إلا أن هذا التحليل الذي قدمه ابن خلدون فيه نقص لأنه لم يدرس حالات أخرى حيث لم يعمم الظاهرة، كما أنه لم يشر إلى الأسباب التي يمكن للدولة الإسلامية بها أن تتجدد أو أن يطول عمرها كأن تطبق هذه الدولة الروح الإسلامية.
ومع ذلك فلاشك في أن ما قدمه ابن خلدون من دراسة الظواهر الاجتماعية كالبداوة والحضارة والتعليم والحرف والصناعات والمدن والريف والتقدم والتأخر قد أفاد الدارسين لها فيما بعد إفادة عظيمة ..إضافة إلى أنه لم يسبق إليه أحد قبله، وحتى الذين سبقوه في دراستها جاءت دراساتهم بطريقة مجتزأة .. حتى الفلاسفة الأقدمون كاليونانيين لم يكن عندهم هذا التركيب في الدراسات الخاصة بهم .
وابن خلدون لاشك استفاد من القرآن الكريم والثقافة الإسلامية في دراسة هذه الظواهر، وهذا هو سبب إبداعه، فدراسة السنن القرآنية أعطته بعدا أكبر وأعمق .. حتى المصطلح الذي اخترعه وسماه علم العمران هو أدق من كلمة علم الاجتماع الذي اصطلح عليه المتخصصون فيما بعد ويكفي أنه أول المؤرخين الذين تكلموا في الظاهرة الاجتماعية وتحدث دائما عن غاية الإنسان وهي عمران الأرض .
** لكن ما موقف الغربيين من ابن خلدون وهل أشاروا إليه أم تجاهلوه ؟
* الغربيون يمدحون ابن خلدون أحيانا بشكل يكون مبالغ فيه حتى أن المؤرخ المشهور ' توينبي ' يقول إن المقدمة أعظم عمل في تاريخ البشرية .. وأنا شخصيا أعتقد أنهم لاشك استفادوا كثيرا من ابن خلدون، إلا أن الكثيرين منهم أيضا لا يذكرون هذا صراحة .. فالمؤرخ الإيطالي ' فيكو' في تقسيمه لبعض أدوار التاريخ يشابه ما قدمه ابن خلدون ومع ذلك لا يذكره .. فهل هو قرأ ابن خلدون ولا يذكره .. ربما .
وأول من اكتشف أهمية المقدمة هم المؤرخون العثمانيون في بداية ' العصر الحديث ' ثم المستشرقون الغربيون الذين كتبوا عن المقدمة كثيرا بينما بقية المسلمين في حالة تخلف .. العثمانيون اكتشفوها لأنهم كانوا يريدون أن يكتبوا عن أسباب انهيار الخلافة العثمانية في آخر أيامها.
وأخلص من ذلك بالقول بأن الغربيين أحيانا يستفيدون من العلوم الإسلامية لكن لا يظهرون ذلك، وهو نفس ما حدث من قبل عندما استفادوا من العلوم الإسلامية في الأندلس ولم يشيروا إلى ذلك .. وهذه دائما عادتهم لأن المنصفين منهم قليلون .
** لكن البعض يشكك في أصالة الأفكار الإسلامية في نظريات ابن خلدون مستندين في ذلك إلى الهجوم الذي شنه على العرب ؟
* هذا كلام انتهى .. الذين شككوا في أصالة أفكار ابن خلدون لأنه يهاجم العرب مثل طه حسين لم يفهموا ماذا يقصد ابن خلدون بالعرب في مقدمته إلا أنه بعد ذلك اتضحت الصورة حيث إن العرب عنده ظاهرة البداوة ' الأعراب ' ولكن لا شك أن ما يجب أن يوجه لابن خلدون من انتقاد فيما يخص أرائه ونظرياته هو أنه كان شديد الواقعية ولا يتكلم عما يجب أن يكون وما هي البدائل وما الطريقة الصحيحة وما تطلعاته وآماله؟ وكيف يكون إصلاح المجتمع الإسلامي؟ فهو لا يتكلم أبدا عن هذه النواحي .. فالعلماء مثلا يقولون بالرجوع إلى المصادر الأولى للإسلام لكنه لا يتطرق إلى ذلك وهذا مما يؤخذ عليه ... لذلك فإن الذي يقرأ المقدمة يتعجب .. وربما يصف الرجل بالتشاؤم.
** في رأيكم هل تتشابه ظروف الأمة الآن مع ظروف انهيارها أيام التتار والحملات الصليبية؟ ما أوجه الشبه والاختلاف؟
* لقد كتبت حول هذا الموضع في كتاب 'هل يعيد التاريخ نفسه' وخاصة فترة ما قبل صلاح الدين الأيوبي .. ووصلت إلى أنه لا يوجد شيء يعاد ويكرر نفسه تماما ولكن يوجد تشابه أحيان بين الأحداث.. فالتاريخ يعيد نفسه ولكن ليس بنفس الصورة ولكن بما تحمله الأحداث من تشابهات، فطبيعة الإنسان من الجشع وحب الخير والمادية وغير المادية وحب الرئاسة كل هذه أمور ثابتة وموجودة.
فالتفرق في الأمة نوع من التشابه بين الحالتين الماضية والحاضرة .. وظاهرة الدول الصغيرة نوع من التشابه وحتى احتماء بعض الدول أو التجاء بعضها للغرب في مواجهة دول إسلامية أخرى نوع أيضا من التشابه.
وأضرب لذلك مثالا واضحا .. فأول حملة صليبية وصلت إلى مدينة ' أنطاكية ' استنجد أميرها بالمسلمين لمدة 9 أشهر دون نجدة لأن حاكم دمشق كان يخشى من حاكم حلب والعكس .. فحالة الأنانية وحب الرئاسة أدت إلى سقوط أنطاكية ... كذلك في الأندلس حدث نفس الشيء عندما ازدادت الهجمة وبدأت أوروبا في استرداد المدن الأسبانية التي كانت تحت حكم المسلمين آنذاك كان بعض الحكام يستنجدون بالأسبان على إخوانهم المسلمين في سبيل الحصول على مكسب أو مدينة أخرى.
ومع ذلك فإن الذين يقولون إن الوضع الآن أسوأ من جانب ما صحيح لكنه ليس صحيحا تماما .. فالفرق بين الوضع الآن والوضع في الماضي هو أن الأمة الإسلامية وحضارتها كانت لا تزال متفوقة رغم الانهزام العسكري والسياسي .. لذلك فإن التتار بعد الاحتلال أسلموا لأنهم وجدوا أنفسهم لا شيء أمام الحضارة الإسلامية .. بينما الآن قسم من الناس مسلوب العقل أمام الحضارة الغربية، لكن أيضا حتى لا نكون متشائمين فما زال هناك وعي، وجزء من الأمة واقف يواجه الغزو الغربي .. ومظاهر هذا تتمثل في إحياء فكرة الجهاد ضد العدو في فلسطين والعراق وأيضا عمليات الإحياء العلمي الحاصل في الخمسين عاما الماضية.
** عاش في الدولة الإسلامية أقليات وعرقيات كثيرة ومع هذا استوعبتهم ولم تكن هناك مشكلات .. كيف يمكننا استحضار التعامل الإسلامي السابق مع مشكلات الأقليات والعرقيات الحالية؟
* مشكلة الأقليات مشكلة مفتعلة والأمريكان والغربيون هم من افتعلوها وخاصة في السنوات الأخيرة .. فالمجتمع الإسلامي عاش مئات السنين ولم تكن هذه المشكلة موجودة .. قامت دول بكاملها كثيرة في المغرب، أصحاب هذه الدول كانوا من البربر مثل المرابطين والموحدين ولم تكن هناك مشكلة ولا حساسية لأنهم جميعا مسلمون .. كذلك فإن الإسلام هو من جعل المماليك يحكمون مصر والشام لمئات السنين.
ولو كانت هناك مشكلة ما كان ليأتي حاكم تركي مثل ' نور الدين محمود' أو كردي مثل 'صلاح الدين الأيوبي' .. لم يكن يوجد مشكلة اسمها الأقليات.
وفي العصر الحديث نجد 'ابن باديس' ينتمي لأكبر عائلة بربرية في الجزائر وهو الذي أحيا اللغة العربية في الجزائر من خلال جمعية العلماء المسلمين في مواجهة محاولات فرنسة الجزائر .. وفي العراق وسوريا كان يوجد وزراء ورؤساء وزراء من الأكراد ولم يخطر على بال أحد أن يرفض هذا من منطلق أنهم من الأكراد .. لم تكن هذه المشكلة موجودة كلهم كانوا عربا ومسلمين.. فمن تكلم العربية فهو عربي .
أما بالنسبة للأقليات الأخرى غير الإسلامية فقد عاشت في ظل الحضارة الإسلامية ولم يظلموا أبدا ونحن نتحدى إذا كان بالتاريخ الإسلامي ظلم للأقليات ولو ظلموا لهاجروا فهم ما زالوا موجودين في كل مكان من أرض الإسلام.
ويشهد بهذه الحرية التي عاشتها الأقليات في ظل الإسلام عقلاء هذه الأقليات وانظر مثلا إلى قول أحدهم وهو مكرم عبيد الذي كان وزيرا في مصر قبل عام 1952 ' أنا مسلم وطنا مسيحي العقيدة ' .
إذن فالحقيقة أنها مشكلة مفتعلة من الغرب وقد أججها زعماء هذه الطوائف ليكرسوا زعامتهم باسم حماية الطائفة والاستنجاد بالآخر .. وهذا كله غير صحيح.
**هل تحمّلون قادة الأمة وحكامها مسئولية الانهيار الحالي؟ وما دور الشعوب في مواجهة فساد الحكام؟