فهرس الكتاب
والأمثلة على فاعلية الصحابة - رضى الله عنهم - كثيرة متنوعة ، ومن يتأمل في سيرتهم وجهادهم لا يرى سوى صفحات مشرفة من التاريخ الذى صنعوه بجهدهم وكفاحهم ، وذلك بحصرهم الشديد على اداء رسالتهم الحضارية في هذه الحياة ، مع توفيق الله لهم ، وقد تعتريك الدهشة والإعجاب حين تعلم ان قبور كثير منهم موجودة خارج الجزيرة العربية.
وسنختار لك مثالًا واحدًا لصاحبى جليل هو ( أبو ايوب الأنصارى) - رضى الله عنه - الذى كان شعاره الذى يردده دائمًا ، في ليله ونهاره ، في جهره وإسراره قوله تعالى: ( انفروا خفاقًا وثقالًا) [التوبة: 41]
لم يختلف أبو ايوب عن معركة كتب على المسلمين أن يخوضوها ، مهما يكن بعد الشقى ، وفداحة المشقة ، مرة واحدة فقط تخلف عن جيش جعل الخليفة اميره واحدًا من شباب المسلمين ، لم يقتنع (ابو ايوب) بإمارته ، ومع هذا فإن الندم على موقفه هذا ظل يزلزل نفسه طول حياته.
وفى غزوة القسطنطينية لم يكد يبصر ( ابو ايوب) جيش المسلمين يتحرك ، حتى ركب فرسه ، وحمل سيفه ، وراح يبحث عن الشهادة في سبيل الله مع كبر سنه ، وقلة زاده.
وفى هذه المعركة اصيب ، وذهب قائد الجيش يعوده ، وكانت انفاسه تسابق اشواقه الى لقاء الله ، فسأله القائد ، وكان ( يزيد بن معاوية ) ما حاجتك أبا ايوب؟ ترى ، هل فينا من يستطيع ان يتصور ، او يتخيل ماذا كانت حاجة ابى ايوب؟ لقد طلب من ( يزيد) إذا هو مات ان يحمل جثمانه فوق فرسه ، ويمضى به اطول مسافة ممكنة في ارض العدو ، وهناك يدفنه ، ثم يزحف بجيشه على طول هذا الطريق ، حتى يسمع وقع حوافز خيل المسلمين فوق قبره ، فيدرك آنئذ ، أنهم قد أدركوا ما يبتغون من نصر وفوز !!
وفى قلب القسطنطينية - وهى اليوم اسطانبول - يثوى جثمان هذا الرجل العظيم ، وإنك لتعجب إذ ترى جميع المؤرخين الذين يسجلون تلك الوقائع يقولون: ( وكان الروم يتعاهدون قبره ، ويزورونه ، ويستقون به إذا قحطوا(82)
لقد حقق هذا الصحابى الجليل شروط الفاعلية حيا طيلة حياته ، وحققها وهو ميت يرنو الى انتصار الإسلام ، وعزة المسلمين وإسعاد البشرية بالدين الجديد ، وسيبقى التاريخ شاهدًا على هذه النماذج البشرية الحية التى لم تكن تعرف في حياتها سوى الحركة والجهاد والفاعلية.
5.تجدد الفاعلية عبر التاريخ الإسلامى:
بلغت الفاعلية في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته - رضى الله عنهم - أقصى درجات التوهج ، واستمر هذا الوضع بعد ذلك في جيل التابعين ومن تبعهم بإحسان ، ولكن مع مرور الوقت ، ولأسباب سياسية واجتماعية ونفسية كثيرة بدأت الفكرة الدينية تفقد وظيفتها الاجتماعية شيئًا فشيئًا ، وبدأ مرض الكساد ينتشر في جسم الامة.
إن الظروف التى اوصلت الأمة الإسلامية الى تفضيل جانب الغريزة على جانب الروح ، أدت الى نتائج خطيرة كان من ابرزها انقسام العالم الإسلامى الى دويلات ، وانفكاك القاعدة الاجتماعية للأمة ، حتى سقطت بغداد في ايدى المغول ، وبدأت مشكلات السقوط الحضارى تظهر في الآفاق ، واصبحت التحديات والأخطار تحاصر المجتمع الإسلامى من كل الجهات.
حين تفقد الفكرة الدينية وظيفتها الاجتماعية تبدأ القيم الروحية بالانحسار لتترك المجال مفتوحًا للغرائز والشهوات التى تقوم بدور المخدر الذى يدخل الجسم السليم فيسلبه كل طاقاته الايجابية ويحوله من جسم فعال متحرك الى جسم عاجز عن أداء أية حركة ، وهو الشئ الذى حدث للمجتمع الإسلامى في فترة سقوطه الحضارى.
يقول ابن الأثير ( 630هـ) واصفًا حالة المجتمع الإسلامى زمن الحروب الصليبية: ( كانوا كجاهلية ، همة احدهم بطنه وفرجه ، لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا(83)
وكنا نجد من يقول متذمرًا:
كيف يرجى الصلاح من أمر قوم .:. .:. .:. ضيعوا الحزم فيه اى ضياع
فمطاع الكلام غير سديد .:. .:. .:. وسديد المقال غير مطاع
وعلى الرغم من هذه الأسباب المعطلة للطاقات ، المكبلة للقدرات التى عرفها التاريخ الإسلامى ، كنا نشهد من فترة الى اخرى تجدد الفاعلية بين ابناء الأمة لمواجهة المشكلات الصعبة التى تعترض طريقهم ، وبخاصة حيث يحسون ان الأخطار التى تهدد الأمة تمس كيانهم الدينى الذى يحفظ وجودهم ، كما حدث في عصر الحروب الصليبية ، وما تبعه من حروب ضد الهجمة المغولية وما حدث في العصر من ثورات ضد الاستعمار الغربى.
فإذا أخذنا مثلًا ما حدث في فترة الحروب الصليبية نجد أن الفاعلية قد انتشرت بين ابناء الأمة كلها ، كانتشار الدم في الجسم ليغذى جميع اجزائه ، وهذه الفاعلية الجماعية هى التى تبنى التحضر ولا مناص لمن يبتغيها ان يستخدم كل وسائل التوجيه للوصول إليها وهو ما فعله ( نور الدين زكى ) وصلاح الدين الأيوبى من بعده.
ولعل مما ساهم في زيادة الفاعلية بين افراد الأمة في تلك الفترة ، التزام القائمين على الأمور من الحكام والأمراء بمبادئ الرسالة التى يحملونها ، وحرصهم على ان يكونوا قدوة الناس في الجهاد والعمل والصبر ، مما حفز الناس على زيادة العطاء والجهد.
فهذا ( نور الدين زنكى) يعيد للأمة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته في تطبيقاته العملية ، حتى عدة المؤرخون سادس الخلفاء الراشدين ، يقول ابن الأثير: ( قد طالعت سير الملوك المتقدمين فلم ار فيها بعد الخلفاء الراشدين ، وعمر بن عبد العزيز ، سيرة احسن من سيرته ، ولا أكبر تحريًا منه العدل . . . . وقد اتسع ملكه فشمل الشام وديار الجزيرة ومصر ، وخطب له بالحرمين الشريفين وباليمن ، وأبلى في حروبه للفرنج ، وأسر بنفسه في بعض الغزوات بعض ملوكهم ، وكان يعظم الشريعة ، ويقف عند حدودها ، وأنشأ من المدارس والجوامع والطرق ، والجسور ، ودور المرضى ، والبائسين ، والخانات ، والحصون ما لم يسبق الى مثله(84)
وفى فترة ( نور الدين زنكى) نجد ان سياسة الدولة اتجهت الى الأمور التالية كى تعيد الفاعلية للأمة: (85)
أولًا: إعداد الشعب إعدادًا إسلاميًا وتطهير الحياة الدينية والثقافة من التيارات الفكرية المنحرفة كالباطنية وآثار الفلسفة اليونانية، والممارسات الفاطمية للعبادات والشعائر.
ثانيا: صبغ الإدارة بالصبغة الإسلامية ، وإشاعة العدل والتكافل الاجتماعى
ثالثًا: نبذ الخصومات المذهبية ، وتعبئة القوى الإسلامية ، وتنسيق جهودها ضمن منهاج عمل موحد ، وقيادة متكاملة متعارفة .
رابعًا: ازدهار الحياة الاقتصادية ، وإقامة المنشآت والمرافق العامة
خامسًا: بناء القوة العسكرية ، والعناية بالصناعات الحربية
سادسًا: القضاء على الدويلات المتناثرة في بلاد الشام ، وتحقيق الوحدة الإسلامية بين الشام ومصر والجزيرة العربية .
لقد ركزت السياسة في زمن ( نور الدين) على الإنسان المسلم باعتباره اسسا النهضة ، ودعامة البناء في الأمة المسلمة، ولذلك الإعداد والجاهزية لمواجهة التحديات ، ( وفى هذه الخطة تكاملت المؤسسات والهيئات ، فاشتملت على التعليم الذى ركز بالدرجة الأولى على الأجيال الناشئة ، واشتلمت على التوجيه والإرشاد الذى استهدف توجيه جماهير العامة ، واشتملت على الإعداد العسكرى الذى استهدف تعبئة قوى الأمة تعبئة عامة لمواجهة الأخطار والتحديات القائمة(86) .