وأما حديث" لا تبدؤا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا وجدتموهم في طريق، فاضطروهم إلى أضيقه" (12) ."
فهو كناية عن عزة المسلم، فلا يكون ذليلًا أمام الكافر، فإذا لقيه فلا يبدأ بالسلام، ولا يفسح له في الطريق ويذل نفسه .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (والمراد منع ابتدائهم بالسلام المشروع، فأما لو سلم عليهم بلفظ يقتضي خروجهم عنه، كأن يقول: السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين فهو جائز، كما كتب النبي -صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل وغيره: سلام على من اتبع الهدى .. قال القرطبي في قوله:"وإذا لقيتموهم في طريق ...."معناه لا تتنحوا لهم عن الطريق الضيق إكرامًا لهم واحترامًا، وعلى هذا فتكون الجملة مناسبة للجملة الأولى في المعنى، وليس المعنى إذا لقيتموهم في طريق واسع فألجئوهم إلى طرفه حتى يضيق عليهم، لأن ذلك أذى لهم، وقد نهينا عن أذاهم بغير سبب) (13) . هذا ما يتعلق بالرأي الأول .
أما الرأي الثاني - الذي تبدو فيه الميوعة والتمييع لأصول الإسلام وثوابته، فهو أظهر ضعفًا، وأبين عوارا،ً ومصادمته لثوابت الشريعة لا تخفى على ذي إنصاف، إذ البراءة من الكفر وأهله، من المعلوم من دين الإسلام بالضرورة قال تعالى: وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون. إلا الذي فطرني فإنه سيهدين. وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون" [سورة الزخرف 26-28] ."
والكلمة الباقية: هي لا إله إلا الله في قول كثير من المفسرين (14) .
يقول ابن كثير: (يقول تعالى مخبرًا عن عبد الله ورسوله وخليله إمام الحنفاء ووالد من بعث من بعده من الأنبياء الذي تنتسب إليه قريش في نسبها ومذهبها أنه تبرأ من أبيه وقومه في عبادتهم الأوثان فقال:"إنني براء مما تعبدون. إلا الذي فطرني فإنه سيهدين. وجعلها كلمة باقية في عقبه" أي هذه الكلمة وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان، وهي لا إله إلا الله، أي جعلها دائمة في ذريته يقتدي به فيها من هداه الله تعالى من ذرية إبراهيم عليه الصلاة والسلام) (15) ."
وجاء تفصيل موقف إبراهيم من أبيه وقومه في سورة الممتحنةفي قوله سبحانه:" قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء" [سورة الممتحنة 4] ."
والبراءة المذكورة في هذه الآية تعني الأمور الآتية:
1-إنكار الباطل والتبري منه:
والباطل وإن كان يشمل كل ما ضاد الحق مما لا يريده الله ورسوله من كفر وفسوق وعصيان، إلا أن المراد به هنا: الكفر، فلا بد من إنكاره باليد أو باللسان أو بالقلب .
هذا مع أن الإنكار القلبي هو الأساس، وهو مستقر في قلب المؤمن، وإن لم يستطع الإنكار باللسان أو باليد .
2-البغض والعداوة، وهما من أهم معالم البراءة:
وقد دلت عليهما نصوص كثيرة، كقوله تعالى في موقف إبراهيم عليه السلام من قومه:"وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده" [الممتحنة 4] ."
وقوله:"لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم" [المجادلة 22] ."
3-عدم الموالاة مطلقًا:
قال الله عز وجل:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانًا مبينًا" [سورة النساء 144] .
وقال:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين" [ سورة المائدة 51] .
وقال: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير" [سورة آل عمران 28] والآيات كثيرة ."
أما الموالاة، فقال الراغب في مفرداته (16) : (الولاء والتولي أن يحصل شيئان فصاعدًا حصولًا ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان ومن حيث النسبة، ومن حيث الدين، ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد، والولاية: النصرة) أ.هـ.
فهي تشمل: الموالاة القلبية، وهي ميل القلب إلى الكافر تعظيمًا وحبًا أو اعتقادًا بصحة ما هو عليه، ومن ذلك التشبه به .
والموالاة العملية: وهي الميل والاقتراب من الكافر في الأمور العملية: كمعاشرته، ومداهنته، وتقريبه، وجعله بطانة، وطاعته في غير ما شرع الله ومناصرته، والإقامة بين ظهراني المشركين من غير حاجة، ومشاركتهم في الأعياد. وهذه الموالاة متفرعة من الموالاة القلبية، لأنها - أي الموالاة العملية - لا تتم في الغالب إلا بميل القلب وإصغائه .
فكل ذلك موالاة ممنوعة، وهي تتفاوت في المفسدة، ولذلك كان منها ما هو مخرج من الملة، ومنها ما هو معصية كبيرة، ومنها ما هو صغيرة (17) ، ولا شك أن مقتضى البراءة عدم الموالاة مطلقًا .
الوقفة الخامسة:
يجب اعتبار حال المسلمين في القوة والضعف، وحال ظروف زمانهم، وملابسات قضاياهم، والنظر في مصالحهم الكبرى، وبذل الجهد في دفع المفاسد العظمى عنهم .
ولذلك نجد القرآن زاخرًا وحاشدًا بالآيات التي فصلت العلاقة بالكفار، وراعت أحوال الظروف والمواطن والزمن واتخذت المواقف المتناسقة معها، والمتأمل في ذلك يلحظ أن هذه المواقف جاءت على مرحلتين:
المرحلة الأولى: العهد المكي، وجملة الموقف منهم يتلخص في:
أ - المفاصلة الشعورية و تنافر القلوب بين المؤمنين والكافرين .
ب- الهجر الجميل، أو المقاطعة للكفار .
كما في قوله تعالى:"فاصبر على ما يقولون واهجرهم هجرًا جميلًا" [سورة المزمل 10] .
ج- أمر المؤمنين بالصبر على الأذى .
كما في الآية السابقة، وكما في قوله تعالى: واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون" [سورة النحل 127] ."
د - الأمر بالعفو والصفح .
كما في قوله تعالى: فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون [ سورة الزخرف 89] .
هـ- الأمر بكف اليد وعدم القتال .
كما في قوله تعالى:"ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب" [سورة النساء 77] (18) . الآية .
و - الاستمرار في الدعوة والنذارة، كما في قوله:"فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين" [سورة الحجر 94] .
المرحلة الثانية: العهد المدني:ويتلخص الموقف في:
أ - تمييز المسلمين واستقلالهم في إقليم، وإعلان وحدتهم، ولذلك تكاملت التشريعات والأحكام العملية مع قصر هذا العهد .
ب- المواجهة مع الكفار، بالقوة البيانية، والقوة الاجتماعية، والقوة المادية .
ج- تشريع الجهاد .
وبه تحددت العلاقة مع الكفار على اختلافهم إلا أن هذا التشريع جاء على مراتب كما ذكر ابن القيم- رحمه الله - (19) ، وقد روعي في هذه المراتب واقع حال المسلمين وظروفهم وإمكانياتهم، ثم استقر أمر الكفار مع النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول"براءة"على ثلاثة أقسام: محاربين له، وأهل عهد، وأهل ذمة .
د-منع موالاة المؤمنين للكافرين مطلقًا.
الوقفة السادسة:
لا بد من معرفة أنواع الكفار من حيث علاقة المسلمين بهم وأنهم:
1-إما أهل عهد .
2-وإما من ليس له عهد .
وأهل العهد ثلاثة أصناف: