فهرس الكتاب

الصفحة 1596 من 1942

إن الإهتمام بالجوانب الفكرية عند ابناء الأمة - وهو ما يسمى بتوجيه الثقافة - من شأنه ان يعيد الروح في طاقات الأمة التى كبلها العجز والتواكل ، كما حدث في زمن الدين زنكى ، ومن بعده صلاح الدين الأيوبى ، فكان ان تجددت الفاعلية ، وعادت العافية الى الأمة لكى تواجه الأخطار التى هددت هويتها ووجودها.

وتجدد الفاعلية عبر التاريخ الإسلامى القديم والحديث دلالة عل ان الأمة المسلمة قد تعرف المرض والوهن ، ولكنها لا تعرف الفناء والذوبان ، وهى خصيصة تعود الى الإسلام العظيم الذى سيبقى في حلبة الصراع مع الباطل الى يوم الدين ، قال صلى الله عليه وسلم: ( لا تزال طائفة من امتى ظاهرين حتى يأتيهم امر الله وهم ظاهرون.) (87)

الفصل الثالث

معوقات الفاعلية ( الواقع )

لقد قررنا في بداية هذه الدراسة ان الخلل الذى اصاب الأمة الإسلامية اليوم في سعيها نحو المشروع الحضارى الكبير هو قلة الفاعلية في العمل ، وعدم تقديم الجهد المطلوب ، وعدم الاستفادة من الوسائل المتاحة ، فلم يكن ينقص الفرد المسلم منطق الإخلاص بقدر ما كان ينقصه منطق العمل والحركة ، فهو يفكر ولكن لا ليجسد فكرته في عمل صائب ، وإذا عمل لا يقدم الجهد المطلوب.

وإن من يعقد مقارنة بسيطة بين حال الأمة الإسلامية ، وحال غيرها من الأمم التى سلكت سبيل التحضر يدرم مدى الفرق الواضح في هذا المقوم الحضارى بين ما هو عندنا ، وما هو عند غيرنا ، فالفرد المسلم عندنا ما زال لا يحسن التعامل مع الأشياء بفاعلية - باستثنار حالات فردية خاصة - أما في تلك المجتمعات فإنه يقدم اعلى درجات الفاعلية ، حتى إننا نسمع عن موت الأفراد عندهم من كثرة العمل كما هو الحال في المجتمع اليابانى.

والذى يؤسف له ان كثيرًا من المسلمين يعزون قلة الفاعلية في الأمة الى قلة الوسائل المتاحة ، والإمكانيات الموجودة بين أيديهم ، ويرون ان الإنطلاق الحضارى لابد له من وسائل كبيرة للتغلب على مشكلات الحياة كالفقر ، والأمية ، والبطالة والكساد ، وغيرها من المشكلات ، ويجلهون ان تلك المجتمعات المتحضرة لم تكن تملك ساعة انطلاقها سوى الأشياء الآولية الضرورية لأى إقلاع حضارى، وينسون بذلك سنن الله في التغيير التى تبدأ من الإنسان نفسه ، حين يعرف كيف يستثمر المعطيات الموجودة عنده لحيقق بها احسن النتائج في ميدان الحضارة والبناء .

وبعضهم يعلل هذا العجز بالقضاء والقدر كما هو الحال عند اكثر العزام الحيارى ، وهو ما جعل الأمير شكيب أرسلان يصرخ قائلا:

( المسلم الجامد لا يدرى انه بهذا المشرب يسعى الى بوار ملته وحطها عن درجة الأمم الأخرى ، ولا يتنبه لشئ من المصائب التى جرها على قومه اهمالهم للعلوم الكونية حتى اصبحوا بهذا الفقر الذى هم فيه وصاروا عيالًا على اعدائهم الذين لا يرقبون فيهم إلا ولا ذمة ، فهو إذا نظر الى هذه الحالة عللها بالقضاء والقدر بادئ الرأى ، وهذا شأن جميع الكسالى في الدنيا يحيلون على الأقدار(88)

لابد ان نعلم ان الوهن الذى اصاب المسلمين اليوم هو ما كسبت ايديهم ، وهو نتيجة حتمية لتقاعسهم عن اداء رسالتهم في الحياة ، ومهما كانت اسباب هذا الوهن ، فهو مرض مزمن يحتاج الى علاج فعال ، يقضى عليه من جذوره.

إن هناك اسبابًا نفسية واجتماعية كثيرة تقف عائقًا امام تحقيق شروط الفاعلية عند المسلمين ، وهى اسباب موضوعية منسجمة مع سنن الله في التغيير ، اى ان توفير الظروف المناسبة ، وتوجيه المسلمين التوجيه الصحيح ، مع شأنهما ان يبعثا الحركة والحياة في النفوس الجامدة ، ويعطيها المبررات الكافية للانطلاق من جديد .

وهذه الدراسة تحاول ان تكشف عن بعض المعوقات التى وقفت في طريق الفاعلية عند المسلمين ، وهى معوقات كثيرة لها علاقة مباشرة بالنواحى النفسة والاجتماعية وحسبنا ان نشير الى بعض تلك المعوقات التى نراها اكثر تأثيرًا في النفوس من غيرها.

1.الخلل في فهم العبادة:

العبادة هى حركة المسلم في الحياة وفق النواميس الإلهية ، وهى تعنى الاعتراف لله بحق من حقوقه على العباد ( ألا له الخلق والأمر) [الأعراف: 54] وهى في المنهج القرآنى السبب الذى قام عليه الخلق كله ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) [ الذاريات: 56] ، قال انب تيمية - رحمه الله: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة (89)

ومن أهم خصائص العبادة في الإسلام الشمول ، اى انها تتسع للحياة كلها ، فلا تقتصر على الشعائر التعبدية المعروفة من صلاة وزكاة وصيام وحج ، بل تشمل كل حركة ، وكل عمل ترتقى به الحياة ويسعد به الناس (90)

إن كل نشاط يقوم به المسلم يدخل في باب العبادة إذا تحقق فيه شرطا الأخلاص والصواب ، قال الفضيل بن عياض: ( لا يقبل الله عملًا حتى يكون مخلصًا صوابًا ) (91)

ومن هنا يتسع مفهوم العبادة ليشمل كل حركة يقوم بها المسلم ، سواء أكانت شعائر تعبدية محضة ، أم أعمالًا يومية في مجالات الحياة المختلفة ، المهم ان تتحقق فيها النية الصادقة ، والمنهج الصائب ، وهذا هو معنى الإحسان الذى أشار إليه النبى صلى الله عليه وسلم في قوله: ( الإحسان ان تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) (92)

وحين يدرك المسلم هذا البعد الكبير للعبادة ، وأن حركته في الحياة كلها عبادة ، فإن هذا الفهم يمنحه تصورًا إيجابيا عن الحياة ، يصبح به شديد الحرص على تقويم اعماله وتوجيهها نحو أهداف نبيلة تحقق الخير والنفع له ولمجتمعه ، وتتسم حركته بفاعلية اكثر لوجود الحوافز المادية والمعنوية التى وضعها الشرع للعبادة.

أما حين لا يصبح للعبادة هذا المعنى الشمولى في حياة المسلم ، تصبح العبادة في نظره مجرد شعائر وطقوس يقوم بها يوميًا ، وهى تأخذ من وقته جانبًا ضئيلًا ، فإن سلوكه الاجتماعى في الحياة سيختلف ، لأن مفهوم العبادة تقزم عنده ، فالحياة التى يعيشها كل يوم ، والنشاطات الحيوية التى يمارسها في كل حين ، وتأخذ جانبا كبيرًا من وقته ليس لها اى وزن في مقاييس الدين عنده ، ومن هنا بدأ الخلل يتسرب الى الفكر ، وينعكس على الفاعلية.

إن الخلل في فهم العبادة الذى تسرب الى المسلمين جعلهم يفصلون بين عمل الدنيا وعمل الآخرة ، ويقيمون جدارًا فاصلًا بينهما ، ويجعلون العمل الآخروى في مرتبة عليا لا يرتقى إليها بأية حال العمل الدنيوى من حيث القيمة المعنوية والأجر الأخروى ، وترتب على هذا الخلل في الفهم عدم الاهتمام بقضايا الدنيا الهامة التى لها علاقة مباشرة بواقعهم الاجتماعى المعاش ، ومن هنا قل نشاطهم ، وتراجعت فاعليتهم اعتمادًا على هذا التصور الخاطئ.

إن غياب الأبعاد الحقيقة لمفهوم فروض الكفاية ، وموقعها كواجبات اجتماعية ، تساهم بتماسك نسيج الأمة الاجتماعى ، وتشعر بالمسؤولية التضامنية ، وتنتهى بها الى مرحلة الاكتفاء الذاتى ، على مختلف الأصعدة ، لقد همشت فروض الكفاية ، حتى كادت تقتصر على قضايا المصير وكل ما يتعلق بحالات الوفاة ولوازمها من التغسيل والتكفين ، وحمل الجنازة ودفنها ، بعيدًا عن إبراز دورها في آفاق الحياة المتعددة في كل ماله علاقة بمهمة الاستخلاف الانسانى والتعمير الحضارى ، واهمية تقديمها على الفروض الفردية ، وإدراك دورها في حياة الأمة (93)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت