ويشير ممدوح إسماعيل إلى أن هناك البعض ممن يرددون كلاما أقل ما يوصف به أنه كذب فاضح حول أن الشريعة الإسلامية مطبقة في بعض البلدان بنسبة 95 % لأن هذا الكلام إنكار لمعلوم من الدين ومعلوم لمن لديه أبسط معرفة بقواعد القانون التي تحكم البلاد العربية والإسلامية فهي غير مستمدة من الكتاب والسنة وما حدث أن تم تنحية الكتاب والسنة كمصدر تشريعي وتم استيراد القوانين الأنجلوساكسونية والفرنسية وغيرها.. كما تم في بداية القرن العشرين وضع لجان من مختلف القانونيين الفرنسيين والبريطانيين ووضع البذور الأولى للقوانين المعمول بها الآن حيث تم اتخاذ الشريعة كمصدر من مصادر التشريع وليس مصدرا أوليا لأنهم وجدوا أن مصادر التشريع في القوانين الأوروبية واليونانية وحتى 'حمورابي ' فيها نقصا لن تسده قواعد القانون فلجأوا إلى الشريعة لسد هذه النقص .. ومثال ذلك القانون المصري الجنائي فهو أبعد ما يكون بنسبة 100 % عن الإسلام وليس فيه استنباط من أحكام الشريعة مطلقا بل عندما نقلوا القوانين 'مصروا' بعض القوانين وبعضها لم يستطيعوا تمصيرها فنقلوها نقلا حرفيا ووضعت هكذا نقلا من القانون الفرنسي.
أما ما يقال عن وجود الشريعة في الحكم فهذه فرية واضحة لأن الشريعة في الكثير من البلدان منحصرة فيما يخص قوانين الأحوال الشخصية .. وحتى في ذلك تم تحريف الكثير منها فيما يخص المواد التي تتعلق بحقوق الرجل والمرأة حيث أعطوا للمرأة حقوقا تفوق ما للرجل .
ما أريد قوله إن مرجعية الشريعة في الحكم تفرض على المشرعين ألا يلجأوا إلى أي مرجعية أخرى حتى تكون الحاكمية لله بداية ونهاية .. وهذا غير معمول به مطلقا ففي القضاء المصري يجب على القاضي أن يحكم بالقانون الوضعي فإذا لم يجد نصا في الواقعة التي أمامه يلجأ إلى العرف فإن لم يجد في العرف ما يعينه على الحكم يلجأ إلى الشريعة الإسلامية .
الإسلام يكفل لأفراده المحافظة على الحقول الأساسية
أما الدكتور حامد طاهر نائب رئيس جامعة القاهرة وأستاذ الفلسفة الإسلامية فيؤكد أن تخلف المسلمين في العصور الأخيرة لا يرجع أبدًا إلى الإسلام ، بل أنه يرجع في المقام الأول إلى البعد عن تعاليم الإسلام، وأحيانًا عدم فهمها فهمًا صحيحًا. وهناك عوامل كثيرة وراء تخلف المسلمين لا يصعب على العاقل أن يحددها.
أما الحضارة الحديثة فلها إيجابيات وسلبيات، والإسلام يرفض بصراحة كل سلبيات الحضارة الحديثة ، فهو ضد الانحلال الأخلاقي ، والتفكك الأسرى ، والبطالة ، والإدمان ، والتلوث ، وجنون التسلح .. أما إيجابيات الحضارة الحديثة فإنه يدعو إليها بشدة منذ مئات السنين ، وأهمها طلب العلم ، وإتقان العمل ، وتنظيم الطاقات ، واحترام الوقت ، بل إنه يزيد عليها بإعداد الفرد ليكون مؤمنًا بالله ، وعضوا صالحًا في المجتمع .
ويرد الدكتور طاهر على الادعاء بأن العقوبات الإسلامية [مثل قطع يد السارق ورجم الزاني ] عنيفة ووحشية للغاية مشيرا إلى أنه من المعروف أن العقوبات إنما توضع للخارجين على نظام المجتمع .. ونظام المجتمع الإسلامي يكفل لأفراده المحافظة على الحقوق الأساسية التالية: [الدين والنفس والمال والعرض والعقل] . ومن ثم فإن الاعتداء على أي منها في فرد واحد يعتبر اعتداء على المجتمع كله ، وتهديدًا لأمنه واستقراره . يقول الله تعالى [مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا] .. ومع ذلك ، فإن الإسلام يوفر لأفراد المجتمع من الحقوق ما يكفيهم بحيث يصبح ارتكاب الجريمة في حد ذاته هو الوحشية .
وعلى الرغم من أن العقوبات الإسلامية قد تبدو في بعض الحالات عنيفة وقاسية إلا أنها لا تطبق بسرعة ، أو لمجرد الشبهة ، وإنما هي محكومة بعدد من الإجراءات الدقيقة التي ينبغي توافرها ، قبل إدانة المجرم ، مما يجعل تحقيقها قليلًا ، إن لم يكن نادرًا . ويمكن القول بأنها وضعت للردع والتحذير وتخويف المسلم من أن هناك جرائم لا يرضى عنها الله تعالى ، الذي هو أرحم الراحمين بخلقه .
وقد كان لتحديد هذه العقوبات بهذه الصورة أثر بالغ في تكوين ضمير جماعي لدى المسلمين عبر العصور وفى كل المجتمعات تقريبًا . وهذا الضمير جعلهم يمتنعون عن ارتكاب الجرائم من منطلق ديني أكثر من خوفهم من تشريع مدني .
ويضيف الدكتور حامد أما الادعاء بأن الإسلام ضد الديمقراطية وحقوق الإنسان ، وأن الشورى ليست ملزمة للحاكم فنقول إن ذلك ليس صحيحًا على الإطلاق فقد سبق الإسلام الأنظمة السياسية المعروفة حاليًا ، ومنها الديمقراطية ، في إتاحة المشاركة السياسية لكل أفراد الأمة ، ولم يضع عليها أية قيود تعطل فعاليتها . فقد أمر الله تعالى رسوله في القرآن الكريم بأن يشاور أصحابه في أمورهم ، فقال [وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ] ، ووصف مجتمع المسلمين النموذجي بقوله [وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ] ..وقد ثبت أن الرسول كان أكثر الناس تشاورًا مع أصحابه ،وكذلك فعل الخلفاء الراشدون من بعده . وهناك وقائع تثبت معارضة بعض المسلمين للحكام دون أن يمسسهم أي أذى . فقد عارضت امرأة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب في مسألة ، نزل فيها على رأيها . وهو الذي كان يقول: ' رحم الله امرءًا أهدى إلى عيوبي '.
وقد استخلص علماء الإسلام من هذا كله أن الشورى ملزمة للحاكم على الرأي الأرجح الذي يعتمده جمهور العلماء .
أما موقف علماء المسلمين من الرأي الآخر فتحكمه عدة مبادئ من أهمها: حسن الإصغاء إليه ، وعدم معاداة صاحبه أو إيذائه بالقول أو بالعمل ، والرد المقنع عليه بالحجة والبرهان ، وقد رسخت بينهم مقولات رائعة تعبر عن ذلك ، مثل: ' اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية ' ، 'رأيي صواب يحتمل الخطأ ، ورأى غيري خطأ يحتمل الصواب '.
ومما يدل على اتساع صدر المسلمين للرأي الآخر ما يوجد في الفقه الإسلامي، وأيضًا في علوم أخرى كثيرة ، من اختلاف وجهات النظر ، وتعددها ، والانتصار لكل منها ، وتكوين مذاهب ومدارس مختلفة تتبعها وتروج لها .
كما أن الإسلام هو الدين الأكثر رعاية لحقوق الإنسان . ونصوصه الثابتة تؤكد ذلك تمامًا . وكذلك ما ظهر من تطبيقات في حياة المسلمين عبر العصور.
ويوضح الدكتور طاهر بأنه إذا كانت فكرة حقوق الإنسان قد بدأت تجرى الآن على كل لسان في العالم ، فلابد من متابعة نشأتها المحلية الأولى في كل من إنجلترا [سنة 1688] ، وفى الولايات المتحدة الأمريكية [سنة 1776] وفى فرنسا [سنة 1789] - ولم يتم إقرارها على نطاق دولي إلا اعتبارًا من [سنة 1948] في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، وفى [سنة 1950] في المعاهدة الأوربية لحقوق الإنسان ، وفى [سنة 1966] في الاتفاقية الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وهى تتركز كلها حول مبدأين أساسيين هما: الحرية والمساواة ، بالإضافة إلى مجموعة من الحقوق التي تحفظ حياة الإنسان وكرامته داخل المجتمع .
وبأي نظرة سريعة إلى القرآن الكريم والسنة النبوية ومن تربى بهديهما، يتبين سبق الإسلام إلى تأكيد كل هذه الحقوق بل وأكثر منها . ويمكن الاكتفاء من ذلك بما يلي:
-إعلان تكريم الإنسان من حيث هو إنسان: [وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ] .