فهرس الكتاب

الصفحة 1600 من 1942

وإذا كانت الأحزاب في بعض الدول المتحضرة أدوات فعالة تتاسبق كلها لخدمة المجتمع ، فإنها في بلادنا الإسلامية عاجزة عن توجيه الطاقات - باستثناء بعض النماذج الإسلامية - وهى في اغلبها بؤر لتجميد تلك الطاقات ، حيث انها تقيدهم بقيود الحزبية ولا تعطيهم مجالًا للتحرك خارج إطارها ، حتى وإن كان ذلك إبداعًا أو إجتهادًا او نقدًا ذاتيًا بناء.

إن توجيه العمل والفاعلية في مرحلة التكوين الاجتماعى عامة يعنى سير الجهود الجماعية كلها في اتجاه واحد (119) ، ومع وجود التعصب الحزبى والمذهبى لا يمكن تحقيق الوحدة الفكرية والثقافية بين المسلمين.

6.فقدان الحرية ( القهر ) :

يعد مصطلح (الحرية) من اكثر المصطلحات شيوعًا في هذا العصر ، ومن اكثرها دورانًا على الألسنة ، واستخدامًا بين الناس ، فما من مذهب دينى او علمانى او لاهوتى ، وما من زعيم مخلص أو مقهور او مخادع . إلا وتجده داعيًا الى مبدأ الحرية ، واضعًا إياه على رأس قائمة الأولويات ، وذلك لما لكلمة (الحرية) من سحر وجذب وسيطرة على النفوس ، ولا شك أن توجيه الجماعات في هذا العصر اصبح يعتمد على تلك الوعود بتوفير الحرية ، وكسر قيود العبودية والأذلال.

ولقد ظلت ( الحرية) على مدار التاريخ عرضة لعلميات ( تحجيم) ماكرة يراد منها ان تخدم مصالح بعض اصحاب القرار ، الذين لا يؤمنون اصلاًَ بالحرية إلا بمقدار ما تمنحهم هذه الحرية من (سلطات) إضافية ، تضاف الى رصيدهم من التسلط والطغيان والجبروت (120) ، ولم تعرف البشرية معنى (الحرية) الحقة إلا في ظل الإسلام الذى جعل العبودية لله طريقًا لتحرير الإنسان ، كما شهد بذلك المنصفون من علماء الغرب - ، يقول جوستاف لوبون: ( تشتق سهولة الإسلام العظيمة من التوحيد المحض ، وفى هذه السهولة سر قوة الإسلام ، والإسلام وإدراكه سهل ، خال مما نراه في الأديان الأخرى ، ويأباه الذوق السليم ، خاليًا من التناقضات والغوامض ، ولا شئ اكثر وضوحًا وأقل غموضًا من اصول الإسلام القائلة بوجود إله واحد ، وبمساواة جميع الناس امام الله) (121)

ومبدأ مساواة الناس جميعًا امام الله هو اساس التحرر البشرى من عبودية الإنسان ، هذه العبودية التى تتخذ ألوانًا شتى ، وإن من أشدها خطرًا ، وأبعدها أثرًا من خضوع الإنسان لإنسان مثله ، يحل له ما شاء متى شاء ، ويحرم عليه ما شاء كيف شاء ، ويأمره بما اراد ، فيأتمر ، وينهاه كما يريد فينتهى ، وبعبارة اخرى يضع له ( نظام حياة ) (122)

لقد جاء الإسلام ليعلن تحرير الإنسان من عبودية البشر ، قال تعالى: ( يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننل وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنًا بعضا أربابًا من دون الله ، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) [آل عمران:64] ، وهذا هو المفهوم الإسلامى للحرية ، المفهوم الذى يجعل الإنسان حرًا كلما خضع في تصوراته ومناهجه لله ، وإن هناك فرقًا كبيرًا بين هذا المفهوم ، ومفهوم الفلسفة الغربية الحديثة التى تجعل الإنسان حرًا في كل شئ ، ولا توجد قيود تقيده ما دام هو واضع المناهج والتصورات ، وقد قادت هذه الحرية التى التناقض والاختلاف ، والى سيطرة الأهواء البشرية والشهوات الإنسانية وما زال الإنسان عبدًا للإنسان.

إن شعور المسلم بالحرية في العصور الأولى للإشعاع الروحى كان يمنحه نوعًا من العزة والثقة بالنفس ، وفى الوقت نفسهخ كان يعيطه دافعًا معنويًا قويًا نحو العمل لانقاذ البشر المكبلين بحبال العبودية ، وقد كان قولهم: ( جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد الى عبادة رب العباد) رصيدًا حضاريًا يجوبون به الأفاق ، ويحررون به البشر.

لم تكن ( الحرية) عند المسلمين شعارًا براقًا ليس له أية علاقة بالواقع العملى ، ولم تكن أكذوبة يضحكون بها على الناس ، كما تفعل القوى الكبرى اليوم مع الشعوب المقهورة ، وكما هو الحال في مبادئ حقوق الإنسان التى خلفتها الثورة الفرنسية ، التى أثبت الواقع العملى انها فكرة تجسد سيطرة الإنسان القوى على الإنسان الضعيف.

إن الحرية تربى وتطلق الطاقات (123) ، وهى وقود ضرورى للفاعلية في اى مجتمع من المجتمعات المتحضرة ، وحين تفقد (الحرية) يحل محلها القهر والاستعباد وتتراجع النفوس عن أداء دورها ورسالتها الحضارية.

وإن نظرة فاحصة الى واقع ( الحريات) فى المجتمعات الإسلامية المعاصرة تقودنا الى تسجيل بعض الملاحظات منها:

أولًا: كان لخروج الاستعمار من البلاد الإسلامية إيجابيات كثيرة منها: عودة الشعور بالحرية ، وعودة الأمل عند المسلمين لبناء حياة جديدة يسودها الخير والعدل والمساواة ، ولكن لم يكتمل الشعور ، ولم يتحقق الأمل لوجود عقبات أخرى انشأتها الظروف الجديدة.

ثانيًا: الأنظمة المختلفة التى قامت بعد الاستعمار وعدت المسلمين بالحرية شريطة الرضا بالأوضاع القائمة حتى وإن كان فيها مخالفة واضحة للإسلام ، وحين قامت قوى الرفض تطالب بتصحيح الاوضاع قوبلت بالقهر المادى والمعنوى ، ودفنت الحرية في ليل الزفاف بثوبها.

ثالثًا: أصبح المسلم يشعر بنوع من القهر الاجتماعى يقيد حركته ويعطل نشاطه وبخاصة حين يحمل فكرة تغييرية في المجتمع ، بحيث يمارس المجتمع ضده نوعًا من القهر ، ليجعله في نظر الناس إنسانًا شاذًا يعيق حركة المجتمع نحو التقدم والتطور ، ومن هنا استطاعت بعض الأنظمة والأوضاع ان تقيم حاجزًا بين الناس وبين الدعاة العاملين.

رابعًا: كان القهر الاجتماعى والسياسى سببًا في هجرة كثيرة من المسلمين الى بلد تشيع فيها بعض الحريات مما أعطاهم دوافع جيدة للفاعلية والإبداع ، في مجالات مختلفة من الحياة ، وتسبب هذا في تفريغ بلاد المسلمين من طاقاتها العاملة .

ويبقى أن نشير الى أن فقدان الحرية هو أحد معوقات الفاعلية الأساسية التى تعيق الحركة ، وتقلل النشاط ، وتكبل الطاقات.

7.حالات نفسية سلبية:

ذكرنا فيما سبق ان البناء النفسى هو من اهم مقومات الفاعلية ونقصد بالبناء النفسى جاهزية النفس من حيث توفر المبرر ، ووجود الوقود لأداء رسالتها الحضارية في الحياة.

وعملية البناء النفسى هذه ليست بالعملية السهلة ، لأن النفس البشرية هى ذات تركيب معقد ، ويتطلب بناؤها وتغييرها شروطًا كثيرة ، ولكنها شروط موضوعية تخضع للسنن الاجتماعية التى بينها الله سبحانه في كتابه حيث قال: ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) [الرعد:11]

وقد تشترك اسباب وظروف اجتماعية كثيرة في نشأة بعض الحالات النفسية السلبية التى تقف عائقًا امام الشروط اللازمة لبناء نفسى متكامل، ولعل أخطر هذه الحالات تأثيرًا في النفوس حالة اليأس والقنوط التى تسبب السلبية ، وتفقد مبررات العمل ، وتقلل من الفاعلية ، وقد تقود احيانًا الى العزلة والتصوف ، أو الى الانتحار والاستقالة من الحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت