فهرس الكتاب
والمسلم اليوم ؛ إما انه يخطئ في فهم التوكل على الله ، فيركن إلى التواكل ، ويترك العمل بالأسباب ، وإما انه يعمل بالأسباب ولكن يمنهج خاطئ ، وذلك حي? ينظر الى الأشياء بنظرة فيها تساهل وغباء مما يقود مالك بن نبى - رحمه الله: ( نحن ننظر الى الأشياء على انها(سهلة) وهو قائد ولا شك الى نشاط اعمى ، وإما ان يأخذ النظرة إليها على انها ( مستحيلة) فيصاب النشاط بالشلل (139)
فالنظرة الى الاشياء عند المسلم ينبغى ان تتسم بالإيجابية التى لا تعرف إفراطًا ولا تفريطًا ، ومثل هذه النظرة المعتدلة ستمكنه من التفاعل مع الواقع بثقة وحزم ، وفاعلية وعزم ، وأن عليه تقديم العمل الصائب ليحصل على أحسن النتائج ، أما إذا تخلفت النتائج فسيكون مطمئنًا راضيًا بقضاء الله وقدره.
ولنا في القرآن الكريم انماذج حية لمواقف المؤمنين الإيجابية تجاه الأشياء ، فمن ذلك قصة ( ذى القرنين) ذلك الرجل الذى طاف مشارق الأرض ومغاربها ناشرًا للعدل والفضيلة ، قامعًا للظلم والرذيلة وهو يمثل انموذجًا رائعًا للمسلم الفعال الذى لا يعرف عجزًا ولا جبنًا ، وانظر معى الى موقفه الايجابى تجاه المشكلات التى واجهته ، قال تعالى: ( ثم اتبع سببًا . حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قومًا لا يكادون يفقهون قولًا . قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجًا على ان تجعل بيننا وبينهم سدًا . قال ما مكنى فيه ربى خير فأعينونى بقوة أجعل بينكم وبينهم ردمًا . آتونى زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارًا قال أتونى افرغ عليه قطرًا . فما استطاعوا ان يظهروه وما استطاعوا له نقبًا . قال هذا رحمة من ربى فإذا جاء وعد ربى جعله دكًا وكان وعد ربى حقا) [ الكهف: 81 - 89]
إن موقف ( ذى القرنين ) متسم - كما هو ملاحظ - بالايجابية في التعامل مع هذه المشكلة وتظهر الايجابية اولًا في التوكل على الله ( قال ما مكنى فيه ربى خيرا) ثم في الأخذ بالأسباب ( آتونى زبر الحديد) ، ثم في الاستعانة بالسنن ( ثم اتبع سببًا) ، وهذا الموقف الايجابى هو الذى حقق تلك النتائج العظيمة ، التى لم يحققها فاتح في تاريخ البشرية.
إننا لم نلاحظ في موقف هذا العبد الصالح اى نوع من انواع التبرير او السلبية او العجز ، فهو لم يلجأ الى الدعاء مثلًا لتبرير عجزه ، ولتخليص هؤلاء الكسالى من بغى يأجوج ومأجوج ، وهو ايضا لم يعتمد على منطق الاستحالة لرد عدوان هؤلاء المفسدين ، بل انطلق لحل الأزمة معتمدًا على الله ثم على ما بين يديه من وسائل بشرية.
وهناك قضية اخرى تتعلق بموقف المسلم تجاه الأشياء ، وهى ان بعض المسلمين يعتقدون ان العمل الناجح لا يؤدى بالضرورة الى النتائج المرجوة ، وهذه النظرة قد تؤدى بهم الى تقديم العمل دون فاعلية كافية لأنهم لا ينتظرون نتيجة إيجابية لجهدهم المقدم.
يقول جودت سعيد: ( إن اعتقاد المسلمين بأن النجاح ليس نتيجة حتمية للسعى الصالح هو من اشد المعوقات التى تمنع المسلمين من مراجعة اعمالهم ونقدها ، لأنهم لا يفرضون فيها الخطأ بل يفرضون انها كانت صائبة ولكن لم تأت النتيجة لأمر اراده الله(140)
ولا ينبغى ان نخلط هنا بين من يعتقد بأنه يملك العمل ولا يملك النتائج ، وبين من يعمل اى عمل دون مراعاة شروط الصواب ، ثم يقول: إن النتائج بيد الله ، ويحمله تعالى تبعة اخطائه.
إن على المسلمين اليوم إذا ارادوا ان يزيلوا عنهم وصف الغثاثية - وهم بهذا الكم الهائل- ان ينطلقوا الى الحياة بأفق حضارى واسع ، ويخلعوا عنهم لباس الوهن ، وينظروا الى الواقع نظرة إيجابية تبعد كل دواعى اليأس والقنوط ثم ليوقنوا بأن نصر الله لن يتخلف عنهم إذا هم حققوا النصر على انفسهم و ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) [ الرعد: 11]
وهذه النظرة الإيجابية من شأنها تزويد المسلمين بالطاقة والفاعلية ، لأنها جزء من الإيمان ، ( هذا الايمان الذى لا يمس قلب شخص إلا ويكون أول اعماله تقديم ماله وروحه في سبيل الايمان ، لا يراعى في ذلك عذرًا ولا تعله ، وكل اعتذار في القعود عن نصرة الله فهو اية النفاق ، وعلامة البعد عن الله ) (141)
4.التوتر والحماس الذاتى:
التوتر هو نوع من الحيوية الدافعة التى تميز اى مجتمع في بداية حضارته ، وتستمر معه هذه الحالة طيلة رحلته الحضارية ، وهو ايضا حماس ذاتى يدب في المجتمع فينطلق جميع افراده لانقاذ انفسهم ، وتحقيق وجودهم ، وتطوير مجتمعهم .
ويرى مالك بن نبى - رحمه الله - ان التوتر الذى يمد المجتمع بالفاعلية ما هو إلا حالة نفسية يمكن ان نسميها قلق ، وليس المقصود هنا الحالة النفسية المرضية ، وإنما هو حالة صحية لأنه علامة الحياة الأولى ، وعلامة الولادة الجديدة ، فإن الطفل يستبشر أهله بولادته ولادة سليمة حينما يبكى ، يقول - رحمه الله -: ( نحن إذ يعترينا القلق في حياتنا نشعر بأنا قد ولدنا ولادة جديدة ، فقد عشنا قرونا طويلة لا نشعر فيها بأى قلق ، فحياة جدى رحمه الله كان يحتويها جو من الطمأنينة فقد كان رجلًا فاضلًا مؤمنا يقوم بواجباته كمسلم ، ولكنه لا يشعر في يوم من الأيام بوجود المشكلات تواجهه رويدًا رويدًا وبدأ يشعر شيئًا ما بالقلق ، ثم أتى جيلنا فتعلقت على رأسه الاف من المشكلات ، ونقط الاستفهام ملحة للجواب عليها ، ملحة لدارستها لأنها تتصل بجوهر الحياة كياننًا(142)
ولكن كيف يحدث هذا الشعور بالقلق ، وما هى الظروف التى تنشئ حالة التوتر التى تبعث الحياة في المجتمع.
إن الشعور بالخطر هو السبب الذى يضع الإنسان امام تحدى مشكلاته ، ويشكل عنده ما يسمى بحالة ( إنقاذ) وأول ما يكون من اثر هذه الحالة في فنسه أنها تحرمه الشعور بالإستقرار بما يعتريه ويسيطر على مشاعره من قلق لا يمكن دفعه إلا بتغيير الوضع ، بتغيير الأشياء بالوقوف امام الحوادث لتوجيهها لغايات واضحة وقريبة في شعور الفرد ، سواء اكان الواقع يؤيد هذا الشعور أو لا يؤيده (143)
والشعور بالخطر ليس باعثًا دائمًا لحالة القلق التى تدعو الى الحركة نحو التغيير ، إلا إذا صاحب هذا الشعور دافع ايمانى قوى ، لأن كثيرًا من الأمم والشعوب تحاصرها المشكلات ، وتهددها الأخطار ، ولا تجد عندها اى شعور بالقلق يدفعها الى تغيير وضعها ، وذلك لفقدها الطاقة الايمانية الضرورية في مثل هذه الظروف.
وقد ظهرت حالة التوتر بشكل واضح في بداية الإنطلاقة الإسلامية ، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم ، أول إنسان مسته شرارة الروح ، فكان ان شعر بالقلق بعد نزول الوحى عليه ، هذا القلق الذى سيكون من اقوى الدوافع لديه نحو الحركة ، والتغيير وقد سجل القرآن الكريم والسنة النبوية هذه الظاهرة التى حدثت للرسول صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى ( فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفًا ) [ الكهف:6] ، وقال تعالى: ( فلا تذهب نفسك عليهم حسرات) [ فاطر: 8] ، فسلوك النبى صلى الله عليه وسلم هنا ناتج عن حرصه الشديد على إنقاذ أمته ، وقلقه المستمر على تغيير الوضع الجاهلى السائد ، ولذلك وصف في القرآن بأنه ( حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ) [ التوبة: 128]