فهرس الكتاب

الصفحة 1597 من 1942

لقد ظل المسلمون قرونًا طويلة يزهدون في فروض الكفاية التى تتصل اتصالا مباشرا بالقضايا الحياتية الهامة مثل الواجبات اليومية ، والأعمال المنوطة بعاتق كل فرد ، والزهد في الشئ والتقليل من شأنه يورث نوعًا من التقاعس في أدائه ، ولهذا السبب لم يعمل المسلمون بفاعلية تامة في هذه الميادين الخطيرة ، لفقدهم الحوافز المعنوية اللازمة التى يملكونها حيث يمارسون بعض الاعمال التعبدية المحضة.

فالخلل في فهم العبادة بمفهومها الشامل قلل من فاعلية المسلمين في هذا العصر ، على العكس فهم سلفنا الصالح للعبادة الذى جمع بين البعد الدنيوى والآخروى ، هو المستفاد من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم الذى كان اتقى الناس في ربطه بين الدنيا والآخرة ، وهو القائل: ( إن قامت الساعة وبيد احدكم فسيلة ، فاستطاع ألا تقو حتى يغرسها ، فليغرسها فله بذلك أجر) (94)

إنه طريق واحد أوله في الدنيا واخره في الآخرة ، وهو طريق لا يفترق فيه العمل عن العبادة ولا العبادة عن العمل ، كلاهما طريق لا يفترق فيه العمل عن العبادة ولا العبادة عن العمل ، كلاهما شئ واحد في نظر الإسلام ، وكلاهما يسير جنبًا الى جنب في هذا الطريق الواحد الذى لا طريق سواه .. . وتوكيد قيمة العمل وإبرازه والحض عليه فكرة واضحة شديدة الوضوح في مفهوم الإسلام ولكن الذى يلفت النظر هنا ليس تقدير قيمة العمل فحسب ، وإنما هو إبرازه على انه الطريق الى الآخرة الذى لا طريق سواه (95)

إن الفكرة تحتاج الى فاعليو لتأخذ مكانها في الواقع ، ولا سبيل امام المسلمين اليوم إلا الربط بين الفكر والعمل ، والعبادة والفاعلية ، ليتنبوؤا مكانًا لائقًا بين الأمم التى سلكت سبيل التحضر .

2.فقدان المبررات:

المبررات هى الأسباب والدوافع القريبة والبعيدة التى تدفع الى إيجاد نشاط فعال في المجتمع ، فهى إذن شروط الفاعلية لأن الإنسان حين يملك المبررات يحدث عنده شعور خاص يحس من خلاله بأن لديه شيئًا يمكن ان يقدمه للأخرين ، فحدوث هذا الشعور عنده يكون سببًا لفعاليته ونشاطه (96)

والمبررات عنصر ضرورى لقيام أية حضارة لأنها توجد العمل والفاعلية ، وتحرك الطاقات الاجتماعية ، وتدفع النشاط الفردى والجماعى الى اعلى قمة ، يقول مالك بن نبى - رحمه الله: ( إن المبررات هى التى تحرك الطاقات الاجتماعية وتوجهها الى مستوى أعلى من مستوى الحيوان الذى يحيا حياة فردية ، وهى التى تدفعها اتلى مستوى مصلحة الأخرين ، فإن فكرة الفاعلية او التوتر تمس الواقع الاجتماعى في كل الظروف ، بحيث يضعها كل مجتمع او لا يضعها وراء اعماله وسلوكه ، فالتوتر حالة اجتماعية دل التاريخ على انها تنشأ في ظروف معينة ثم تزول في ظروف أخرى ، وان المبررات هى التى تكون الدوافع الإنسانية التى يدفع النشاط الى اعلى قمة(97)

وحين يفقد المجتمع مبرراته فإنه يفقد وجوده الاجتماعى وينقلب من مجتمع متحرك فعال الى مجتمع جامد ، لأن كل فرد فيه يصبح عاجزًا عن تقديم اى شئ للأخرين ، بل إنه قد يفقد الرغبة في الحياة ويفضل الاستقالة منها عن طريق الانتحار ، سواء أكان هذا الانتحار ماديًا ، كما هو الحال في بعض الدول الغربية - أم روحيًا كاتباع طريق العزلة والتصوف وفك الروابط التى تربطه بالمجتمع كما هو حال بعض ( الدراويش) فى مجتمعاتنا الإسلامية ، ومن هنا فإن فقدان المبررات في اى مجتمع يعنى السقوط في هاوية العجز والوهن ، وبداية الدخول في ليل التاريخ.

وهناط ظروف اجتماعية ، واسباب دينية - في غالب الأحيان - وراء بروز المبررات فجأة في مجتمع من المجتمعات ، فينطلق افراده بدوافع نفسية قوية لأداء رسالة في التاريخ ، وهذا الحال ينطبق على جميع المجتمعات التى عرفت الحضارة ، فإذا أخذنا مثلا المجتمع الإسلامى في بداية رحلته الحضارية نجد ان المسلمين اكتسبوا من المبررات ما جعلهم ينطلقون بفاعلية كبيرة لم يشهد التاريخ مثلها ، لأنهم اقتنعوا بأنهم يملكون شيئًا فيه الخير والنفع للإنسانية ، فكان الواحد منهم يشعر بأن لديه رسالة عظيمة في التاريخ لا يجوز ان يقوم بها احد غيره ، انها رسالة تخرج الناس وتحررهم من قيود العبودية للبشر الى عز العبودية لرب البشر.

لقد حدث في المجتمع الإسلامى الأول انفجار للطاقات الاجتماعية التى توجهت كلها نحو العمل ، كخلية النحل ، تعمل بدقة ونظام ، كل واحد من عناصرها يقوم بعمله ووظيفته ، وتجتمع كل هذه الطاقات لتصب في مصب واحد هو مصلحة الخلية ، لقد كنت ترى المسلم يندفع بقوة وعزم ليجسد فكره في عمل مثمر في ميادين الحياة المختلفة ، وتراه يتسفرغ طاقته كلها ليحصل على اجر الجهاد في سبيل الله ، وحب الجهاد عنده جعله يسأل بتوتر منقطع النظير عن الشئ الذى يعدله او يفوقه حتى يعمل به ، فعن أبى هريرة - رضى الله عنه - قال: قيل يا رسول الله ، ما يعدل الجهاد في سبيل الله ؟ قال: لا تستطيعونه ، فأعادوا عليه مرتين او ثلاثتً ، كل ذلك يقول: لا تستيطعونه ثم قال: مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم لا يفتر من صلاة وصيام ، حتى يرجع المجاهد في سبيل الله (98)

ومن هذا الفهم للعبادة ، ولرسالة الجهاد يبدو لنا الجهد الكبير في موقف الصحابى الجليل ( عمار بن ياسر) الذى حمل حملين بدل حمل واحد كما كان يعل كل صحابى في مشروع بناء المسجد النبوى (99) ، وهذا مثال واحد من فيض كثير من المواقف البطولية التى سجلها التاريخ للمسلمين الأوائل.

لقد كان للمبررات التى جاء بها الإسلام دور كبير في إحداث التوتر الاجتماعى الذى يدفع الى العمل والحركة بقوى وفاعلية ، ولهذا السبب كون ابناء الإسلام حضارة متميزة خلال فترة قصيرة من الزمان.

ولكن - مع الأسف - ومع مرور الزمن بدأ الفتور يمتد الى عزائم المسلمين وبدأت نفوسهم تفقد شيئًا فشيئًا توهج الروح ، كل ذلك نتج عن فقدان المبررات ، حتى وصل بهم الأمر الى الخروج من دائرة التحضر ، وقديمًا حاول العلماء المجددون إعادة المبررات النفقودة الى المجتمع الإسلامى ، كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وحديثًا حاول ويحاول رجال الإصلاح وحركات الصحوة الإسلامية إعادة تلك المبررات الى ابناء الأمة ، وتوجيه الطاقات نحو بناء المشروع الإسلامى من جديد.

إن توفر عنصر المبررات في الأمة الإسلامية يعنى حياة جديدة لها ( يا ايها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) [الأنفال: 24] لأن المبررات هى بمثابة الوقود الذى يبعث الحياة في الأجسام الخاملة، وهى السبب في ارتفاع درجة الفاعلية التى تشيع في جميع افراد الأمة من صغيرها الى كبيرها ، ومن رجالها الى نسائها فإن هذه المفاهيم كالغيث إبان الربيع يساهم في تحريك النباتات والبراعم في كل مكان (100)

ونخلص الى ان فقدان المبررات هو أحد المعوقتا الأساسية التى جعلت المسلم في هذا العصر يشعر أنه لا يملك شيئًا يمكن ان يقدمه للآخرين مما ساهم في تقليل نشاطه ، وتفتير عزائمه ، وجعله مسلمًا عاجزًا لا يقدر على جلب احترام الاخرين له.

3.ضعف الإيمان:

الإيمان هو المنبع الوحيد للطاقة الإنسانية ، وهو الذى يبث إشعاع الروح في الضمائر والنفوس فينقلها من عالم الموت الى عالم الحياة ، وقد قرر بعض علماء الاجتماع ( أن الحضارة تولد مرتين: أما الأولى: فميلاد الفكرة الدينية ، وأما الثانية: فهى تسجيل هذه الفكرة في الأنفس(الإيمان) اى دخولها في أحداث التاريخ (101)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت