فهرس الكتاب

الصفحة 1598 من 1942

فأية حضارة في طور النشوء لابد ان تنبنى على فكرة دينية يؤمن بها اناس بدائيون ، وهذا الإيمان يمنحهم من المبررات ما يجعهم بنطلقون بحرارة وقوة لتحقيق رسالتهم الحضارية ، وينطبق هذا على جميع الحضارات التى عرفتها البشرية ، ومن هنا كان الإيمان مقومًا حضاريًا ، وليس فلسفة نظرية ليست لها أية أبعاد اجتماعية.

وإذا أخذنا الحضارة الإسلامية - مثلًا - نجد ان الإيمان بالفكرة الجديدة قلب هؤلاء العرب البسطاء من أجلاف متناحرين ، الى دعاة اسلاميين تتمثل فيهم رسالة الإسلام بما فيها من قيم حضارية ، ومبادئ اخلاقية تنفذ الإنسان من ضيق الأرض وترفعه الى سعة السماء ، لأنهم اقتنعوا بأن ايمانهم يجعل منهم اصحاب رسالة خالدة ، وليس مجرد إيمان بارد ليس له أية رسالة في الحياة.

إن الإيمان رسالة في الحياة ، وليس مجرد فلسفة نظرية - كما هو الحال عند كثير من الناس - وبما انه رسالة في الحياة فإن له ابعادًا اجتماعية كثيرة لعل ابرزها توفير المبررات اللازمة للإنطلاق الجماعى نحو التحضر ، ومنح المسلم الفاعلية الكافية لتغيير الواقع الفاسد ( كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) [ آل عمران:110]

أما حين يصبح الإيمان إيمانًا جذبيًا - اى ماديًا - دون إشعاع ، أعنى نزعة فردية ،فإن رسالته التاريخية تنتهى على الأرض إذ يصبح عاجزًا عن دقع الحضارة وتحريكها , إنه يصبح إيمان رهبان , يقطعون صلاتهم بالحياة , ويتخلون عن واجباتهم ومسؤولياتهم (102)

فالإيمان قوة روحية تدفع المجتمع بكامله نحو أداء رسالته الحضارية ، وذلك بدينهم ، فهم بلا شك مقتنعون - على الأقل من الناحية النظرية - بأن دينهم حق ، ومن يحاول ان يقنع المسلمين في هذا الجانب فإنما يضيع وقته ، ولكن الذى ينقصهم هو الاقتناع بأن لهم رسالة يقتضيها ويتطلبها هذا الإيمان ، وبذلك اصبح الإيمان عندهم مجرد عقيدة باردة ليس لها اى بعد اجتماعى.

ومن هنا ينبغى لنا ألا نخلط بين الايمان كعقيدة فردية تطلب النجاة في الأخرة ، والإيمان كرسالة اجتماعية تسعى نحو النجاح في الدنيا والآخرة ، يقول مالك بن نبى - رحمه الله: ( إن الإيمان لم يفقد مطلقًا سيطرته في العالم الإسلامى ، حتى في عهود الانحطاط ، بل ان هذه الملاحظة تصبح جوهرية حين يكون الأمر امر تقويم أخروى للقيم الروحية ، أما حين نتناول المشكلة من الوجهة التاريخية والاجتماعية فينبغى ألا نخلط بين نجاة المرء في عاقبة امره ، بتطور المجتمعات(103)

إن المسلمين اليوم فقدوا الرغبة في العمل والعطاء ، وتسرب إليهم الوهن والعز لضعف إيمانهم ، وفتور هممهم، فالقوة الإيمانية التى دفعت اسلافهم نحو البناء الحضارى ، لم تعد تملك الوقود اللازم الذى يتمثل في شرارة الروح ، ووضوح الفكرة ، وبذلك اصبح المسلمون عاجزين عن اداء رسالتهم الحضارية ، لأن من يفقد قوة الدفع اللازمة ، سيبقى ثابتًا في مكانه يدور حول نفسه.

ويبين الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث القصعة المشهور حالة الأمة حين تفقد رسالتها الإيمانية فيقول: ( يوشك ان تداعى الأمم عليكم كما تداعى الأكلة الى قصعتها) قالوا: أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله ؟ قال: ( لا ، بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل: ولينزعن الله في صدور أعدائكم المهابة منكم ، وليقذفن في قلوبكم الوهن ، قيل: وما الوهن يا رسول الله ؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت(104)

إن هذا الحديث يقدم تفسيرًا واضحًا للأزمة الحضارية التى تمر بها الأمة الإسلامية في هذا العصر ، مع ما لديها من كثرة في العدد ، ووفرة في الوسائل ، فالرسول صلى الله عليه وسلم وصف الأمة بالغثائية ، وهى تعنى فقدان الفكر والمنهج ، لأن السبيل المتدافع ليس له هدف يسير إليه ، وهو في سيره يحمل ركامًا من الأشياء التى ليس لها اية قيمة في نظر الإنسان ، وهذه الغثائية التى تتجلى في فقدان الفكر والمنهج هى نتيجة حتمية للوهن او اللافاعلية ( وليقذفن في قلوبكم الوهن) ، أما الظروف الكامنة وراء وصول الأمة الى حالة الغثائية فهى بتعبير الرسول صلى الله عليه وسلم: ( حب الدنيا وكراهية الموت) وبتعبيرنا نحن ( ضعف الإيمان) او فقدان الرسالة الاجتماعية.

إن حب الدنيا وكراهية الموت يعنى التخلى عن رسالة الجهاد ، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وهى الرسالة الاجتماعية التى يقتضيها الإيمان بالله تعالى ، ومن هنا كان ( ضعف الإيمان) أحد المعوقات الأساسية امام المسلمين في هذا العصر ، فقد دب فيهم مرض الوهن ، وتسرب إليهم العجز ، واصبحوا يشعرون بأن رسالتهم في هذا الزمان محدودة ، وأنهم لا يملكون شيئًا يمكن ان يقدموه للأخرين ، وهذا العجز اطمع الأمم الأخرى فيهم ، لأن الضعف - كما يقول المثل - يغرى بالعدوان .

4.التقليد:

التقليد هو الصورة المضادة للاجتهاد ، وهو يعنى اخذ القول دون دليل او برهان ، قال ابن قيم الجوزية - رحمه الله: ( التقليد ثلاثة انواع ، احدها: الإعراض عما أنزل الله وعدم الالتفات إليه اكتفاء بتقليد الآباء ، الثانى: تقليد من لا يعلم المقلد انه اهل لأن يؤخذ بقوله ، الثالث: التقليد بعد قيام الحجة ، وظهور الدليل على خلاف قول المقلد(105)

والتقليد مذموم في الشريعة الإسلامية لأنه من الظواهر السلبية في الحياة الفكرية للأمة - وقد ذمه القرآن الكريم وعبر عنه بالآبائية التى تعنى اتباع الآباء ، أو من لهم رأى أو سلطة دون دليل او برهان ، قال تعالى: ( وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان أباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون) [ البقرة: 170] ، وقال تعالى: ( وإذا قيل لهم تعالوا الى ما أنزل الله والى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا ولا يهتدون) [ المائدة:104]

أما الإجتهاد فقد عبر عنه القرآن الكريم ( بالبرهانية) أى الدعوة الى اتباع الدليل والبرهان للوصول الى الحقيقة ، وترك التقليد المذموم الذى يقود الى الجهل والعصبية ، قال تعالى: ( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) [ البقرة: 111]

إن التقليد عامل طارئ على العالم الإسلامى ، فلم يكن معروفًا في القرنين الأول والثانى ، وقد توافرت جملة من الأسباب النفسية والاجتماعية التى أدت الى ظهوره في العصور المتأخرة ولعل أبرز هذه الأسباب قصور الهمم عن الاجتهاد بعد ان بدأ المجتمع الإسلامى يفقد شيئًا فشيئًا مبرراته الاجتماعية (106)

لقد كان علماء السلف يحذرون من خطر التقليد حتى انتشرت بينهم المقولة الشائعة: ( لا تقلدنى ولا تقلد مالكًا ولا الشافعى ، ولا الاوزاعى ، ولا الثورى ، وخذ من حيث اخذوا) (107)

وحين اصبح التقليد يهدد ثقافة الأمة قامت صيحات كثيرة تدعو الى الاجتهاد وترك التقليد ، كما حدث مع ( ابن حزم الظاهرى) الذى صرخ بأعلى صوته ( التقليد حرام) (108) ، لأنه شعر بأن التقليد المذهبى قيد الكثير من الطاقات الفكرية ، وجعلها تدور في دائرة ضيقة لا تخرج عنها ، وكما حدث مع ابن تيمية - رحمه الله - الذى كثيرًا ما ذم التقليد واتباعه ، وهو الذى يقول ( لا يجب على احد من المسلمين تقليد شخص بعينه من العلماء في كل ما يقول ، ولا يجب على احد من المسلمين التزام مذهب شخص معين غير الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يوجبه ويخبره به ، بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم(109)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت