فهرس الكتاب

الصفحة 1599 من 1942

وقد حذر كثير من العلماء في عصرنا الحديث من خطر التقليد الذى اضعف القاعدة الفكرية للأمة ، منهم محمد رشيد رضا - رحمه الله - الذى يقول: ( إن في تحريم التقليد) وتصريح الكتاب العزيز بأن الله تعالى لا يقبله ، ولا يعذر صاحبه به في الآخرة لتأكيدًا شديدًا لإيجاب العلماء الاستقلالى الاستدلالى فىالدين (110) ، وقال مالك بن نبى - رحمه الله: ( ان التقليد الخلفى يقتضى التخلى عن الجهد الفكرى حتمًا ، أى عن الأجتهاد الذى كان الوجهة الاساسية للفكر الإسلامى في عصره الذهبى(111)

إن التقليد هو مرض من الأمراض الفكرية التى أثرت بشكل مباشر في مسيرة الأمة الإسلامية ، وكانت من العوامل المساهمة في اقولها ، وإن من يستقرئ تاريخ الاجتهاد في حياة الأمة الإسلامية ( يلاحظ ان هناك علاقة عنصرية بين ازدهار هذا الاجتهاد وتقدم الأمة وقوتها ، وإن ضعف الأمة وتخلفها كان من وراء تخلف الاجتهاد وضعفه ، وهذا يعنى ان الاجتهاد مناط القوة والتقدم للأمة الإسلامية ، لأن مدلوله لا ينصرف الى استنباط الأحكام العلمية فحسب ، ولكنه يشمل كل مجالات الحياة المختلفة من حيث إنه قوة تحرك كل الطاقات نحو العمل المتقن في شتى الميادين(112) .

وإذا كان الاجتهاد قوة محركة للطاقات الفكرية نحو العمل والفاعلية ، فإن التقليد عامل يصيب الأمم بالسلبية والكساد ، ويؤثر تأثيرًا سلبيًا في التفاعل الحضارى وتقدمه ، وإن من يتأمل في حال بعض الأمم التى سلكت سبيل التحضر يدرك أنها تخلصت من الافكار الميتة الموروثة ، وجددت قاعدتها الفكرية والثقافة بتوفير كل الظروف للاجتهاد والبحث العلمى الجاد حتى يبقى المجتمع متجددًا في فكره وفاعليته ، وهو ما حدث (لليابان) حين اتخذ موقفًا تاريخيًا من الأفكار الموروثة من عهد ( الشوغون) (113)

وفى الواقع المعاصر ما زال التقليد منتشرًا بين الكثير من ابناء الأمة الإسلامية حتى على مستوى المذاهب الفقهية ، ومع حداثة الوسائل في نشر ( التراث) ، وتحقيق المصادر القديمة ، وطبع المراجع الحديثة ، ما زالت الهمم مقيدة بحبل التقليد والتبعية ، وباستثناء بعض الأنماذج الفردية التى تسير في طريق الاجتهاد - ما زال العمل الاجتهادى بعيدًا عن اداء رسالته الحضارية الجماعية .

ونخلص الى نتيجة مهمة وهى ان التقليد بمظاهره المختلفة هو احد الاسباب المعطلة للفاعلية في الأمة ، وإنه لا سبيل الى التحضر إلا بنبذه وبث روح الاجتهاد والبحث العلمى الجاد بين جميع المسلمين خاصتهم وعامتهم.

5.التعصب المذهبى والحزبى:

إن وحدة الأمة الإسلامية في العلم والمنهج ، والثوابت والأهداف هى الركن الأساس الذى قامت عليه الدعوة الإسلامية الموجهة الى الناس اجمعين ، ولقد استجاب لها المسلمون في اول عهدهم فاكسبتهم قوة وغلبة عزت بها الدينية فانتشرت ، وانتصرت وصدت من عارضها ، ففتحت امامها الطرق ، واتسع لها الأفق ، واصبحت عنوانًا للإسلام ومصدرًا لتفجير الطاقات المعلطة ، ووسيلة لتوجيه النفوس المكبلة.

ولقد دعا القرآن الكريم الى اجتماع الأمة كلها على منهج واحد ، وعدم الاختلاف والتفرق فيه قال تعالى: ( إن هذه امتكم أمة واحدة وانا ربكم فاعبدون ) [ الأنبياء:92] ، وقال ايضًا: ( واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم اعداء فألف بين قلوبكم فاصبحتم بنعمته إخوانًا) [ آل عمران:103] وقال ايضا: ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البيات) [ آل عمران:105]

وقد شبه الرسول صلى الله عليه وسلم المؤمنين بأعضاء الجسد الواحد (114) ، ولم يكن شئ ابغض إليه بعد الكفر بالله من الاختلاف والتنازع ، ولو في الأمورالعادية والاختلاف الذى ذمه صلى الله عليه وسلم ليس ذلك الاختلاف الطبيعى الذى جبل عليه الناس ، وإنما ما كان داعيًا الى الخصومة والنزاع ، يقول محمد رشيد رضا - رحمه الله: ( لما كان الاختلاف في الفهم والرأى من طباع البشر( ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ) [هود: 118 - 119] خص الاختلاف المذموم في الإسلام بما كان عن تفرق او سببًا للتفرق ، وجرى على ذلك السلف الصالح ، فحظروا فتح باب الآراء في العقائد واصول الدين ، وحتموا الاعتصام فيها بالمأثور من غير تأويل ، وخصوا الاجتهاد بالأحكام العملية ، ولا سيما المعاملات ، وكان بعضهم يعذر كل من خلفه في المسائل الاجتهادية ولا يكلفه موافقته في فهمه (115)

لقد جاء التوكيد في مصادر الوحى على أن ملة الإسلام هى ملة واحدة ، وان المستحق للعبادة والخضوع هو الله وحده ، وعلى اساس هذه القاعدة يجب الاجتماع والوحدة ولكن الذى أحدثه المسلمون - بعد القرنين الأول والثانى - هو تمزيق هذه الوحدة الجامعة ، حيث جعلوا دينهم مجموعة من المذاهب والأحزاب و ( كل حزب بما لديهم فرحون) [ المؤمنون:53] ، وكان هذا التفرق سببًا رئيسًا في تردى الأمة وضعفها ، وأدى الى مشكلات حضارية وفكرية ما زالت تعانى منها الأمة الإسلامية حتى الان .

إن هناك اسبابًا اجتماعية وفكرية وسياسية كثيرة كانت وراء ظهور المذهبية والحزبية في تاريخ الأمة الإسلامية لعل ابرزها الاختلاف في نظرية المعرفة بتن المسلمين , مما أدى إلى ذلك الخلل في فهم مراد الله , وهذا أدى بدوره إلى تفكيك القاعدة الفكرية , وتجزئة التصور الإسلامى , حتى وصل الأمر بالمسلمين إلى تكفير القاعدة والإصل , وانتشر بينهم الحديث الموضوع:"اختلاف أمتى رحمة" (116) الذى كان له دور سلبى فى

ضعف الأمة , وزعزعة تماسكها الداخلى 0

يقول ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:"إن سبب الاجتماع والألفة جمع الدين والعمل به كله , وهو عبادة الله وحده لا شريك له , كما أمر به باطنًا وظاهرًا , وسبب الفرقة ترك حظ ما أمر العبد به , والبغى بينهم , ونتيجة الجناعة رحنة الله ورضوانه وصلواته , وسعادة الدنيا والأخرة , وبياض الوجوه , ونتيجة الفرقة عذاب الله ولعنته وسواد الوجوه" (117) 0

فسبب الانسجام والوحده بين المسلمين ـ كما يرى ابن تيمية ـ هو الولاء المطلق لله ولرسوله وللمؤمنين الذين ينتمون إلى المبدأ نفسه لأن هذا الولاء من شأنه أن يؤسس شبكة العلاقات الاجتماعية التى تجتمع لتصب في مصب واحد هو مصلحة الدين والأمة 0

وإذا كانت المذهبية الفكرية سببًا أساسيًا في الفرقة بين المسلمين قديمًا , فإن الحزبية التى اتخذت أشكالًا سياسية ودينية وعرقية وغيرها 000 هى من أهم عناصر الاختلاف في هذا العصر , حتى إنك تجد الخلاف عميقًا ضمن الاتجاه الواحد , وقد يصل أحيانًا إلى المجابهة المادية (118) , مما أوهن قوى الأمة الإسلامية ، وقلل من احترامها امام الأمم الأخرى التى تتربص بها الدوائر.

إن التجمع الحزبى هو في حقيقتهخ وسيلة من الوسائل التى يلجأ إليها لتحقيق اهداف كبرى ، والمتأمل في تاريخ الأحزاب عامة يجد ان اى حزب منها هو في الغالب ثمرة فكر رجل واحد تجلت لديه بعض القدرات الاجتهادية ، ثم يتجمعه حوله مجموعة من الأتباع يتخذون من تجمعهم وسيلة لتحقيق غايات زعيمهم النظرية ، ولكن الذى يحدث مع مرور الزمن - وبخاصة بعد وفاة الزعيم - هو تقليد الأتباع لزعيمهم ودورائهم في فلك افكاره ، ويحدث عن هذا التقليد نوع من التعصب للأفكار يصبح بعدها الحزب غاية في حد ذاته ، الأفكار التى تخالف مبدأه ، ويصبح لسان حاله وقاله يقول: لن أبنى نفسى إلا إذا هدمت غيرى !.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت