أ - أهل الذمة (20) :
وهم الذين يعطون عقدًا مستمرًا للبقاء في دار الإسلام إذا أعطوا الجزية والتزموا أحكام الإسلام .
ب- المستأمنون:
وهم الذين يعطون عقدًا مؤقتًا للبقاء في دار الإسلام لغرض شرعي، كسماع كلام الله، أو تجارة أو سفارة .
ج- أهل الصلح والهدنة:
وهم الكفار الذين بينهم وبين دولة الإسلام عهد، إما عهد هدنة، وهو الاتفاق على إيقاف الحرب لمدة معلومة، وإما معاهدة مطلقة (21) .
والذين لا عهد لهم صنفان في الجملة:
أ - إما كفار أصليون محاربون (22) :
وهم الذين لا عهد لهم ولا ذمة، سواء أكانوا محاربين فعلًا أم لا، فإن من ليس له عهد لا يستبعد منه الحرب للمسلمين .
ب - وإما مرتدون عن الإسلام (23) .
هذه هي أنواع الكفار من حيث علاقة المسلمين بهم، ومسألة هل الأصل في علاقة المسلمين بالكفار السلم أو الحرب شامل لجميع هذه الأنواع السابقة .
والآن قد حان الشروع إلى المقصود وأقول مستعينًا بالله:
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول:
أن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هو الحرب، وبهذا قال كثير من علماء المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة (24) .
واستدل أصحاب هذا القول بأدلة كثيرة من القرآن والسنة والمعقول .فأما الأدلة من القرآن فهي على نوعين:
النوع الأول:
آيات تأمر بقتال الكفار مطلقًا كقوله تعالى:"أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير" [سورة الحج 39] ، وقوله:"كتب عليكم القتال وهو كره لكم" [سورة البقرة 216] ، وقوله:"يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال" [سورة الأنفال 65] ، وقوله:"واقتلوهم حيث ثقفتموهم" [سورة البقرة 191] ، وقوله:"وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله" [سورة البقرة 193] ، وقوله"واقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" [سورة التوبة 5 ] ، وهذه تسمى آية السيف، قيل إنها نسخت مائة وأربعًا وعشرين آية من الآيات التي تأمر بالإعراض عن المشركين والصفح عنهم (25) ، وكقوله تعالى أيضًا: وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة" [سورة التوبة 36] وهذه الآية من أهم أدلة أصحاب هذا القول لأن فيها الأمر - كما يرون - بالقتال الجماعي للمشركين كافة، وشبيه بها قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار" [سورة التوبة 123] ، وكذلك قوله عز وجل:"قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ..." [ سورة التوبة 29] .فهذه الآيات وما شابهها مما لم يذكر، تدل على وجوب قتال الكفار مطلقًا دون قيد أو شرط، لأن هذا الفريق يرون أن قتال الكفار هو دعوة إلى الإسلام، وحمل للمخالفين على نبذ كفرهم، واعتناق الإسلام.فإذا كان القتال دعوة إلى الدين فلا يحل تركه مع القدرة عليه بحال من الأحوال ."
النوع الثاني:
الآيات التي ورد فيها النهي عن اتخاذ الكافرين أولياء أو القاء المودة إليهم مطلقًا كقوله تعالى:"لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين" [سورة آل عمران 28] ، وقوله:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنه منهم" [سورة المائدة 51] ، وقوله:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة" [سورة الممتحنة 1] ، وقوله:"لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ..." [سورة المجادلة] .
ففي هذه الآيات دلالة على وجوب أن لا يكون للمسلمين مع الكفار محالفة أو موالاة أو مودة واطمئنان وثقة. لانطوائهم على الغدر والحقد، وتبييتهم الخيانة والنقض، وانتظار الفرصة المواتية للنيل من المسلمين .
-وأما الأدلة من السنة، فقد ورد الأمر فيها بالقتال حتى تتحقق الغاية من القتال وهي اعتناق الإسلام، ومن الأحاديث الواردة في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري" (26) ، ومعنى هذا - عند أصحاب هذا القول - أن للسيف المقام الأول في تقرير دعوة التوحيد، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ... (27) .
وهذا يدل على أن الأمر بقتال الناس هو من أجل الدخول في الإسلام، فالقتال إذن هو الطريق الأول للدعوة إلى الإسلام وترك الكفر، إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة بهذا المعنى .
-وأما الاستدلال بالمعقول، فتقريره: أن من دعوا إلى الإسلام على وجه صحيح لا عذر لهم في البقاء على كفرهم، لأن الله أقام الأدلة القاطعة على وجوده ووحدانيته، وأن دين الإسلام هو دين الحق الذي لا يقبل الله سواه، فلا بد من حملهم عليه قسرًا امتثالًا لما ورد في النصوص التي سبق ذكرها .
القول الثاني:
أن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هو السلم، وبهذا قال سفيان الثوري وسحنون من المالكية، ونسب لابن عمر - رضي الله عنه -، وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ،ومن المعاصرين محمد رشيد رضا، ومصطفى السباعي .واستدل أصحاب هذا القول بأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول .
فأما الأدلة من كتاب الله فهي على أربعة أنواع:
النوع الأول:
الآيات التي أمر الله تعالى فيها بالسلم، وحث فيها على قبوله من الكفار حين اللجوء إليه كقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ..." [سورة البقرة 208] ، وقوله: وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله [سورة الأنفال 61] ، وقوله: فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم، وألقوا إليكم السلم، فما جعل الله لكم عليهم سبيلًا" [ سورة النساء 90] ، وقوله:" ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا تبتغون عرض الحياة الدنيا" [سورة النساء 94] .
فهذه الآيات البينات، جاء فيها الأمر بقبول السلم من الكفار إذا جنحوا إليه .
النوع الثاني:
الآيات التي قيد الله فيها الأمر بقتال الكفار في حال اعتدائهم وظلمهم للمسلمين كقوله تعالى: وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين، واقتلوهم حيث ثقفتموهم، وأخرجوهم من حيث أخرجوكم، والفتنة أشد من القتل، ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه، فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين، فإن انتهوا، فإن الله غفور رحيم، وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين لله، فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين [سورة البقرة 190-193] ، وقوله:"وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالمي أهلها، واجعل لنا من لدنك وليًا واجعل لنا من لدنك نصيرًا" [سورة النساء 75] ، وقوله:"أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وإن الله على نصرهم لقدير، الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق، إلا أن يقولوا ربنا الله" [سورة الحج 39 - 40] .
النوع الثالث:
الآيات التي أباح الله فيها صلة وبر الكفار الذين لم يقاتلونا كقوله تعالى:" لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، ولم يخرجوكم من دياركم، أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين" [سورة الممتحنة 8] .
النوع الرابع:
قوله تعالى:"لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي .."قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: