فهرس الكتاب

الصفحة 1602 من 1942

وهو يقصد بشروط الاقتناع ، ان يقتنع المسلم بأنه له رسالة يجب ان يقدمها للآخرين ، ولا يكون ذلك إلا بتغيير في داخله ، وفى أغوار نفسه ، وحوله في محيطه الخاص او في محيطه العالمى (130)

وإن المسلم الذى يكره الموت ويحب الدنيا - كما جاء في حديث القصعة - وهو مسلم انحرف عن مسار الرسالة التى خلق من اجلها ، وهو عاجز عن اداء دوره الاجتماعى ، واستحق بذلك وصف ( الغقائية) ووصم ( الوهن) .

وإنه لا سبيل الى الحياة عاملة نشيطة إلا بعودة الشعور الحركى للمسلم ، الشعور الذى يرفعه من مستوى (الأنا) الى مستوى (النحن) ، والذى يمنحه الوقود اللازم للانطلاق نحو كسب احترام الاخرين له بما يؤدى من عمل ، وبما يزرع من خير ، وبما يقدم من جهد ، وهذا هو دورالشهادة على الناس الذى ينتظره منه كل الناس .

إن المسلم اليوم في حاجة ماسة الى الاقتناع برسالته وبدوره الحضارى ، وهذا الاقتناع الذى سيمنحه وقودًا لأداء وظيفته بفاعلية وثبات ، وسيكون بذلك واراثًا للنبوة ، وداعيًا الى الوسيطية والعدل ، ومنقذًا للبشرية التائهة ، ومنفذًا لأمر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: ( لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليبعثن الله عليكم قومًا ثم تدعونه فلا يستجاب لكم) (131)

2.المبررات والبناء النفسى:

المبررات هى الدوافع التى تحرك الطاقات الاجتماعية وتدفعها الى اعلى مستوى من النشاط والفاعلية ، وهى أحد العوامل الأساسية في البناء النفسى لأى شعب يريد التحضر ، وهى مثل الكريات الحمراء في الدم إذا فقدت لسبب من الأسباب ، أصيب الجسم كله بمرض (فقر الدم) الذى يكسب الجسم ضعفًا ووهنًا .

والإسلام هو مجموعة من المبادئ والقيم الروحية التى جاءت لتزود البشرية بمبررات جديدة ، لتحيا حياة حقيقة وفق منهج إلهى شامل ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) [ الأنفال: 24] ( وكذلك اوحينا إليك روحًا من آمرنا ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نورًا نهدى به من نشاء من عبادنا) [الشورى:52] ، فهذه الروح الموحى بها والتى لا قوام للجسد إلا بها ، ما هى إلا تلك المبررات التى تعطى للإنسان قيمته الاجتماعية ، وتحوله من إنسان ضال الى إنسان يسير على هدى وبصيرة ( ووجدك ضالًا فهدى) [ الضحى:7] .

والمتأمل في القرآن الكريم يدرك انه دعوة عالمية محدودة التكاليف يسيرة الرسالة ، وإنما كثرت سوره ، واستبحرت اياته لكى يتسنى عرض الحقائق الدينية في اسلوب عامر بالإقناع ، فياض بالأدلة (132) ، ولأنه يريد ان يهدم الأسس الفكرية للمناهج الباطلة ، ويبنى النفوس بناءًا نفسيًا قائمًا على مبررات جديدة ، فيها كل مقومات العمل الايجابية.

وكذلك جاءت السنة النبوية لتزود المسلم بمبررات وجوده ولتذكره دائما بدوره ورسالته في الحياة يقول الرسول صلى الله عليه وسلم لأحد الصحابة: ( لئن يهدى الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم) (133)

ويقول محمد المبارك: ( إن الله أمرنا ألا نرضى بالظلم والفساد ، والشرك والجهل والتغيير ، بل محاربة هذه الظاهرات الاجتماعية لإحلال العدل والفضيلة والإيمان والعلم محلها ، وما يصاب به الإنسان من مرض او هلاك نفس او مال ، عليه ان يدفعه عن نفسه(134) وهذه المفاهيم الإسلامية هى التى تحدد مركز المسلم في هذا العالم المتصارع ، كشاهد على الناس في فكرة وسلوكه ، بما لديه من قيم حضارية ، فيها الخير والسعادة للاخرين.

ومرت الأمة الإسلامية - بعد عصرها الذهبى - بظروف اجتماعية وسياسية ونفسية سيطرت فيها الغرائز والإهواء ، وسادت فسيها العصبية والشحناء ، حتى تكالبت عليها الأمم ، وطمع فيها الأعداء ، وظهر هذا الإنحراف بشكل واضح في طبقة القائمين على امور المسلمين ، حتى قال فيهم ابن الأثير قولته المشهورة: ( كانوا كالجاهلية ، همة احدهم بطنه وفرجه ، لا يعرف معروفًا ، ولا ينكر منكرًا) (135)

وهذا الوضع الذى وصلت إليه الأمة بعد فقدها للمبررات التى كانت تمنحها الحركة ، والحياة في اول امرها ، جعل الدعاة المصلحين والمجددين ينهضون بعزم وثبات لأعادة الأمة الى وضعها الطبيعى ، ولتغيير تلك المبررات المفقودة بأخرى جديدة ، مثلما يجدد العود حياته بعد يبسه ، ومثلما يغير الفجر ثوبه بعد غسله.

وما الصحوة الإسلامية التى شهدها العالم الإسلامى كله إلا ثورة لأعادة تلك المبررات المفقودة الى الأمة ، وبناء الجيل الجديد بناءًا نفسيًا يتجاوز كل العقبات والمعوقات للسعى نحو إعادة المشروع الإسلامى الكبير ، واستئناف الحياة الإسلامية من جديد ، وما زالت الجهود المقدمة لا تصل الى مستوى الطموح الذى تسعى إليه الصحوة ، وهو ان يحمل كل مسلم هم تبليغ رسالته ، والإرتفاع بسلوكه الى مستوى الحضارة.

إن على المسلم اليوم ان يشعر بأنه يملك شيئًا يمكن ان يقدمه للأخرين ، وبخاصة في هذا العصر ، الذى تتصارع فيه الأفكار والثقافات ، واصبح لزامًا على كل شعب ان يقدم ما يملك من امكانيات حتى يعلم حظه بين الشعوب (136)

ودور المسلم يتمثل في تحقيق الممارسة التطبيقة والسلوك العملى للآية الكريمة ( ولتكن منكم امة يدعون الى الخير يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) [ آل عمران: 104] ، فإذا ما تحقق هذا المبدأ في سلوكه فإنه سيوفر لرسالته شروط الفاعلية والنشاط ، وسيجلب احترام الاخرين له بما لديه من قيم شرعية.

إن الفاعلية تكون اقوى في الوسط الذى ينتج اقوى الدوافع ، وأقوم التوجيهات ، وأنشط الحركات (137) وهى نتيجة طبيعية للمبررات التى تدفع المسلم نحو العمل ، وتحرره من القيود التى تشل تفكيره وحركته ، وإنه لا سبيل امام المسلم اليوم إذا أراد ان يمارس دور الشهادة على الناس ، في هذا العصر الى تتهاوى فيه القيم والأخلاق ، إلا العودة الى ينابيع الوحى ليغرف منها مادة الحياة ، ويمزجها بشعوره وفكره ، ثم ينطلق الى الواقع ليعمل بيده ، وقلبه ، وفكره ، ليصنع تاريخًا مشرفًا فيه ارضاء لله ورسوله ، وللأجيال القادمة من بعده.

ومسؤولية هذه الأزمة الحضارية التى تعانى منها الأمة الإسلامية اليوم تقع عل عاتق كل مسلم يؤمن برسالته في الحياة ، وبخاصة ذلك المسلم الذى تهيأ نفسيًا وعمليًا لقيادة الأمة ، وتوجيه الطاقات ، وتفجير القدرات ، وهو الدور الغائب في واقعنا المعاصر .

3.النظرة الإيجابية:

النظرة الايجابية في الحياة هى التى تحدد موقف المسلم تجاه الأشياء ، وهى التى تحدد ايضا مكانته وقيمته الاجتماعية في الحياة ، لأنها سبب في العمل والحكرة ، وعامل في الفاعلية والعزم ، وهى في حقيقتها تجسيدًا لمبدأ التوكل على الله الذى يربط فيه المسلم بين الثقة بقدر الله ، وبين الأخذ بالأسباب التى نصبها الله لعباده .

يقول ابن قيم الجوزية - رحمه الله -: ( من تمام التوكل استعمال الأسباب التى نصبها الله لمسبباتها قدرًا وشرعًا ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه اكمل الخلق توكلًا ، وإنما كانوا يلقون عدوهم وهم متحصنون بأنواع السلاح ، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة والبيضة على رأسه ، وقد انزل الله عليه( والله يعصمك من الناس) [المائدة:67] (138)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت