير من التعديل، على سبيل المثال فقد وفرت العولمة زاوية جديدة لواحدة من أكثر القضايا جدلية وهي هل الحقوق عالمية أم خصوصية؟ وقد أثارت الجدل والحوار حول من هم المستفيدون الحقيقيون من نظام الحقوق، ومن يتحمل مسؤوليتها؟
وقد أكدت أيضًا على الحوار الخاص بالعلاقة بين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وبين الحقوق السياسية والمدنية وأيهما له الأولية على الآخر؟ كما أنها من ناحية ثالثة أثارت الأسئلة حول أساليب تطبيق هذه الحقوق ومسؤولية المجتمع الدولي في حمايتها وطبيعة سيادة الدولة.
وقد أثارت العولمة ـ بشكل متناقض ـ وعيًا عالميًا وأنعشت في الوقت نفسه نزعة إلى التعصب القومي، إن انتشار الآليات الدولية لحقوق الإنسان، من سهولة الاتصالات وازدياد المعرفة ببقية أنحاء العالم .. إلخ، قد ساعد على تنمية المنظور الكوني إلى مجموعة من القضايا المحلية والدولية، ولقد نشأت الكثير من الشبكات غير القومية لمتابعة العديد من القضايا والاهتمامات الخاصة بالجماعات المهنية والجماعات النسائية بالانتماء لكيانات غير قومية تمتد فيما بعد خارج حدود الدولة الأم.