فهرس الكتاب

الصفحة 1474 من 1942

وهذا الوعي يترسخ مع زيادة انتقال الناس عبر الحدود القومية 'بالاختيار الحر أو نتيجة كونهم ضحايا القهر' تكتسب الشعوب أيضًا معرفة بمختلف الثقافات ويعيشون في جماعات متعددة الثقافات، ولكننا نرى أن تدويل القيم والمؤسسات يعزز نوعًا من العشوائية والاغتراب والخوف لدى الكثير من الأفراد والجماعات، إن زحف حدود السوق يهدد مجتمعات كانت قد حافظت لوقت طويل على ثقافتها وأساليب معيشتها على مدى أجيال طويلة 'مثل السكان الأصليين الذين تحتوي مساكنهم على الكثير من الثروات الطبيعية' ويكون رد الفعل غالبًا رفض تلك المؤسسات العالمية ـ والتي غالبًا ما تهيمن عليها الدول الغربية الكبرى ـ وفي بعض الأحيان تتمسك هذه الشعوب بثقافتها الأصلية، وأحيانًا، بل غالبًا بشكل سلبي في أنحاء كراهية الأجانب، ما يؤدي لإنماء متعمد للولاءات والانتماءات الضيقة.

إن النظام العالمي الجديد يقوم على مسلمة أساسية هي إيجاد ما يشبه الحكومة العالمية ولو من خلال بناء المجتمع المدني العالمي أولًا، ولعل مؤتمرات الأمم المتحدة التي بدأت بمؤتمر الأرض ثم السكان ثم المرأة ثم المسكن، ثم الدعوة إلى إنشاء المجتمع المدني العالمي التي أصدرتها لجنة شؤون المجتمع العالمي تؤكد على ذلك وتؤسس له، ومن أهم العقبات أمام سريان النظام العالمي الجديد واستقراره حدوث خروج على قيمه ومعاييره التي من أهمها إزالة الخصوصيات وتذويبها وتحويل العالم إلى نسق واحد تحدده قيام النظام العالمي الجديد. ولعل الموقف من الصين في موضوع حقوق الإنسان ثم الحظر على كوريا الشمالية وكوبا وليبيا والسودان والعراق سابقًا وإيران لا يخرج عن رفض النظام العالمي الجديد لأي مخالفة لمعاييره وقيمة العالمية، ومن خلال إطار تحكم خمسة من الاحتكارات تعتبر قانون العالمية المعاصرة كما يلي هي:

ـ الاحتكار التكنولوجي.

ـ احتكار التحكم في أسواق التمويل المالي العالمي.

ـ احتكار أسلحة الدمار الشامل.

وهذه الاحتكارات تجعل من استمرار العالمية أكثر احتمالًا من الانتقال إلى عصر الخصوصيات، ويجب أن نعي أن الخصوصية الحضارية، هي مرتبة وسطى في بناء حضارة من الحضارات إلى علاقة حضارتهم بغيرها من الحضارات، وسطي بين 'المغايرة الكاملة' وبين 'التماثل والتطابق والتأمين'، فالخصوصية تعني 'التمايز' الحضاري 'والتمايز' وسط بين 'الوحدة' وبين 'الفصل التام' وهذا يعني وجود مشترك إنساني عام بين مختلف الحضارات، لا تتمايز حقائقه وقوانينه ومعارفه باختلاف الحضارات وتعددها، ووجود خصوصيات تتمايز فيها وبها كل حضارة عن غيرها من الحضارات .. فمثلًا الإنسان يشارك كل بني جنسه، في الإنسانية والخلق وفي كثير من المعارف وحقائق الأعضاء ووظائفها، ولكنه يتميز بالنفس والروح والمشاعر والمميزة لذاته، وبالبصمة التي لا يشاركه فيها سواه من بني الإنسان.

ولذلك يؤكد الدكتور محمد عمارة على أنه كانت 'الحداثة الغربية' هي داعية 'القطيعة المعرفية' مع الموروث، لأنها تتغيا إحلال 'عصرها الغربي' محل 'موروثنا الإسلامي' فإن المنهج الوسطي في علاقة 'العصر' بـ'الماضي' وعلاقة المعاصرين بـ'الأسلاف'. ومن هنا يميز التجديد بين 'المقدس الإلهي' وبين الاجتهاد الفكري والتجارب الإنسانية، فيلتزم بالأول ـ مع فقهه ـ ويحتضن الثاني ـ مع النقد والاختيار منه، والبناء عليه، والتجديد فيه، فالتجديد تطور، لكنه يتم داخل النسق الفكري وانطلاقًا من ثوابته، والتزامًا بالمقدس الذي تخلق من حوله ذلك النسق الفكري، وبهذا يفترق عن كل من 'الحداثة' و'التقليد' ففيه 'اتباع' في 'الثوابت' وتجديد في المتغيرات.

إن لحظة التوق إلى الأمة العالمية، أو الحضارة الإنسانية الجديدة توحي أكثر بالمعاني السامية للفكر الإسلامي في تعامله مع النصوص المرجعية، وتؤكد على ثوابت الإسلام وضرورة التمسك بها، على الرغم من الحاجة الشديدة في العصر الحديث إلى إعمال الاجتهاد وبذل الجهد الإنساني في تحصيله وتفعيله، وأهم مبادئ الإسلام وثوابته، أفكار محورية مثل فكرة الاستخلاف في الأرض، وفكرة الأمانة التي حملها الإنسان وفكرة أن المبشرين بالإسلام بمعناه التوحيدي هم خير أمة في العالم لأنهم يعرفون المعروف ويأمرون به ويعرفون المنكر وينهون عنه وهي كلها مقولات ووظائف لها الأخلاقية والتعالي والمصداقية مع ما يتطلع إليه اليوم الفكر الساعي عبر العولمة إلى تحديد إطار مرجعي عالمي جديد، ففكرة الاستخلاف تنطوي على احترام الإنسان للطبيعة، فضلًا عن احترامه للإنسان ذاته والمجتمع وتعظيم الله، وهو ما يمكن التعبير عنه في الوقت الراهن بالانتقال من العقد الاجتماعي 'جان جاك روسو' إلى العقد الطبيعي 'فيشر سير' كما أن مفهوم الأمة التي وصف بها إبراهيم عليه السلام في القرآن الكريم يسهم في استقطاب جميع الأديان التي تنادي بوحدانية الله في جميع الديانات السماوية، ويعزز هذا المفهوم أيضًا إشكالية الخوض في حوار ديانات وحضارات وانطلاقًا من مبدأ التسامح الذي توفره اللحظة العولمية، وهذا ما كان غائبًا إلا في لحظات قليلة، قبل اليوم، علاوة على أن فكرة الأمانة: {إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب:72] ، منوطة بالإنسان وتنطوي على الحرص على الآخرين ومسؤولية الأقوياء على الضعفاء، إن في المجتمع الواحد أو في المجتمع الدولة.

إن وظيفة الإنسان المؤمن الصالح لكل العالم، الذي تأخر مجيئه، تجد مجالًا رحبًا لما يعرف بـ'مجتمع الذات' Soclelste أي المجتمع الذي يجد فيه الإنسان الذي يخاطب استمرار طاقاته الروحية والمادية لصالح المؤسسات الاجتماعية، وهكذا فالإنسان الذي يخاطب جميع جوانبه وأبعاده لا يصير مجرد رقم أو فرد، وإنما تربطه مع بقية المواطنين جملة من العلاقات الإنسانية تحدده، ويتحدد بها مع الآخرين، وما يعزز هذا التوجه هو انتقال الحديث عن 'حقوق الإنسان' عندما تعني الرجل وأبعاده المادية إلى حقوق الإنسانية Les droit Humains حيث يراد بها ليس فقط الرجل وإنما المرأة أيضًا علاوة على الاهتمام بالحقوق الداخلية أو الروحية.

فوعي الإنسان بكل أبعاده وذاتية المجتمع الذي يعيش فيه من اللحظة العالمية والتفكير في صالح العالم.

يساعد على ازدهار الشخصية والرفع بها إلى مجالات أرحب لتصوغ فقرات كاملة من البيان العالمي للحضارة الإنسانية الجديدة، تخاطب الجميع لأنها من الجميع.

وبصفة عامة فقد تعددت اتجاهات التفاعل مع العولمة بين المسلمين، وهي تتراوح بين اختيار إيجابيات العولمة حتى الدعوة لقيادة المسلمين في هذه المرحلة، وفي كل الأحوال أصبحت ردود الفعل جميعها أكثر واقعية وتكيفيه، وخمدت النزعة الصراعية نسبيًا، وهناك اتجاه بارز هو أن المسلمين قادرون على أن يوجهوا بوصلة سير العالم مستقبلًا، إن صدقت النيات واجتمعت العزائم، يقول الدكتور المسيري: 'وعلى المستوى الثقافي نجد أن الهيمنة الغربية الثقافية بدأت في التراجع، والنموذج الغربي لم يعد جذابًا لا بشخصه الرأسمالي، ولا بشخصه الاشتراكي، بمعنى أن الاختراق الداخلي لهذه الحضارة، قد حدث، فالنظام الاشتراكي قد انهار والنظام الرأسمالي أصبح في أزمة'. وهذا المدخل يعني أن الساحة قد أصبحت خالية أو مهيأة لأن يحل البديل الإسلامي محل النظم السابقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت