فهرس الكتاب

الصفحة 1601 من 1942

وحلاة اليأس والقنوط تقود كذلك الى فقد الثقة بالنفس ، والرضا بالواقع بما فيه من سلبيات وعيوب ، ولخطر هذه الحالة على الأمة الإسلامية لا زال كثير من العلماء والدعاة يحذرون منها ، ويدعون الى القضاء على اسبابها ، يقول الأمير شكيب ارسلان: ( قد انضم الى الجبن والهلع اللذين اصابا المسلمين اليأس والقنوط من رحمة الله ، فمنهم فئات قد وقر في انفسهم ان الإفرمج هم الأعلون على كل حال ، وإنه لا سبيل لمغالبتهم بوجه من الوجوه ، وإن كان مقاومة عبث ، وإن كل مناهضة خرق في الرأى ، ولم يزل هذا التهيب يزداد ويتخمر في صدور المسلمين امام الأوروبيين الى ان صار هؤلاء ينصرون بالرعب ، وصار الأقل منهم يقومون للأكثر من المسلمين(124)

ويقول محمد احمد الراشد: ( وفى المسلمين اليوم إحباط وتراجع وانسحابية ونفسية انهزامية لا يعالجها إلا وجود مثل هؤلاء القدوات الذين يتركون الخنادق والمعتزلات وينزلون الى مخالطة الناس_(125)

إن هذه الحالات النفسية السلبية التى أصابت المسلمين في هذا العصر ، هى نتيجة حتمية لفقد المبررات ، فأصبح المسلم مع هذا الفقدان يشعر بأنه لا يملك شيئًا يمكن ان يقدمه للآخرين ، وبدل ان يبحث عن مبررات جديدة راح يلعن الواقع ، ويفرغ سخطه على الإعداء ، مما اكسبه نفسية انهزامية وافقده الرغبة في الحركة نحو التغيير.

وإن من أخطر النتائج المترتبة على حالات اليأس والقنوط التى اصابت بعض المسلمين فقدان الثقة بالإسلام نفسه . ونسب العجز له لا لأتباعه ، وترتب على ذلك نشوء جماعة من أبناء المسلمين يدعون جهارًا الى الحداثة والتغريب ، وهم يرمون من وراء الدعوة الى الحداثة والتجديد ، الاستغناء عن قيم الإسلام التى يرونها لا تتناسب مع العصر ، وانه لا سبيل الى الحضارة إلا بالسير على منهج ( الغرب) ، واقتفاء اثرهم في كل شئ ، وإن هذه الدعوة الخطيرة هى في حقيقتها محاولة لإيجاد مبررات جديدة ، ولكن بمنهج خاطئ.

إن الإسلام لا يمكن ان يكون سببًا فيما اصاب المسلمين من تخلف وتراجع وانهزامية ، بل إنه قوة دافعة ، وعامل محرك ، يحارب العجز ، ويمقت التواكل ، وينبذ القنوط ( قل يا عبادى الذين اسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمة الله) [ الزمر:53] ، (ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرين) [ يوسف:87] وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ في إصباحه وإمسائه من الهم والحزن ، والعجز والكسل (126) ، ولحرصه الشديد على نفسية المسلمين الإيجابية ، كان يستعمل كل وسائل التربية والتوجيه حتى تبقى النفوس مؤمنة فعالة ، يقول عبد الله بن سمعود - رضى الله عنه: ( كان رسول صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة خشية السآمة ) (127)

هذا في مستوى الوعظ الذى كان يراعى فيه صلى الله عليه وسلم مقامات النفوس ، شخية ان تتسرب إليها السآمة والملل واليأس ، وحتى لا تفقد الوقود الروحى الذى يمنحها الدوام والاستمرارية والفاعلية .

ونخلص الى ان اليأس والقنوط والانهزامية هى رحالات نفسية نتجت عن فقدان المبررات في المجتمع ، فالمسلم مع ابتعاده عن حرارة الايمان ، وإشعاع الروح ، اصبح يشعر انه إنسان لم يخلق لأداء رسالة في الحياة ، وان الواقع الذى يعيشه ناقم عليه ، ولم يجدد سبيلًا للخروج من هذا المأزق سوى اللعن والقنوط ، ونسى انه يدل ان يلعن الظلام فليوقد شمعة.

إن الفاعلية تتعلق أساسًا بقضايا نفسية معقدة ، وقد حاولنا في هذا الفصل ان نذكر بعض المعوقات التى رأينا أنها اكثر تأثيرًا في نفوس المسلمين من غيرها ، ولا شك ان هناك عوامل أخرى تساهم في قلة الفاعلية او إنعدامها ، تتعلق بالبيئة والمحيط الاجتماعى ، وبالثقافات السائدة ، والثقافات المستوردة ، وبالأفكار الميتة ، والأفكار القائلة ، وبنظرة المسلم عامة ، وبمركزه في الحضارة الحديثة.

الفصل الرابع

مقومات الفاعلية ( الطموح )

1.الإقتناع أولًا:

الفاعلية حركة ، والحركة تحتاج الى وقود يعطى النفوس دفعًا الى الأمام ، وقوة نحو العمل والإنتاج ، وبما أن الإرتفاع الى مستوى الشهادة لا يكون إلا بفاعلية - اى بمساهمة كل فرد في المجتمع بنصيبه في البناء - فإن البحث عن الوقود الضرورى لها هو من اهم الغايات التى تسعى نحوها جميع الحركات السائرة في طريق التحضر.

وإذا بحثنا عن هذا الوقود الضرورى للفاعلية في جميع الحضارات التى عرفتها البشرية ، فإننا سنجده في ذلك الإشعاع الروحى الذى يدخل النفوس فسيحولها من نفوس حائرة كاسدة ، الى نفوس مؤمنة متحركة ، تعرف طريقها ، وتسعى بوعى لأداء رسالتها الحضارية في الحياة .

والحضارة الإسلامية انموذج واضح لدور القيم الايمانية في تغيير النفوس ، وبناء الحضارات ، فحين مست شرارة الروح أولئك العرب البسطاء حولتهم من بدو متناحرين الى دعاة اسلاميين ، يحملون رسالة الخير والعدل لإنقاذ البشرية الضالة ، وقد استطاعوا في فترة قصيرة ان يكونوا حضارة متميزة في مستواها الدينى والدنيوى.

ولم يكن الإيمان في حس المسلمين الأوائل الذين صنعوا الحضارة فكرة نظرية ، او عقيدة لاهوتية ، او دعوة انعزالية ، او ثقافة ترفية - بل كان رسالة تغييرية ، وفكرة واقعية ، ودعوة حضارية لها دور تريد تجسيده في الواقع ، وبهذا الفهم يصنع التاريخ ، وتبنى الحضارات ، وهو فهم غائب عن كثير من المسلمين في واقعنا المعاصر.

لقد قمنا - في فصل سابق - إن المسلمين اليوم لا ينقصهم منطق الإيمان كعقيدة فردية ليس لها اى بعد اجتماعى ، ولكن ينقصهم الحياة ، والحركة اى ان يتحول هذا الإيمان الى رسالة تغييرية في الحياة ، ويمكننا ان نقول ان شروط الإقناع لم تتحقق بكاملها عندهم ، اى ان هناك خللًا في عملية الإقناع بالرسالة الاجتماعية للإيمان لدى الغالبية العظمى منهم.

إننا نرى ان المسلمين اليوم لم يحققوا شروط الإقناع الكامل برسالة الإيمان الاجتماعية والحضارية ، لأن الاقتناع عملية نفسية تشارك فيها جميع قوى النفس ، ولا يمكن في هذه العملية ان نفصل بين العقل والعاطفة ، لأن إرضاء أحدهما لا يعنى بالضرورة رضا الأخر ، فقد يميل العقل الى حجة او برهان في حين تجد العاطفة مضطربة غير مطمئنة لذلك الموقف (128)

فالمسلمون يدركون بالعقل ان الايمان ضرورة حياتية ، ولكنهم في الوقت نفسه يشبعوا جانب العاطفة والضمير بفكرة ان الايمان رسالة اجتماعية ، وذلك راجع الى سيطرة الغرائز على الأفكار ، ومن هنا لم يتحول اقتناعهم الناقص الى إرادة وعمل ، ويمكننا في هذه الحال ان نشبههم بحالة الإنسان المدخن الذى تجده مقتنعًا بعقله بضرر التدخين ، ومع ذلك لا يستطيع تركه والإقلاع عنه لسيطرة قوى العاطفة عليه بتسجيلها الإحساس باللذة ، ولهذا كانت عملية الإقناع ناقصة لوجود الموانع كالشهوة وغيرها.

إن الإقتناع هو امتزاج الأمر الشرعى بالعقول والقلوب ، بحيث يتحول هذا الاقتناع مباشرة الى إرادة وعمل ، واى خلل في هذه العملية سيعطل الإرادة ، ويفقد العمل ، وهذا الاقتناع ضرورى للمسلمين في هذا العصر ، لأن فاقد الشئ لا يعيطه ، ولأن الفكرة الكامنة في النفوس إذا لم تتحول الى رسالة متحركة في الحياة ، فهى كالماء المخزون في سنام البعير .

كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ

والماء فوق ظهورها محمول

ويقول مالك بن نبى - رحمه الله - إن المسلم لا يستطيع ان يقوم برسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين إلا إذا حقق كمنطق خاص لرسالته كل شروط الإقتناع ، وكل شروط الأقناع (129)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت